الرئيسة    الفتاوى   الأطعمة والأشربة والصيد والذبائح   حكم ذبائح أهل الكتاب إذا كان الذبح يحصل بعد التخدير بالكهرباء

حكم ذبائح أهل الكتاب إذا كان الذبح يحصل بعد التخدير بالكهرباء

فتوى رقم : 15523

مصنف ضمن : الأطعمة والأشربة والصيد والذبائح

لفضيلة الشيخ : سليمان بن عبدالله الماجد

بتاريخ : 16/05/1432 12:45:58

س: ما حكم طعام أهل الكتاب إذا كان الذبح بالقطع بعد التخدير بالكهرباء؟ وهل يكفي التثبت بسؤال صاحب الطعام؟

ج: الحمد لله وحده أما بعد .. إذا كان المسلم في بلد مسلمين أو أهل كتاب ؛ فإن له أن يأكل من ذبائحهم ؛ لأن الأصل هو حل ذبيحة المسلم والكتابي حتى يعلم في الذبيحة المعينة واللحم المعين أنه ذبح على غير الطريقة الشرعية ؛ وإن لم يُعلم ذلك فالأصل حل الذبيحة ؛ حتى لو بلغه عن بعض المسالخ أنها لا تلتزم في بعض إنتاجها بالطريقة الشرعية ؛ لأن التكليف يتعلق باللحم المعين الذي بين يدينا ؛ فإذا لم تتيقن أنه قد ذبح على غير الطريقة الشرعية فهو من جملة طعام أهل الكتاب ؛ فيحل أكله ، وقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : إن الصحابة قالوا : يا رسول الله ، إن هنا أقواما حديثاً عهدهم بشرك ، يأتوننا بلحمان لا ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا ؟ قال : "اذكروا أنتم اسم الله وكلوا" .
ولا خلاف في حرمة ذبيحةٍ علمنا عنها بعينها أنها ذُبحت على وجه غير شرعي ؛ إلا ما رآه الإمام ابن العربي المالكي وآخرون من حل ذبائح أهل الكتاب ؛ وإن علمنا أنهم ذبحوها على غير الوجه الشرعي ، ولكنه قول مهجور .
ولا خلاف أيضا في حل ذبيحةٍ نعلم عنها بعينها أنها ذُبحت على الوجه الصحيح .
وإنما وقع الخلاف في حال ثالثة وهي : أن نجهل حال هذه الذبيحة المعينة : هل ذُبحت على الوجه الصحيح أو لا ؟ وقد استفاض أو تحقق أن الطريقة التي تُتخذ في الذبح من حيث الجملة في ذلك البلد أو المسلخ الذي أنتجها أنها طريقةٌ محرمة ، لا تصح معها التذكية .
وكان سبب الإشكال فيها هو الظن أن انتشار الطريقة المحرمة دليل على حرمة الذبيحة المعينة ، وعند التأمل يظهر أنه لا تلازم بين الأمرين لا شرعا ولا عقلا :
أما عدم التلازم الشرعي فلأن الله أباح ذبائح أهل الكتاب ، والخطاب في ذلك يتوجه إلى آكل الذبيحة المعينة ، وهذه الذبيحة مشمولة بكونها من طعام أهل الكتاب ، ولا دليل بأن عين هذه الذبيحة قد ذُبح على وجه يحرمها .
وقد تضمن حديث عائشة المذكور ما يدل على وجود حالة سائدة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من عدم ذكر اسم الله على الذبائح ، ويظهر هذا في شك الصحابة بسؤالهم عن التسمية ، ومع ذلك لم يلتفت صلى الله عليه وسلم إلى هذا الأمر ، ولم يطلب التحقق بالسؤال عنها ، ولم يشر إلى الاحتياط والورع ، وإنما نبههم إلى ما يجب عليهم ويخاطبون به ، وهو أن يسموا هم عند الأكل .
كما أن الشريعة أباحت طعام أهل الكتاب ، ومن المعلوم أن النصارى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مشركون في الحقيقة ؛ لأنهم يؤلهون عيسى ومريم عليهما السلام ، ويغلب على الظن أنهم ربما أهلوا كثيرا من ذبائحهم لغير الله ، ومع ذلك كان الحكم بحل ذبائحهم .
فدل الحديث وحال أهل الكتاب في عهد النبوة على عدم الالتفات إلى الوضع السائد والأحكام الجملية التي لا تفصيل فيها .
أما عدم التلازم العقلي فهو ظاهر ؛ فإن وجود الخطأ في أحوال ؛ ولو كانت غالبة لا يعني سريانه إلى أحوال أخرى ، وخطأ الموظف عشر مرات لا يعني أن الحادية عشر مثلها ؛ بل حتى لو كانت الطريقة نظاما متبعا ملزما في المسلخ المعين لم يكن ذلك دليلا على أن المعينة قد ذُبحت على وجه محرم .
وما يقع في نفوس أبناء الجاليات المسلمة من تأثير الحال السائدة والغلبة والأحكام الإجمالية تطغى على النفس والعقل حتى تحيل الأمر إلى حقيقة لا جدال فيها ، لكنها عن التأمل لا تستند إلى دليل شرعي ولا عقلي .
ولو قيل بغير هذا لحرم أكل كثير مما يذبح في بعض بلاد المسلمين التي يكثر فيها الأخطاء أو التساهل ؛ فقد رأيت بنفسي صورة دجاجة لم تذك ؛ حيث إنها بكامل جسمها وهي من مسلخ محلي ، ومع ذلك فإن الأصول تقتضي أن تحرم الذبيحة المعينة ، ولا يسري ذلك إلى بقية ذبائح المسلخ ؛ بل ولا حتى بقية ذبائح الجزار نفسه الذي أجازها للتصدير.
قال ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" (1/225) : ( أباح الله لنا طعام أهل الكتاب , مع إمكان أن لا يذكوه التذكية الشرعية , أو يسموا عليه غير الله ).
ويقع الاشتباه هنا بين ما تقتضيه الأحكام السلطانية ، وقواعد السياسة الشرعية من الاحتساب على هذه المسالخ والرقابة عليها ، والاتفاق معها على منح شهادة المطابقة ، وبين الأحكام الفقهية المتعلقة بالذبيحة المعينة المبنية على أصل الحل ، ومراعاة القواعد الحاكمة لهذه المسألة .
وقد ثبت في "المصنف" لابن أبي شيبة عن قبيصة بن هُلْب الطائي عن أبيه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طعام النصارى؟ فقال : "لا يختلجن في صدرك طعام ضارعت فيه نصرانية" حسنه ابن حجر والألباني وغيرهما.
ومعناه لا تتحرج من طعامهم بدليل ما جاء في رواية أخرى بلفظ : "لا تدع طعاما .." الحديث .
ومن ترك الأكل من طعامهم طبعا وعادة فلا يجوز له أن يشق على غيره ، ولا أن ينكر على الناس في ذلك .
وأما تخدير الحيوان أو تدويخه بالكهرباء أو غيرها ؛ فإن أدركوها حية ، وأنهر منها الدم فهي حلال ؛ لقوله تعالى بعد ذكر المنخنقة والموقوذة : "إلا ما ذكيتم" . والله أعلم .