الرئيسة    الفتاوى   النكاح   رد الخاطب لأجل فقره أو قبحه

رد الخاطب لأجل فقره أو قبحه

فتوى رقم : 22677

مصنف ضمن : النكاح

لفضيلة الشيخ : سليمان بن عبدالله الماجد

بتاريخ : 25/12/1442 23:20:54

س: شيخنا الفاضل .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. يتردد بين الناس حديث: (إذا أتاكم من ترضون دينة وخلقه فزوجوه إذا لم تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، وأفهم ويفهم كثيرون أنه لا يجوز أن يُرد الخاطب لأجل الفقر أو القبح، وكثير من الآباء يتحرجون شرعاً من رد الخاطب لهذه الأسباب لأجل هذا الوعيد العظيم؛ فهل هذا صحيح؟ شاكراً لكم.

ج: الحمد لله وحده أما بعد.. فإن المرأة العاقلة والرجل الرشيد عند الخطبة يتمسكان بأصول الحكمة، ومنها: أن لا يجعلا المسائل الشكلية والمادية المعيار الوحيد للقبول والرفض؛ بحيث يعتبر الشكل على حساب الدين والخلق، بل يجعلان الدين والخلق أساساً وشرطاً ثابتاً، ثم يبحثان فيمن هذه صفته عن الجوانب المادية والشكلية.
أما حكم رد الخاطب إذا وُجِدت فيه بعض الأحوال التي لا ترتضيها المخطوبة في أمور دنياه؛ كفقره، أو مستواه الاجتماعي، أو دمامته، أو تقدمه في السن فإن ذلك جائز وحق من حقوقها؛ ولو كان ذا خلق ودين؛ وذلك لوجوه:
1. أن الشريعة عُنيت عناية عظيمة بتحقق أسباب المحبة بين الراغبَين في الزواج؛ حتى إنها أباحت النظر المحرَّم إلى المرأة لهذا السبب، وقد علل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك النظر بقوله: "فإنه أحرى أن يؤدم بينكما". رواه الترمذي والنسائي من حديث المغيرة بن شعبة.
وكثير من المعاني الدنيوية الشكلية والمادية المذكورة وغيرها إذا نقصت كانت سبباً للكره أو ضعف المحبة؛ مما يؤثر في العلاقة بين الزوجين.
2. ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من جواز رد الخاطب لأمور دنيوية فقد صح في "السنن الكبرى" (5/445) للنسائي: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس، أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم وذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم وأسامة قد خطبوها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، ولكن انكحي أسامة".
3. ما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ثابت بن قيس رضي الله عنه أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله: ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتردين عليه حديقته؟" قالت: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة". رواه البخاري.
فقد ذكرت أنها لا تعيبه في خلق ولا دين وإنما كان ذلك لأمور دنيوية؛ فلم ينكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؛ وأجاز مخالعتها زوجها دون نكير، بل دون أن يُنقل عنه نصيحة أو توجيه بالبقاء معه.
فإذا كان هذا في حال نكاحٍ قائم، وفي مقام استدامة؛ فكيف تكون الحال في نكاح لم يقع بعد وهو حال ابتداء، ومن المعلوم أن حال الاستدامة أقوى من الابتداء، وأدعى لبقاء المرأة مع زوجها، وأن الدفع أسهل من الرفع، ومع ذلك لم ينكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم عليها طلب المخالعة لأسباب غير الدين والخلق؛ فبالأولى أن يجوز للمرأة أن تُعْرض عن خاطب لا ترتضيه في أمور دنياه.
4. ما ثبت عن بريدة قال: خطب أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فاطمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها صغيرة، فخطبها علي رضي الله عنه فزوجها منه. رواه النسائي في "السنن الكبرى"(3/265).
فربما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اعتذر لأبي بكر لأجل فارق السن بينه وبينها؛ حيث كان أبوبكر رضي الله عنه يكبر فاطمة باثنتبن وثلاثين سنة، وكان علياً يكبرها بخمس سنوات، وهو معنى دنيوي اعتبره صلى الله عليه وسلم في قصة أخرى حين قال لجابر رضي الله عنه بعد أن تزوج ثيبا: "فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك"، فالصغر على هذا أمر نسبي، وليس لكون فاطمة لا تتحمل أعباء الزواج، ولا ما قال به بعض أهل الأهواء الجافين عن أبي بكر رضي الله عنه حين اعتبروه طعنا في كفاءته الدينية.
أما ما احتج به البعض على تحريم رد الخاطب كحديث أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد"، فقد رواه الترمذي وغيره، وأصح أقوال المحدثين فيه أنه حديث ضعيف، ضعفه ابن القطان والذهبي، وهو ظاهر صنيع كل من ابن معين والبخاري وغيرهما، ولم أر من قال بثبوته من المتقدمين إلا الترمذي فقال بأنه حسن غريب، وفي مصطلحه في التحسين احتمالات معلومة، وكلام الأئمة في تصحيحاته رحمه الله للأحاديث فضلا عن تحسيناته كلام مشهور عن الذهبي، وابن القيم، وابن دحية وغيرهم، وأما تصحيح الحاكم فقد تعقبه الذهبي، رحم الله الجميع.
ولو صح حديث أبي حاتم هذا فهو محمول على الاستحباب، أو أنه محمول على واقعة عين قد يترتب على الرد مفاسد أعظم؛ فلا تعارض حينئذ، وما ذكرناه من الوجوه الأربعة في صدر الجواب تدل دلالة ظاهرة على الجواز، وهي أقرب إلى جنس المحكم، وحديث أبي حاتم قد يكون أقرب إلى جنس المتشابه المشكل، الذي يرد إلى المحكم أو القوي في دلالته.
فعليه لا حرج على المرأة إذا ردت الخاطب لسبب دنيوي ترى أنه قد يؤثر في حقوقها أو في محبتها إياه. والله أعلم.

خاطب    امرأة    رفض    فقير    حرج    حديث نبوي    خِطبة    ردّ    نكاح    مخطوبة    

خطبة    مخطوبة