الرئيسة   مقالات   معضلة اختزال "الآخر" في أقلياته

معضلة اختزال "الآخر" في أقلياته

wl.jpg
لئن أفرزت ثورة الاتصالات والمعلومات ووسائل النقل في القرن الماضي تواصلاً واختلاطاً حتمياً بين الشعوب والأمم بتنوع أديانها وثقافتها وتقاليدها, فإن حادثة الحادي عشر من سبتمبر التي جاءت في مطلع القرن الحالي كانت سبباً في تسليط الأضواء الكاشفة على محدّدات الخطاب الإسلامي تجاه "الآخر", وهذا "الآخر" يُراد به بالدرجة الأولى "الآخر الغربي", وهذه المحاكمة الإعلامية للخطاب الإسلامي أفرزت من باب أولى تسليط الضوء على الموقف من "الآخر العلماني"، في ظل تراث إسلامي معاصر ساهم في نظر الناقدين في إقصائه عن المنظومة الثقافية والاجتماعية عن ثوابت الشريعة, ووحدة الأمة, ومصلحة الأوطان.

ثمة معضلة _ في تقديري _ أصابت مجمل الخطاب الإعلامي السائد للعديد من النخب الشرعية والفكرية والثقافية في ظل تلك المحاكمة الشرسة للخطاب الإسلامي، تتمثل في اختزال الموقف من الآخر في بعض أقلياته التي لا تؤثر تأثيراً جوهرياً في موقف الآخر منا وأدائه السياسي والثقافي والإعلامي.

فعندما نتحدث عن "الغرب" بمنظومته السياسية والإعلامية والعسكرية فإننا نتحدث عن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بطبيعة الحال، وفي تلك الدول الغربية لا شك أن لعدد من المفكرين والمثقفين ومؤسسات المجتمع المدني "مواقف عادلة" تجاه قضايا الأمة الإسلامية في فلسطين والعراق مثلاً, كما أن لنفس تلك القوى والمؤسسات كذلك "مواقف معتدلة" تجاه الإسلام وثقافته وثوابته, ولاشك أنه ينبغي للعقلاء من الدعاة والمفكرين والساسة تثمين تلك المواقف، وتكريم أصحابها، والسعي في توسيع دائرة تأثيرهم في بلدانهم, والأدلة الشرعية ظاهرة بهذا الخصوص؛ فالنبي -عليه السلام- ثمّن المواقف العادلة للمطعم بن عدي عندما أجاره بعد رجوعه من الطائف، وقال عقب معركة بدر عندما أسر سبعين من كفار قريش: (لو كان المطعم بن عدي حياً، ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له).

ولكن تبقى المعضلة في تقييم (الثقل الحقيقي) لأولئك المثقفين والساسة المعتدلين, في منظومة الغرب الحالية. لا أعتقد أن ثمة منصفاً _أياً كان دينه أو ثقافته أو مذهبه _ يشك في هامشيته، وأن ليس ثمة تأثير يُذكر لأولئك العقلاء على الأداء السياسي والعسكري والإعلامي لمنظومة الآخر, وأن الأداء العام للمنظومة يمضي باتجاه استهداف ثقافة الأمة والإساءة لمقدساتها وامتصاص خيراتها ونهب مقدّراتها, ولا يمكن أن توصف هذه الهجمة -كما يحب بعض المغرمين بالآخر الغربي- بأنها موجّهة لطائفة من المسلمين التي قامت ببعض العمليات التفجيرية المرفوضة من قبل عامة النخب الإسلامية, فمن غير الممكن أن ندرج "منع بناء مآذن المساجد" و"منع وضع المرأة المسلمة للحجاب" و"السخرية بالمقدسات الإسلامية كشخصية النبي صلى الله عليه وسلم" ضمن خطط مكافحة الإرهاب، وهذه الإجراءات تم تشريع بعضها عبر البرلمانات, وبعضها وقف كبار الساسة مدافعين عنها منافحين, ومنهم على سبيل المثال رئيس وزراء الدنمارك والذي يتقلد اليوم منصب الأمين العام لحلف الناتو, بل إن القارئ المطّلع للبحوث والدراسات الغربية يلحظ أن نتاجها لا ينصب على كيفية فهم "الآخر المسلم" بقصد التعايش الحضاري معه، بل إنها تختم بحوثها بمقترحات ومخططات باتجاه صهر الثوابت الشرعية والثقافية للأمة الإسلامية تمهيداً لاستعبادها, ونهب ثرواتها, ودعم حلفائها, وجعلها تابعة مستباحة "للآخر الغربي".

