دواء القلوب
19/7/1430 -  الشيخ خالد الشايعإن من فضل الله علينا وعلى الناس أن كتب على نفسه أن رحمته تغلب غضبَه، فهو الغفورُ الغفّارُ غافرُ الذنب.
وإن من صفات المؤمنين أنهم يستغفرون الله لذنوبهم، ويعلمون أن الله يغفر الذنوب جميعا، وأنه لا يغفر الذنوب إلا هو {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)} [آل عمران: 135].
وقال في صفة المتقين أهلِ الجنة: {وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(16)} [آل عمران: 51 -16].
ولقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يكثر من الاستغفار، بل كان يأمر أصحابه بذلك ويخبرهم بفعله ليقتدوا به، أخرج مسلم من حديث الأغر المزني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة".
وإن من رحمة الله أنه لا يرد مستغفراً بل يفرح بتوبته واستغفاره كما قال تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً } [النساء: 110]. وقال: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82]. وقال تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [الحجر: 49]. ولقد شنع الله تعالى على من ظلم نفسه وأعرض عن الاستغفار فقال: {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [المائدة: 74].
- إن الاستغفار من أفضل العبادات التي يرجى نفعها للعبد في الدنيا والآخرة ولهذا حكى الله عن أنبيائه وأصفيائه أنهم كانوا يستغفرون الله كثيراً ويسعون في طلب المغفرة فهذا آدم أبو البشر عليه السلام يقول هو وزوجه: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [الأعراف: 23]، وهذا نوح عليه السلام يقول: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [نوح: 28]. وهذا إبراهيم أبو الأنبياء عليه السلام يقول: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: 41]. وهذا موسى عليه السلام يقول: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } [الأعراف: 151]. وهذا سليمان عليه السلام يقول: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ } [ص: 35].
- إن المستغفر يجني ثمرة استغفاره في الدنيا قبل الآخرة، فمن ثمرته في الدنيا أنه يمنع من وقوع العذاب على صاحبه {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } [الأنفال: 33]، ومن ثمراته أنه يجلب رحمة الله للمستغفر { لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [النمل: 46]، ومن ثمرته أنه سبب لنزول المطر فهو من مجاديح السماء {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً(10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً (11)} [نوح: 01 - 11]، ومن ثمراته أنه سبب للرزق وكثرة الأموال والأولاد {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً } [نوح: 12]، فمن حرم الذرية أو كان عليه دين أو لم يجد وظيفة أو غارت المياه في أرضه فعليه بالاستغفار، ومن ثمراته أنه سبب لرحمة الله قال تعالى: {لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [النمل: 46].
ومن ثمراته في الآخرة أن الله يغفر ذنوب المستغفر ويدخله الجنة ولنعم الثمرةُ هي: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } [آل عمران: 531 - 136].
أيها الأحبة: مهما يقع العبد في الذنب فإن الله يغفر للعبد ومهما يتكرر فالله يغفر فلا تملوا من الاستغفار، أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: "فيما يحكي عن ربه عزّ وجلّ قال أذنب عبد ذنباً فقال اللهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب أعمل ما شئت فقد غفرت لك قال عبد الأعلى لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة أعمل ما شئت"، والمقصود اعمل ماشئت فإني أغفر لك طالما أنك كلما أذنبت استغفرت.
قال ابن رجب - رحمه الله - في كتابه جامع العلوم والحكم: (روى الطبراني عن عبدالله بن عمرو قال من ذكر خطيئة عملها فوجل قلبه منها واستغفر الله لم يحسبها بشيء حتى يمحها وروي ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي رضي الله عنه قال: خياركم كل مفتن تواب، قيل فإذا عاد، قال يستغفر الله ويتوب، قيل فإن عاد، قال يستغفر الله ويتوب، قيل فإن عاد، قال يستغفر الله ويتوب، قيل حتى متى قال حتى يكون الشيطان هو المحسور وخرج ابن ماجه من حديث ابن مسعود مرفوعاً التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وقيل للحسن ألا يستحي أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ثم يعود ثم يستغفر ثم يعود فقال ود الشيطان لو ظفر منكم بهذا فلا تملوا من الاستغفار. وروي عنه أنه قال ما أرى هذا إلا من أخلاق المؤمنين، يعني أن المؤمن كلما أذنب تاب. وقد روي "المؤمن مفتن تواب" وروي من حديث جابر بإسناد ضعيف مرفوعاً "المؤمن واه راقع فسعيد من هلك على رقعة" وقال عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - في خطبته: من أحسن منكم فليحمد الله، ومن أساء فليستغفر الله وليتب، فإنه لا بد من أقوام من أن يعملوا أعمالاً وظفها الله في رقابهم وكتبها عليهم، وفي رواية أخرى أنه قال أيها الناس من ألم بذنب فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر وليتب، فإنما هي خطايا مطوقة في أعناق الرجال، وإن الهلاك في الإصرار عليها، ومعنى هذا أن العبد لا بد أن يفعل ما قدر عليه من الذنوب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة ولكن الله جعل للعبد مخرجاً مما وقع فيه من الذنوب ومحاه بالتوبة والاستغفار فإن فعل فقد تخلص من شر الذنوب وإن أصر على الذنب هلك. اهـ.
