الرئيسة   متابعات   مزاعم المتسمين بأنصار المرأة

مزاعم المتسمين بأنصار المرأة

feminisjkdhfckjeh0o0.jpg
مزاعم المتسمين بأنصار المرأة (1).

زعم أعداء المرأة المتسمين بأنصارها أن لزومها للمنزل انتقاص لحقوقها، وقتل لشخصيتها، واعتداء على كيانها. ومن قلب الأوضاع أن نسمي المصون المخدوم المكفَّي الحاجة سجيناً حسب ما يتوهم من يطالبون بـما يسمى (تحرير المرأة)، وقد عاشت المرأة ما عاشت مكرمة معززة مدللة حاكمة على زوجها من خلف ستار، ولم تحس يوماً أنها مهضومة الحق، أو أنها مضطهدة أو سجينة أو مهدرة الكرامة والشخصية، حتى ظهر ذلك النفر من الكتاب فأحلَّ الصراع والتنازع بين الجنسين محل التواد والتراحم. ومن عجيب أن الذين حملوا اللواء في الدعوة إلى ما يسمون (حقوق المرأة) كانوا من الرجال ولم يكونوا من النساء، ولم يكن من وراء صنيعهم إلا إفساد الحياة على المرأة والرجل كليهما. ذلك لأن الحياة تحتاج إلى طمأنينة توفر للناس السعادة والاستقرار، وثورة النساء والرجال كل منها على الآخر تُحِمل القلق والبغضاء محل الطمأنينة والحب بين الجنسين اللذين أراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل بينهما مودة ورحمة، ينبني عليهما عمران الكون وحفظ النوع البشري.

والمجتمع السليم يقوم على التواد والتراحم، وعلى إخلاص كل عضو فيه لوظيفته، وقيامه بها راضياً لا يمل ولا يتذمر، فهو كالجسم الذي ينصرف كل عضو فيه إلى أداء عمله ووظيفته، لو توقَّفَ أحد أعضائه عن أدائها أو تمرد عليها لاختل. فالله سبحانه وتعالى قد {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}سورة طه. فهيأ كل فرد، بل كل ذرة، من نباتٍ أو حيوان أو جماد، لوظيفةٍ معينة، وركَّب فيه من الطبائع ما يناسبه، وصرفه لأدائها. وعلى ذلك تقوم حياتنا الحديثة في كل شؤونها وفي كل نواحي الصناعة والعلم فيها، فهي تقوم على التخصص الدقيق الذي يتيح دقة المعرفة، وحذق المرانة لكل عاكف على فرع بعينه. والتربية الحديثة تحاول أن تكتشف مواهب الأطفال والصبية لتوجه كلًا منهم فيما يلائم استعداده وتكوينه. فلماذا نطبق هذين المبدئين - التخصص والعمل المناسب - في كل شيء، ونأبى أن نطبقهما في الرجل والمرأة؟.

والرجل الذي يكدّ ويجهد نفسه ويرهقها في العمل خارج البيت، محتاج إلى زوجة متزينة متعطرة ناعمة البال يأنس بها ويسكن إليها مما يجده من عناء، وتُسرِّي عنه بعض ما يعتريه من السأم والإِجهاد، وما يترك عنف التعامل مع الناس في نفسه من آثار الضيق والملل. وكدحُ المرأة في ميادين الأعمال العامة يصرفها عن رعاية الزوج والولد كليهما لا شك في ذلك, لأنها تعود إلى البيت مكدودة مرهقة كالرجل، فأيهما هو الذي يسري عن الآخر؟ وأيهما هو الذي سيتسع صدره لمداعبة البنين واحتمال ما لا بد أن يُحتَمل في تربيتهم من ضجيج مرحهم وأنين أَلمِهم وصراخ أوجاعهم؟ وهل تصبح الحياة عند ذلك إلا عناء وشقاء للمرأة وللرجل كليهما؟ وهل يصبح الفرد - رجلاً كان أو امرأة أو طفلاً - إلا (ترساً) من (تروس) آلة صماء في حياة لا سكن فيها ولا قرار. ويستطيع كل ذي لب وبصيرة أن يدرك آثار الفشل الذي حاق بتجارب المجتمع الأوروبي والأمريكي في هذه الناحية. مع أن هذه الآثار لم تبلغ بعد منتهى مداها, ولا تزال سائر عقابيلها في الطريق. فهذا الجيل الغربي من التائهين والضائعين المحطمي الأعصاب المبلبلي الأفكار القلقي النفوس، وهذه النسبة الآخذة في الارتفاع - حسب إحصاء الغربيين أنفسهم - للانحراف والشذوذ بكل ضروبه وألوانه، هذه الظواهر والآثار كلها هي من آثار التجربة التي خاضها الغرب في المرأة, لأن هؤلاء جميعاً هم أبناء العاملات والموظفات الذين عانوا من إرهاق أمهاتهم وهم في بطونهن، ثم تعرضوا لإِهمالهن بعد أن وضعنهم. وماذا يبتغي الناس من تجربة فاشلة كهذه؟ ألا يتدبرون؟!