إذن لا مناص عندما نريد توصيف "الآخر الغربي" بكل موضوعية أن نقول إن دفة الأمور, والأداء العام لجيوش "الآخر" الإعلامية والثقافية والعسكرية لا تتبنى موقف "تصالحياً" أو"تعايشياً" مع العالم الإسلامي, ودليل ذلك أن مواقف المنصفين لدى الغرب ومظاهرتهم الحاشدة لم توقف يوماً تلك المخططات الاستعمارية, وظلت قاصرة على حيز ضيق وهامش لا يكاد يُرى بالعين المجردة في المشهد السياسي والإعلامي "للآخر".

من هذه الحقيقة الموضوعية يُمكن أن ننطلق في نقد إشكالية خطاب المثقفين والدعاة الذين يطرقون مسامعنا كثيراً؛ من أنه لا يمكن التعامل مع "الآخر" بوصفه كتلة واحدة, وأن الحل في ظل هذه الهجمات الشرسة في استباحة مقدسات الأمة ومقدراتها أن نكتفي بمناداة عقلاء "الآخر" للتعايش وعزف أناشيد السلام!! ومقدمة هذه الدعوى يمكن أن نتفق حولها بخصوص وجود محبين للسلام والتعايش، ولكن المعضلة تكمن في أننا نطالب فئات ضعيفة وهامشية لا تملك القدرة على المساهمة في اتخاذ القرار في بلدانها، فضلاً عن صنعه, وأهل القوة والشوكة لدى "الآخر" ماضون في مخططاتهم التي تستهدف هوية الأمة وثقافتها وخيراتها.

ومن هنا فإن هذا الخطاب الإسلامي والإعلامي الذي يختزل الموقف من "الآخر" في تلك الأقلية المعتدلة الهامشية، فضلاً عن خلله المنهجي والموضوعي يُساهم في خلق جو من الدعة والتراخي لدى عموم الناس الذين يتشربون، ويتلقون هذا اللون من الخطاب الحالم, مع أن الواجب الشرعي والوطني... بل والجبلة الفطرية توجب لكل أمة من أمم الأرض تتعرض لهجمات استعمارية من قبل أمة أخرى المزيد من التخندق والاعتصام بهويتها وثقافتها وتراثها، والذي يُعدّ أحد أسباب بقائها وتميزها, والمحافظة على "الأرضية الصلبة" التي بنت عليها نهضتها الآفلة، و تأمل بتكرارها في المستقبل.

إن الخطاب الإعلامي والإسلامي الذي يدعو إلى استمساك الناس بهويتهم ودينهم وتوعية الناس بالأخطار المحدقة من قبل "الآخر" على كافة الأصعدة, لا يستلزم تأييد النهج التدميري إزاء كل مكونات "الآخر"، وتحويل بلاد المسلمين إلى أرض حرب مفتوحة، بل إن هذا النهج يخدم المنهج الاستعماري من حيث أراد مقاومته، ولكنه كذلك يحرص على تقوية عزائم المجتمعات وتبصيرها بحقيقة الأخطار المحدقة بمصائر شعوبها, وهذا لا يمكن أن يتأتى بإنشاد مقطوعات السلام وبكائياته المثالية في ظل صورة مخضبة بدماء الشهداء، ونواح الثكالى، وأنين المستضعفين.