عقت أمها ثم تابت
السؤال: السلام عليكم.. فتاة حدثت مشاجرة بينها وبين أمها وتطاولت الأم عليها؛ فكان رد البنت سيء على أمها من شدة الغضب، فما كان من الأم إلا أن دعت على البنت في الثلث الأخير من الليل، وقد طلبت البنت من الأم المسامحة ورضيت الأم، والآن البنت تخاف من الدعاء الذي دعت به الأم، وتخاف من معصيتها لأمها، فكيف تكفر عن ذنبها، وتخشى أن تكون أمها لم تسامحها بصدق، والبنت الآن في حالة من الاكتئاب، فأرشدها إلى الحق؟
وعليكم السلام ورحمة الله.. بسم الله الرحمن الرحمن، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: وقعفإن رضا الأم من أعظم الأعمال التي يجب أن يلتزم بها المسلم والمسلمة، وهو أمر يعرفه جميع المسلمين، وقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده بذلك، لما لها من حقّ على الأبناء، بعد حمل ووضع وإرضاع، يقول الله تبارك وتعالى {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} (لقمان - الآية 14). فكيف يتجرأ المسلم بعد ذلك أن لا يشكر والديه، وخاصة أمه وقد أردف الله تبارك وتعالى شكر الوالدين بعد شكره مباشرة. وكيف يمكن لمسلم أن يخطئ بحق والديه، أو أن يسيء إليهما، وقد قال الله عز وجل {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا} (الإسراء - الآية 23). ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَوْ عَلِمَ اللَّه مِنْ الْعُقُوق شَيْئًا أَرْدَأ مِنْ " أُفّ " لَذَكَرَهُ فَلْيَعْمَلْ الْبَارّ مَا شَاءَ أَنْ يَعْمَل فَلَنْ يَدْخُل النَّار . وَلْيَعْمَلْ الْعَاقّ مَا شَاءَ أَنْ يَعْمَل فَلَنْ يَدْخُل الْجَنَّة"، كما رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فإن كل هذه الآيات والأحاديث وغيرها كثير مما تمتلئ به كتب السيرة والتفسير يجب أن تكون حاضرة دائماً في نفوس الأبناء، وأن تكون نبراساً تربوياً يلتزم به الجميع، فلا يكون البحث عن هذه المعلومات والفتاوى والآراء الشرعية فقط في حالة وقوع الخطأ بحق الوالدين، بل يجب أن تكون منهجاً تربوياً يسير عليه الجميع. فإن أمن المجتمع الإسلامي هذه التربية، وعمّت ثقافة بر الوالدين نفوس المسلمين، فقد أمن الكثيرون دخول الجنّة بإذن الله، وهي بشرى وعد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم البارين بوالديهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (رَغِمَ أَنْفه رَغِمَ أَنْفه رَغِمَ أَنْفه) قِيلَ : مَنْ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْد الْكِبَر أَحَدهمَا أَوْ كِلَيْهِمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُل الْجَنَّة) ". أخرجه مسلم. خاصة وأن الغالبية العظمى من الأبناء، سيكونون في يوم من الأيام آباءً وأمهات، وتدور الدوائر عليهم في طريقة تعامل أبناءهم معهم، وكما جاء في الأثر "برّوا آبائكم تبرّكم أبناءكم". هذا بشكل عام، أما في حالة السؤال الذي بين يدينا اليوم، فأوّل ملاحظة تشدّ الانتباه هي كلمة "تطاولت الأم عليها".. وهنا نتساءل.. كيف يمكن وصف ما تفعله الأم مع ابنتها "تطاول"؟! إن التطاول بمفهومه اللغوي، يعني الارتقاء إلى مستوى أعلى من المستوى الحالي، فالتطاول في البنيان يعني الوصول لارتفاعات أعلى في البناء، وبالتالي فإن التطاول على شخص ما يدل على أن الشخص الأول في مكانة أوضع أو أقل قدر من الشخص الذي يتم التطاول عليه، لذلك فإننا نلمس تعالياً على الأم حتى في صيغة هذا السؤال. فلا يجوز أن يقول أحد على أمه أنها "تطاولت"، فالأم دائماً في مكانة أسمى وأعلى من الأبناء طالما أنّها مسلمة. ونقول لهذه الفتاة، أن عليها قبل كل شيء، وقبل استرضاء أمها، أن تستغفر الله عزّ وجل، وتتوب إليه من هذا الفعل المحرّم شرعاً، والذي قد يسخط الله عزّ وجل عليها، وأن تلتزم بشروط التوبة، وهي الإخلاص لله عزّ وجل في التوبة، والندم على ما قامت به، وعقد العزم على عدم العودة إلى هذا الفعل أبداً. وبعد هذه التوبة والاستغفار، يجب أن تحاول الفتاة استرضاء أمها بكل السبل والوسائل المشروعة، وأن تستعطفها وتتليّن معها، ولا تظهر لها أي أمر أو كلمة أو فعل يغضبها أو يذكّرها بما حصل في السابق، فإن هي فعلت ذلك فقد أدت ما عليها في حق الله بالتوبة، وفي حق أمها بإرضاها، أما ما بقي من الندم فهو علامة على حياة القلب وعلى الحسرة مما حصل منها وكان؛ وليكن هذا دافعاَ لها إلى عدم العودة إلى ذلك الفعل. وفي كل الأحوال، فإن الندم الذي أظهرته هذه الفتاة، وشعورها بالاكتئاب والخوف من الله عزّ وجل بسبب دعاء أمها عليها، يدل دلالة واضحة على قلبها الحي والمؤمن، ويدل على حسرتها لما فعلت، سائلين الله لها الهدايا والصلاح ورضا الله عليها ورضا الأم عليها. والله اعلم.