وللمفسدين والمخدوعين ممن يسمون (أنصار المرأة) حجج ومزاعم أكثرها مبني على المغالطة.
وأشهر مغالطاتهم في ذلك ما يزعمونه من أن عكوف المرأة على منزلها فيه تعطيل لنصف المجتمع. وقولهم هذا مبني على أن المرأة ليس لها عمل في المنزل. والواقع أن وظيفتها في تدبير شؤون البيت ورعاية الزوج والولد وقضاء حاجاتهم المتنوعة تستغرق كل وقتها لو أديت على وجهها، بل إن وقتها يضيق بها في بعض الأحيان. والدليل الذي يخرس كل لسان على صدق ما نقول هو أن العاملات يحتجن دائمًا إلى توظيف الخدم من النساء والرجال لسد النقص الناتج عن تخليهن عن وظيفتهن. فأي شيء تكسبه الدولة إذا كانت المرأة تخرج للعمل وتربط مكانها شخصاً أو شخصين تعطلهما عن العمل, أين هو الكسب الاقتصادي المزعوم؟ وهل هذا إلا الخلل عينه؟ تشتغل المرأة خارج البيت بأعمال الرجل، ويسقط من حساب الأيدي العاملة رجل أو رجلان يقومان بأعمالها في المنزل، ويسقط من حساب الدارسين والمشرِّعين جيل مضيَّع لا يقام لضياعه وزن في ميزان الكسب والخسارة؟! ولو صح أن الاستفادة بنصف المجتمع المعطل هي الدافع الحقيقي إلى توظيف المرأة لوجب أن يستوعب العمل كل المتعطلين من الرجال قبل أن يُسمَح لامرأة واحدة بتولي عمل من الأعمال العامة.
ومن مغالطاتهم كذلك أنهم يتصيدون الأمثلة لمن نبغن من المسلمات في بعض فروع العلم أو شاركن في القتال، ليقيموا بهن الدليل على مطابقة دعوتهم للشرع. والواقع أن للمرأة حقاً غير منكور في طلب العلم إن كان فيها استعداد له، ولم ينكر أحد أن هناك بعض الوظائف التي تلائمها كتدريس البنات وتطبيب النساء، ولم ينكر أحد حق المرأة في السعي الشريف للرزق إن دعتها إلى ذلك ضرورة. والإِسلام سمح، قد أباح للضرورة أشياء كثيرة، حتى الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهلَّ به لغير الله، فرفع الإِثم فيها عن المضطر في أكثر من موضع من القرآن الكريم (البقرة 173، المائدة 3، الأنعام 145، النحل 115) بل لقد رفع الإِثم عمن أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإِيمان (النحل 106). واشتراك المرأة في القتال هو من باب الاستثناء الذي تدعو إليه الضرورة، وهو في حدود الأعمال التي تلائم المرأة كالتمريض خلف صفوف القتال. ومصدر الخطأ والخلط في ذلك كله ناشئ عن وضع الاستثناء والشذوذ موضع القاعدة والأصل. واتخاذ أعمال الأفراد حجة على الشرع نفسه.
ومن مغالطاتهم التي ابتدعها قاسم أمين وتابعه فيها كثير من الناس أنهم يقولون: إن بين النساء نابغات وبينهن عانسات وبينهن من فقدت الزوج والعائل. فلماذا لا يشارك هؤلاء في الأعمال العامة في الحياة؟ وليس كل ما يقولونه إلا أعذاراً وحيلًا تنتحل لفتح الباب تمهيداً للزحف. إن الذي يسمح لقدمه أن تنزلق خطوة واحدة في أول الطريق لا يدري إلى أين تسوقه قدماه؟ وإلى أين ينتهي به المسير؟. إن مدمن الخمر قد سمح لنفسه أولاً بمجالسة الشاربين، ثم سمح لنفسه بأن يشاركهم النّقْل، ثم تدرج من ذلك إلى مشاركتهم في قليل من الشراب لا يبلغ به حد الخلط وفقدان الإِحساس، ولم يزل يخطو في كل مرة خطوة من بعد خطوة حتى أصبح مدمناً. وكذلك الشأن في المرأة وفي كل أمر، ومنحُ صنفٍ من النساء حق الاشتغال بالأعمال العامة هو الانزلاق في أول الطريق الذي يجر إلى السماح لسائر النساء بهذا الحق كما أثبتت التجربة. لذلك كان علينا أن نضع للأشياء حدوداً لا نسمح لأنفسنا بتخطيها. لأن المسألة في لبها وفي صميمها هي: ما هي وظيفة المرأة؟ ولأن التشريع إنما يوضع دائمًا للأعم الأغلب، ثم ينفذ على كل الناس بلا استثناء.
ومن مغالطاتهم كذلك أنهم يعتذرون بأن نزول المرأة إلى ميدان الأعمال العامة قد أصبح أمراً واقعاً وقاعدة مقررة. وينبغي لهم أن يعرفوا أن الحق واحد لا يتغير. ومهما يتقادم العهد على الباطل فسيظل باطلاً. ومهما يجر العمل على غير الحق فسيظل الحق هو هو، وإن حاد عنه كل الناس. ثم إنه لا يبقى على توالي الأزمان إلا الحق. لأن الباطل زهوق لا تدوم له دولة. والحق هو الناموس. هو قانون الله الذي لا يتبدل، هو فطرة الله التي فطر عليها الخلق. هو ما ركَّبه الله سبحانه في طبائع الأشياء حين أعطى كل شيء خلقه ثم هَدَى، وناموس الله ثابت لا يتبدل {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}سورة الأحزاب.ولكن الذي يحول ويزول هو المعاند لسنة الله وفطرتهَ. والذي يعارض الناموس ويخرج على الفطرة كالوعل الأحمق الذي وصفه الأعشى قديماً حين قال:
كناطحٍ صخرةً يوماً ليُوهِنَها ... فلم يَضِرْها وأوهَى قرْنَه الوعلُ
إن الأرض لا تستطيع أن تخرج على ما رُسِم لها من مدار، والليل لا يسبق النهار، وكل كوكب يدور في فلكه، وكل كائن يسير فيما رسم له من منهج ومن طريق. والفطرة التي فطر الله عليها كل واحد من خلقه فأعطاه خلقاً خاصاً وأقامه فيما أراد، هي جزء من الناموس. وهي بعض إرادة الله سبحانه. والأمانة التي يحملها كل واحد من خلق الله هي أن يبذل قصارى جهده في أداء الوظيفة التي أقامه الله فيها. وليس في شيء في خلق الله إلا هو منقاد لإِرادة الله سبحانه وتعالى مسلم لها، يسبِّح خالقه بأداء الدور الذي رُسم له في استسلامٍ لإِرادته، تجد ذلك في النحل وفي النمل وفي الحيوان كله، وجب النبات بضروبه والدواب بأنواعها، وفي الكواكب والأجرام وفي مختلف الظواهر. ولا يشذ عن ذلك إلا الإنسان الذي ميّزه الله عن سائر خلقه بالعقل، فحمل بذلك أمانة لا يحملها أحد من سائر خلقه، فهو إن استخدم هذا العقل في طاعة الله بلغ به عملُه حداً لا يبلغه شيء من خَلْق الله، وإن شرد به عقله في غير سبيل الله ضل وهوى إلى قرار سحيق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نشرت في عدد جمادي الآخرة سنة 1377 من مجلة الأزهر، نقلا عن كتاب "حصوننا مهددة من الداخل"، مؤسسة الرسالة، بيروت، بتصرف يسير.