الرئيسة   متابعات   إفريقيا الوسطى .. جرح إسلامي جديد!!

إفريقيا الوسطى .. جرح إسلامي جديد!!

rtur766yutr7657688ytr.jpg
خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة تدهورت الأوضاع بسرعة كبيرة في جمهورية إفريقيا الوسطى، مما تسبب في مقتل آلاف الأشخاص معظمهم من المسلمين، وتهجير أكثر من مليون شخص إلى الدول المجاورة، وباتت عمليات التطهير الديني ضد المسلمين والذين يشكلون أقلية دينية كبيرة – أكثر من 17 % من تعداد السكان البالغ عددهم (4.400.000)، - تجري بشكل متسارع وممنهج؛ بهدف إخلاء هذا البلد من أي وجود إسلامي، تحت بصر وسمع وأحيانا مباركة القوات الفرنسية المتواجد على أراضي إفريقيا الوسطى.
ترجع الأحداث الأخيرة إلى حالة التهميش التي كان يعيشها أبناء الشمال، واستئثار السلطة الحاكمة بالثروة، وحرمانهم من المشاركة السياسية في الحكم، وفقدان مناطقهم للتنمية نهائيا؛ مما دفع قبيلتي «رونغا» و «قُولا» إلى الاتفاق بينهما، ومعظم أفراد القبيلتين من المسلمين، وشكّلتا مجموعتين ثوريتين مع القبائل الأخرى المقيمة في هذه المنطقة، ودخلا في صراع مع الحكومة فاستمرت الحرب بين الحكومة وهاتين المجموعتين، إلا أن الحكومة استطاعت توقيع اتفاقية سلام مع إحدى الجبهتين بشروط، ومن بينها تنفيذ الوعود التي قطعتها الحكومة على نفسها في السنوات الماضية، بتسديد المستحقات المالية للجنود التابعين للحركات المعارضة، ودمج هؤلاء الجنود في الجيش الوطني، وإطلاق سراح المعتقلين من العسكريين وغيرهم.
غير أن الحكومة لم تستجب لهذه المطالب، ولم تف بما تمّ الاتفاق عليه في اتفاقية : "ليبرافيل"، مما أدخل المنطقة في صراع مفتوح على كلّ الجبهات، فاتحدّت الجبهتان في حركة واحدة سمّت نفسها بـ «سيليكا»، أي (العقد) بلغة السنغو المحلية، وتمكن التحالف من إسقاط الرئيس "فرانسوا بوزيزيه" وتنصيب "ميشيل دوجوتيا" رئيسا للبلاد، وهو أول رئيس مسلم لإفريقيا الوسطى.
هذا التطور المتسارع دفع فرنسا للتجييش الإعلامي والعسكري ضد الحكومة، مع أن هذه الحكومة كانت حكومة مؤقتة لمدة عام ونصف فقط، كما أنها تكونت بناء على اتفاقية "ليبرافيل"، وقد حضر التوقيع على الاتفاقية الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، بالإضافة إلى الاتحاد الإفريقي. صاحب ذلك المحاولة الانقلابية التي قامت بها فرنسا في يوم الخميس الدامي الثالث من ديسمبر 2013م، وهي عبارة عن محاولة انقلابية قادتها فرنسا، وبالتنسيق مع وزير الداخلية في الحكومة المؤقتة، وقد سجلت أجهزة الأمن، التي يقودها حينها الضابط "نور الدين آدم" ، وهو أحد الأركان المشكلة للحكومة الانتقالية، مكالمة هاتفية بين وزير الداخلية والسفير الفرنسي في العاصمة "بانجي" ضمن إعدادات العملية الانقلابية، وعند مداهمة القوات الأمنية والجيش لمقر الوزير، فقد وجدت مجموعة كبيرة من الأسلحة الثقيلة والخفيفة، وفور سماع الوزير لعملية الاقتحام لجأ إلى السفارة الفرنسية، ومن هناك تم نقله إلى مقر قوات "الاتحاد الإفريقي" طلباً للحماية.
كان تخطيط فرنسا باستصدار موافقة من مجلس الأمن الدولي بزيادة قواتها في إفريقيا الوسطى هو للتمويه على هذه العملية الانقلابية، والسعي للاعتراف بالحكومة الانقلابية ـ إن نجحت ـ وتوفير الغطاء الأمني لها للقضاء على أية محاولة من الجيش الوطني لاسترداد السلطة.
وبعدما فشل الانقلاب، اتجهت فرنسا لإقالة "ميشيل دوجوتبا" من خلال نفوذها على قادة وسط إفريقيا الذين استدعوه إلى العاصمة التشادية "إنجامينا" لعقد قمة استثنائية وضغطوا عليه لتقديم استقالته، كما عمدت إلى نزع سلاح مقاتلي تحالف "سيليكا" من دون أن تقوم بذات الإجراء مع الميليشيات المسيحية المسلحة الأخرى، خاصة ميليشيا "أنتي بالاكا" Anti-Balaka ، أو "مناهضو السواطير"، بلغة السانغو، والتي تعرف أيضًا بالمليشيات المسيحية للدفاع الذاتي الأمر الذي شجع هذه المليشيات على مهاجمة المسلمين، دون قدرة المسلمين للدفاع عن أنفسهم، بعد أن باتوا دون غطاء مسلح يحميهم من الطرف الآخر، فتوالت عليهم المذابح وعمليات العنف والسرقة والتهجير. الأمر الذي دعا منظمات العفو الدولية وأوكسفام وهيومن رايتس ووتش(1) للتحذير من مخاطر عمليات التطهير الديني ضد مسلمي إفريقيا، معبرين عن مخاوفهم من تعرض المسلمين لإبادة جماعية، تذكر بمذابح الهوتو والتوتسي في رواندا في تسعينيات القرن الماضي.
وتشير تقديرات بعض التقارير لجهات المستقلة إلى أن إجمالي القتلى من المسلمين التقريبية بلغ ثلاثة آلاف مسلم (3,000). وإجمالي اللاجئين تجاوز المليون شخص، بما فيهم مواطني عدد من الدول الإفريقية المجاورة ومعظم اللاجئين في دول الجوار دون مساعدات تغطي هذه الأعداد، مما يهدد بوقوع كارثة إنسانية(2).
هذه هي مجمل تفاصيل جرح نازف جديد، في بلد جديد ينضم إلى جروح أخرى ما تزال تنزف في فلسطين، وسورية والعراق وبورما والصومال والشيشان ومالي. حتى صدق فينا قول الشاعر:
أَنَّى اتَّجَهْتَ إِلَى الإِسْلاَمِ في بَلَدٍ .... تَجِدْهُ كَالطَّيْرِ مَقْصُوصًا جَنَاحَاهُ
كَمْ صَرَّفَتْنَا يَدٌ كُنَّا نُصَرِّفُهَا .... وَبَاتَ يَحْكُمُنَا شَعْبٌ مَلَكْنَاهُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإحالات (الهوامش) :
(1)هيومان رايتس ووتش: العنف قد يضطر جميع المسلمين لمغادرة أفريقيا الوسطى ، 9/2/2014، على الرابط التالي:
http://www.bbc.co.uk/arabic/worldnews/2014/02/140209_central_africa_muslims.shtml
(2) تقرير المنظمة الأفروسطية للانسجام، جمهورية إفريقيا الوسطى، على الرابط التالي:
http://www.almoslim.net/node/202473