- لا شيء أشد على الشيطان من الاستغفار، فقد روي في بعض الآثار أن الشيطان يقول: "أهلكت ابن آدم بالذنوب وأهلكوني بالاستغفار ولا إله إلا الله، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يتوبون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا"
- إن لزوم الاستغفار يسقط عن العبد تبعة الذنب، ومن ترك الاستغفار تكاثرت ذنوبه وأتي من كل جهة، ولربما طبع على قلبه وهو لا يشعر.
ولنعلم أن للاستغفار طرقاً وأوقات فاضلة فمن ذلك ما أخرج أحمد وأهل السنن من حديث عن أبي بكر قال رضي الله عنه: "ما من عبد يذنب ذنباً فيتوضأ فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله بذلك الذنب إلا غفر الله له"
ومنه أن يدعو بالأدعية الجامعة أخرج البخاري من حديث شداد بن أوس قال رضي الله عنه: "سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة"
قال المناوي قال الطيبي: لما كان هذا الدعاء جامعاً لمعاني التوبة كلها استعير له اسم السيد وهو في الأصل للرئيس الذي يقصد في الحوائج ويرجع إليه في المهمات وقال ابن أبي حمزة: جمع في الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ ما يحق له أن يسمى سيد الاستغفار ففيه الإقرار للّه وحده بالألوهية والعبودية والاعتراف بأنه الخالق والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه والرجاء بما وعده به والاستغفار من شر ما جنى على نفسه وإضافة النعم إلى موجدها وإضافة الذنب إلى نفسه ورغبته في المغفرة واعترافه بأنه لا يقدر على ذلك إلا هو وكل ذلك إشارة إلى الجمع بين الحقيقة والشريعة لأن تكاليف الشريعة لا تحصل إلا إذا كان عوناً من اللّه قال: ويظهر أن اللفظ المذكور إنما يكون سيد الاستغفار إذا جمع صحة النية والتوجه والأدب. ومن أنواع الاستغفار الذي ينبغي للعبد أن يداوم عليه كفارة المجلس وهي ما أخرج الحاكم من حديث عائشة رضي الله عنها كان صلى الله عليه وسلم لا يقوم من مجلس إلا قال: "سبحانك اللهم ربي وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك"، وقال: لا يقولهن أحد حيث يقوم من مجلسه إلا غفر له ما كان منه في ذلك المجلس. قال عياض: وكان السلف يواظبون عليه ويسمى ذلك كفارة المجلس.
معاشر المسلمين: إن المداومة على الاستغفار تفتح للعبد أبواب الخير كلها أخرج أبو داود في سننه بإسناد فيه ضعف ومعناه صحيح: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب"
- ومن لوازم الاستغفار الإقلاع عن الذنب وعدم العودة إليه، قال الفضيل بن عياض - رحمه الله -: استغفار بلا إقلاع توبة الكذابين.
وقالت رابعة العدوية: استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير. تعني أننا نستغفر ونحن مصرون على الذنوب، وإذا استغفرنا كان في استغفارنا تقصير عظيم.
استغفر الله ذنبا لست محصيه
رب العباد إليه القول والعمل
ومن فوائد الاستغفار: أنه يزيل الوحشة التي بين العبد وربه، فإن أهل الذنوب يقذف الله في قلوبهم وحشة من الخلق، بل إنهم ليستوحشون من أنفسهم.
