في عالمنا الإسلامي هناك حاجة دائمة إلى الخروج من دائرة – أو أسر – المتابعات اليومية للأحداث ، خاصة بالنسبة للملفات الساخنة المفتوحة، نحتاج إلى التأمل في مسارات الأزمات ومنحنياتها الزمنية واحتمالاتها المستقبلية.
وتأتي قضية دارفور في السودان ضمن القضايا التنمية التي لا تستوعب أبعادها المتابعات اليومية عبر الفضائيات أو مواقع الإنترنت .
كان النظام السوداني عام 2004م منهمكاً في مفاوضات مضنية مع الحركة الشعبية في جنوب السودان، عندما قفزت إلى القمة فجأة أحداث دارفور لتجتمع على الحكومة أزمتان في الجنوب والغرب. تبنّت واشنطن القضية، وهرع وزير الخارجية وقتها (كولن باول) ومعه وفد ضمّ (95) شخصاً، وتبعه الأمين العام السابق للأمم المتحدة (كوفي عنان)، وسُلّطت الأضواء على المنطقة التي يسكنها ستة ملايين سوداني وتمثل خُمس مساحة السودان تقريباً.
وخلال عدة أشهر زار المنطقة وفود متتابعة من الكونجرس الأمريكي، وأصبحت دارفور قضية عالمية تُناقش في برلمانات الدول وكأنها قضية تمسّ الأمن القومي لكل دولة في العالم الغربي حتى في دول مثل النرويج وهولندا.
لم يمرّ عام على ذلك حتى اضطرت الحكومة إلى توقيع اتفاقية (نيفاشا) مع حركة (جارانج) بشروط مجحفة، ثم تفرغت لمواجهة سيناريوهات الأزمة في دارفور.
منذ قدم التاريخ وإثارةُ الأزمات العرقية والطائفية داخل الدول تعدّ من أهم الوسائل لتفكيك دولة ما وإضعافها، وهنا بديهيات لابد من التذكير بها،
أولاً: عندما تفجِّر أطراف خارجية أزمة عرقية أو طائفية داخل دولة فإنه يصبح من المسلم به أن عودة الأمور إلى سابق عهدها مطلب خيالي.
ثانياً: ليس من المعقول أن تفجر أطراف خارجية تلك الأزمات ثم تبذل جهوداً مماثلة للمّ الشمل وإصلاح ذات البين.
ثالثاً: لكل أزمة سياق معيّن في إدارتها، فعندما يكون التمرد ممثّلاً في حركة غالبة قوية، فإنها تتلقى دعماً عسكرياً ومالياً وسياسياً حتى تتحقق أهدافها كما حدث مع حركة (جارانج)، وعندما يتمثل التمرد في حركات كثيرة متنافسة وضعيفة عسكرياً – كما هو الحال في دارفور – يكون الأنسب – من وجهة النظر الغربية – إيفاء تلك الحركات مختلفة حتى تعجز حكومة السودان عن إدارة المفاوضات وتوجيهها سعياً للوصول إلى حلٍّ نهائي.
حقيقة الأمر أن المساحة المتاحة أمام حكومة السودان للتحرك والتحكم في مسار الأزمة قد تقلصت إلى حدٍّ كبير، وأصبح خيار (تجنب الأسوأ) هو الإستراتيجية المستخدمة في المرحلة الحالية، وهذا الخيار يقدم تسكيناً مؤقتاً للأزمة ولكنه يقترب ببطء من الهاوية.
في مباحثات (أبوجا) في نيجيريا عام 2006م لم تحصل السودان سوى على اتفاق مع فصيل واحد من المتمردين (أركوي ميناوي)، وفي المباحثات القادمة بعد شهر من الآن أعلن الفصيل الأقوى (عبد الواحد نور) أنه لن يحضر المباحثات في طرابلس بليبيا، وقد وافقت الخرطوم على قدوم 26 ألف جندي ممثلين للأمم المتحدة لحفظ السلام في دارفور، والإنجاز الذي تحقق أن يكون أغلبهم من إفريقيا، وكأنه لا توجد في القارة دول تتمنى زوال السودان من على الخارطة .
حتى نفهم مسارات الأحداث القادمة في دارفور، يجب أن نتأمل في مثيلتها في جنوب السودان، فوفقاً لاتفاق (نيفاشا) سوف يستفتي الجنوبيون عام 2011م حول إن كانوا يؤيدون البقاء مع الخرطوم أو الاستقلال. قادة الحركة الشعبية يؤكدون أنهم مع دولة واحدة، ولكن على الأرض توجد 18 سفارة في دول العالم باسم جنوب السودان، أهمها: تلك الموجودة في واشنطن بتمويل مباشر من الولايات المتحدة. وتسعى الحركة الشعبية للحصول على (كود) اتصال خاص بها، وتصدر جوازات سفر باسمها، وتعطي تأشيرات بعيداً عن الحكومة المركزية، وأنشأت بنكاً مركزياً مستقلاً ووكالة أنباء رسمية وعملة جديدة، فضلاً عن ترخيص المركبات العامة والخاصة في الجنوب بلوحات تحمل رمز (NS) ؛ وهي اختصار لـ (السودان الجديد) أو New Sudan، كما تعطي تراخيص لشركات عالمية للتنقيب عن البترول بعيداً عن الخرطوم، وهذا كله خارج إطار (نيفاشا).
حركات التمرد في دارفور ليست بعيدة عن هذه المسارات، فالعلاقات بينها وبين الحركة الشعبية وطيدة وقديمة، وهناك دعم وتدريب وتوجيه تمارسه تلك الحركة مع حركات التمرد في سائر السودان، والأنكي من ذلك أنها توظف علاقاتها مع الحركات والمنظمات التنصيرية لاختراق منطقة دارفور، ومنها على سبيل المثال: مؤسسة الحرية العالمية للمسيحيين ، صاحبة التاريخ الأسود في تفتيت السودان ومحاولة تنصير أبنائه ودعم التمرد الجنوبي، وهذه المؤسسة من أبرز أعضاء مجلس إدارتها (إريك برينس) مدير ومؤسس شركة بلاك ووتر – المياه السوداء – للأنشطة العسكرية والأمنية، وهو يميني متعصب ينتمي إلى عائلة معروفة بتأييدها للجمهوريين في الولايات المتحدة.
وأبرزت صحف أمريكية دور الشركة في تدريب المسيحيين في حركة (جارانج)، والمثير أن الشركة تسعى حالياً إلى إيجاد دور لها في دارفور عن طريق قوات حفظ السلام القادمة، وتبذل أموالاً في سبيل ذلك، وتبارك الإدارة الأمريكية هذا المسعى.
تسعى حكومة السودان جاهدة لتجنّب الأسوأ وكسب الوقت، ولكن المشكلة أنه كلما بقيت أزمة دارفور دون حل، فإن موعد استقلال الجنوب يقترب، وهو بحدِّ ذاته يمثل قوة ضغط هائلة على الحكومة، وهنا يمارس العرب دورهم التاريخي في (الفرجة)، بينما يلعب الغرب ببراعة على السودان، فيضغط بدارفور ليحقق مكاسب للجنوب، ثم ينتظر ليضغط مجدداً بالجنوب ليحقق مكاسب لدارفور ، فهل يتحقق قول الجنوبيين: أن نكون رأساً لإفريقيا خير من أن نكون ذيلاً للعرب؟