قرأت في كتاب فتاوى إمام المتقين ورسول رب العالمين لابن القيم ، الطبعة الثانية والناشر دار المعراج الدولية في صفحة رقم 95 : أن امرأة صفوان بن المعطل السلمي قالت للرسول صلى الله عليه وسلم : إنه يضربها إذا صلت ، ويفطرها إذا صامت ، ولا يصلى حتى تطلع الشمس ، فسأله عما قالت ، فأجاب ، ولكن سؤالي عن قوله : "إنا أهل بيت لانكاد أن نستيقظ حتى تطلع الشمس ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : "صل إذا إستيقظت" . أولا : هل الحديث صحيح ؟ وثانيا : ما معنى كلامه : "إنا أهل بيت لا نستيقظ حتى تطلع الشمس" ؟ وجزاكم الله خيرا.
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. الحديث رواه أحمد وأبو داود وغيرهما ، وصححه ابن حبان والحاكم ، والحافظ ابن حجر ، والألباني . وأعله بعض المحدثين كالبخاري والبزار .
وقد قال آخرون بنكارته متنا ، ووجهها عندهم : أن صفوان لما رُمي بعائشة رضي الله عنها فى حديث الإفك قال : (ما كشفتُ كنف أُنثى قط) ، فظاهره معارض لحديثنا هذا الذي فيه أن له زوجة .
وقد أجاب عنه ابن القيم بعدم المنافاة ؛ فقال في "إعلام الموقعين" (4/243) : (..فإنه إلى ذلك الوقت لم يكشف كنف أنثى قط ، ثم تزوج بعد ذلك ) اهـ . وبنحوه قال ابن حجر في "الفتح" .
وما طعن فيه بعض العلماء من كون صفوان قد جُعل مع الساقة الذين يكونون خلف الجيش ، وأن هذه الحال التي شكا منها تتنافى مع تلك الوظيفة لخطرها ففيه نظر ؛ لأن وظيفة السائق ليست خطرة ؛ كخطر وظيفة الحارس والربيئة ، ووظيفة السائق هي جمع ما يسقط من أمتعة الجنود ، وحتى لو كانت وظيفة خطرة فإن مرضه إنما هو حال النوم لا حال اليقظة .
وفيه دليل عل أن تقدير أسباب رفع الحرج راجع إلى الإنسان نفسه ؛ ، وأنه لا صحة للقول بأن سبيل ضبط ذلك أن يُعتبر ما يتحمله أواسط الناس ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يحْمِله على ما عليه أكثر الناس ، ولأن اعتبار ضابط أواسط الناس يؤدي إلى تكليف الضعيف بما فيه مشقة وحرج ، وهذا خلاف الأدلة التي بينت أن الحرج مرفوع ؛ كما أنه يقتضي أن يُخفَّف عن القوي الشديد مع قدرته ، وهذا خلاف أصول الشريعة .
والضابط الذي دل عليه القرآن ظاهر في قوله تعالى : "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" ؛ فالتكليف مبني على وسع النفس التي وُجه إليها الخطاب ، وليس وسع غيرها .
وإلى هذا ذهب جمع من المحققين منهم أبو إسحاق الشاطبي حيث قرر في "الموافقات" (1/314) أن المكلف في تقدير الحرج والمشقة فقيه نفسه ، وانتصر لهذا القول ، وبين دليله .
وقد قال بعض أهل العلم بخصوصية هذا لصفوان ؛ لأن القول بموجبه يؤدي إلى تذرع الناس بمثل ما تذرع به صفوان ؛ فيكون سدا لباب الحسبة .
فالجواب عن ذلك أن يقال : إن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل ، ويقال أيضا : إن الحديث هو أصل الأصول ؛ فلا نرده بما استقر في الأذهان من فهم قد لا يكون موافقا لفقه الكتاب والسنة .
كما أنه لا تعارض بين نصيحة مثل هذا المتخلف عن الصلاة وبين تصديقه إذا اعتذر بذلك ؛ فنبدأ بالنصيحة كما فعل صلى الله عليه وسلم ، وإذا اعتذر بما يكون له عذر عند الله في الأخذ بالرخصة وكلناه في عذره إلى الله .
ويقال من وجه آخر : إن هناك فرقا بين مقام الناصح والمفتي من جهة ، وبين مقام المحتسب الرسمي والسلطان من جهة أخرى ؛ فليس للناصح والمفتي أن يتقصيا على الناس ، ولا أن يتحققا منهم ، وإنما يكلانهم إلى ديانتهم ، ويأخذان بظاهر أمرهم ، وأما السلطان والمحتسب فلهما ـ دون إيجاب ـ إذا رأيا ضرورة أن يتحققا ؛ حفظا للنظام العام ، وقد تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع صفوان بطريقة الأوليَن ؛ لأنه لم يحتج إلى الثانية . والله أعلم .