المصدر مجلة الدعوة
وإن من صفات المؤمنين أنهم يستغفرون الله لذنوبهم، ويعلمون أن الله يغفر الذنوب جميعا، وأنه لا يغفر الذنوب إلا هو {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)} [آل عمران: 135].
وقال في صفة المتقين أهلِ الجنة: {وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(16)} [آل عمران: 51 -16].
ولقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يكثر من الاستغفار، بل كان يأمر أصحابه بذلك ويخبرهم بفعله ليقتدوا به، أخرج مسلم من حديث الأغر المزني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة".
وإن من رحمة الله أنه لا يرد مستغفراً بل يفرح بتوبته واستغفاره كما قال تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً } [النساء: 110]. وقال: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82]. وقال تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [الحجر: 49]. ولقد شنع الله تعالى على من ظلم نفسه وأعرض عن الاستغفار فقال: {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [المائدة: 74].
- إن الاستغفار من أفضل العبادات التي يرجى نفعها للعبد في الدنيا والآخرة ولهذا حكى الله عن أنبيائه وأصفيائه أنهم كانوا يستغفرون الله كثيراً ويسعون في طلب المغفرة فهذا آدم أبو البشر عليه السلام يقول هو وزوجه: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [الأعراف: 23]، وهذا نوح عليه السلام يقول: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [نوح: 28]. وهذا إبراهيم أبو الأنبياء عليه السلام يقول: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: 41]. وهذا موسى عليه السلام يقول: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } [الأعراف: 151]. وهذا سليمان عليه السلام يقول: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ } [ص: 35].
- إن المستغفر يجني ثمرة استغفاره في الدنيا قبل الآخرة، فمن ثمرته في الدنيا أنه يمنع من وقوع العذاب على صاحبه {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } [الأنفال: 33]، ومن ثمراته أنه يجلب رحمة الله للمستغفر { لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [النمل: 46]، ومن ثمرته أنه سبب لنزول المطر فهو من مجاديح السماء {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً(10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً (11)} [نوح: 01 - 11]، ومن ثمراته أنه سبب للرزق وكثرة الأموال والأولاد {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً } [نوح: 12]، فمن حرم الذرية أو كان عليه دين أو لم يجد وظيفة أو غارت المياه في أرضه فعليه بالاستغفار، ومن ثمراته أنه سبب لرحمة الله قال تعالى: {لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [النمل: 46].
ومن ثمراته في الآخرة أن الله يغفر ذنوب المستغفر ويدخله الجنة ولنعم الثمرةُ هي: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } [آل عمران: 531 - 136].
أيها الأحبة: مهما يقع العبد في الذنب فإن الله يغفر للعبد ومهما يتكرر فالله يغفر فلا تملوا من الاستغفار، أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: "فيما يحكي عن ربه عزّ وجلّ قال أذنب عبد ذنباً فقال اللهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب أعمل ما شئت فقد غفرت لك قال عبد الأعلى لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة أعمل ما شئت"، والمقصود اعمل ماشئت فإني أغفر لك طالما أنك كلما أذنبت استغفرت.
قال ابن رجب - رحمه الله - في كتابه جامع العلوم والحكم: (روى الطبراني عن عبدالله بن عمرو قال من ذكر خطيئة عملها فوجل قلبه منها واستغفر الله لم يحسبها بشيء حتى يمحها وروي ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي رضي الله عنه قال: خياركم كل مفتن تواب، قيل فإذا عاد، قال يستغفر الله ويتوب، قيل فإن عاد، قال يستغفر الله ويتوب، قيل فإن عاد، قال يستغفر الله ويتوب، قيل حتى متى قال حتى يكون الشيطان هو المحسور وخرج ابن ماجه من حديث ابن مسعود مرفوعاً التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وقيل للحسن ألا يستحي أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ثم يعود ثم يستغفر ثم يعود فقال ود الشيطان لو ظفر منكم بهذا فلا تملوا من الاستغفار. وروي عنه أنه قال ما أرى هذا إلا من أخلاق المؤمنين، يعني أن المؤمن كلما أذنب تاب. وقد روي "المؤمن مفتن تواب" وروي من حديث جابر بإسناد ضعيف مرفوعاً "المؤمن واه راقع فسعيد من هلك على رقعة" وقال عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - في خطبته: من أحسن منكم فليحمد الله، ومن أساء فليستغفر الله وليتب، فإنه لا بد من أقوام من أن يعملوا أعمالاً وظفها الله في رقابهم وكتبها عليهم، وفي رواية أخرى أنه قال أيها الناس من ألم بذنب فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر وليتب، فإنما هي خطايا مطوقة في أعناق الرجال، وإن الهلاك في الإصرار عليها، ومعنى هذا أن العبد لا بد أن يفعل ما قدر عليه من الذنوب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة ولكن الله جعل للعبد مخرجاً مما وقع فيه من الذنوب ومحاه بالتوبة والاستغفار فإن فعل فقد تخلص من شر الذنوب وإن أصر على الذنب هلك. اهـ.
- لا شيء أشد على الشيطان من الاستغفار، فقد روي في بعض الآثار أن الشيطان يقول: "أهلكت ابن آدم بالذنوب وأهلكوني بالاستغفار ولا إله إلا الله، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يتوبون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا"
- إن لزوم الاستغفار يسقط عن العبد تبعة الذنب، ومن ترك الاستغفار تكاثرت ذنوبه وأتي من كل جهة، ولربما طبع على قلبه وهو لا يشعر.
ولنعلم أن للاستغفار طرقاً وأوقات فاضلة فمن ذلك ما أخرج أحمد وأهل السنن من حديث عن أبي بكر قال رضي الله عنه: "ما من عبد يذنب ذنباً فيتوضأ فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله بذلك الذنب إلا غفر الله له"
ومنه أن يدعو بالأدعية الجامعة أخرج البخاري من حديث شداد بن أوس قال رضي الله عنه: "سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة"
قال المناوي قال الطيبي: لما كان هذا الدعاء جامعاً لمعاني التوبة كلها استعير له اسم السيد وهو في الأصل للرئيس الذي يقصد في الحوائج ويرجع إليه في المهمات وقال ابن أبي حمزة: جمع في الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ ما يحق له أن يسمى سيد الاستغفار ففيه الإقرار للّه وحده بالألوهية والعبودية والاعتراف بأنه الخالق والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه والرجاء بما وعده به والاستغفار من شر ما جنى على نفسه وإضافة النعم إلى موجدها وإضافة الذنب إلى نفسه ورغبته في المغفرة واعترافه بأنه لا يقدر على ذلك إلا هو وكل ذلك إشارة إلى الجمع بين الحقيقة والشريعة لأن تكاليف الشريعة لا تحصل إلا إذا كان عوناً من اللّه قال: ويظهر أن اللفظ المذكور إنما يكون سيد الاستغفار إذا جمع صحة النية والتوجه والأدب. ومن أنواع الاستغفار الذي ينبغي للعبد أن يداوم عليه كفارة المجلس وهي ما أخرج الحاكم من حديث عائشة رضي الله عنها كان صلى الله عليه وسلم لا يقوم من مجلس إلا قال: "سبحانك اللهم ربي وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك"، وقال: لا يقولهن أحد حيث يقوم من مجلسه إلا غفر له ما كان منه في ذلك المجلس. قال عياض: وكان السلف يواظبون عليه ويسمى ذلك كفارة المجلس.
معاشر المسلمين: إن المداومة على الاستغفار تفتح للعبد أبواب الخير كلها أخرج أبو داود في سننه بإسناد فيه ضعف ومعناه صحيح: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب"
- ومن لوازم الاستغفار الإقلاع عن الذنب وعدم العودة إليه، قال الفضيل بن عياض - رحمه الله -: استغفار بلا إقلاع توبة الكذابين.
وقالت رابعة العدوية: استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير. تعني أننا نستغفر ونحن مصرون على الذنوب، وإذا استغفرنا كان في استغفارنا تقصير عظيم.
استغفر الله ذنبا لست محصيه
رب العباد إليه القول والعمل
ومن فوائد الاستغفار: أنه يزيل الوحشة التي بين العبد وربه، فإن أهل الذنوب يقذف الله في قلوبهم وحشة من الخلق، بل إنهم ليستوحشون من أنفسهم.
المصدر مجلة الدعوة
[طباعة | ارسل الصفحة]



Comments
2010-11-23