الرئيسة   مقالات   وقفات.. مع محاسبة النفس!

وقفات.. مع محاسبة النفس!

mnjd.jpg
من المهم للإنسان المؤمن أن يراعي الهموم والخواطر والإرادات والعزائم التي في نفسه، فالنفس لها إرادة وعزيمة وهمٌّ تهم بالشيء، لذلك كان أصدق الأسماء الحارث وهمّام لأن النفس تهمّ وتحرث، فلها همّ وعمل، فإذن يبدأ بالمحاسبة على ما همّ به وما أراده وما خطر بباله، فالمحاسبة تبدأ من مرحلة الخواطر والإرادات والعزائم، وهذه محاسبة قبل العمل، فيفكّر في إرادة العمل هذا هل هي في مصلحته؟ فإن كان نعم أقدم عليه، وإن كان ليس في مصلحته تركه، ولذلك يقول الحسن - رحمه الله -: "رحم الله عبداً وقف عند همّه يحاسب فإن كان لله مضى وإن كان لغيره تأخر ولم يعمل".
هذا النوع من المحاسبة مهم جداً في إيقاع الأعمال على الإخلاص، وبدون المحاسبة هذه تقع الأعمال بغير الإخلاص فيهلك الإنسان وهو يعمل {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً } [الغاشية: 3 - 4]، فما استفاد من العمل شيء مع أن ظاهره أعمال صالحة لكن لأنها ليست لله.
وكذلك ينظر ثانياً إذا تحركت نفسه لعمل من الأعمال وقف، هل هذا العمل مقدور عليه أو غير مقدور، فإن كان غير مقدور تركه حتى لا يضيع الوقت، وإن كان مقدوراً عليه وقف وقفة أخرى ونظر هل فعله خير من تركه أو تركه خير من فعله، فإن كان فعله خيراً من تركه عمله، وإن كان تركه خيراً من فعله لم يفعله، وإذا كان فعله فيه مصلحة. هل سيفعله الآن والباعث عليه الله وإرادة وجهه أو الباعث عليه أمر آخر (جاه المخلوق وثناؤهم ومالهم).
وهذه المحاسبة مهمة جداً في وقاية النفس من الشرك الخفي، الأول يقيها من الشرك الأكبر والأصغر، ويقيها أيضاً من الشرك الخفي، ولئلا تعتاد النفس الشرك وتقع في مهاوي الرياء، لذلك فإن هناك أربع مقامات يحتاج إليها العبد في محاسبة نفسه قبل العمل:
هل هو مقدور عليه.
هل فعله خير من تركه.
هل هو يفعله لله.
ما هو العون له عليه، والاستعانة طبعاً بالله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة: 5].

محاسبة النفس بعد العمل:
وهو على ثلاثة أنواع:
أولاً: محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله، مثل: تفويت خشوع في الصلاة وخرق الصيام ببعض المعاصي أو فسوق وجدال في الحج، كيف أوقع العبادة؟ هل على الوجه الذي ينبغي؟ هل وافق السنة؟ هل نقص منها؟
وحق الله في الطاعة ستة أمور:
الإخلاص في العمل.
النصيحة لله فيه.
متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
أن يحسن فيه ويتقن فيه.
أن يشهد منّة الله عليه فيه أنه جاء بتوفيق من الله وتيسير للعمل الصالح وإعانة منه.
أن يشهد تقصيره بعد العمل الصالح، وأنك مهما عملت لله فأنت مقصِّر.
ثانياً: محاسبتها على عمل كان تركه خير من فعله، وهذا يمكن أن يكون للمعاصي، أو اشتغال بمفضول ففاته الفاضل، مثل أن يشتغل بقيام الليل فتفوته صلاة الفجر، أو يشتغل بأذكار وغيرها أفضل منها، كما قال صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين: "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وُزِنَت بما قلتِ لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته".
ثالثاً: محاسبتها على أمر معتاد مباح لمَ فعله؟ هل أراد به الله أم الدار الآخرة؟ أم فاته الربح وعمله عادة؟، فتحاسب نفسك على الأمور المباحة والعادات، هل كان لك فيها نية صالحة أو ذهبت عليك؟

فالمحاسبة تولِّد عنده أرباحاً مهمة يحتاجها يوم الحساب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر: "أن الذي ينفق نفقة على أهله يحتسبها تكون له صدقة"، وأراد لفت النظر إلى أن ما ينفقه الناس على أهلهم بالعادة إذا كان فيه نية حسنة فليس خارجاً عن الصدقة، بل داخل فيها وأجرها، حتى يتشجع الناس للإنفاق على أهليهم ولا يبخلوا على أولادهم، بل يحتسبون الأجر بدون إسراف ولا تقتير.

من أين نبدأ في محاسبة النفس؟
قال ابن القيم - رحمه الله - مختصر كلامه -: أن يبدأ بالفرائض فإذا رأى فيها نقص تداركه ثم المناهي "المحرمات" فإذا عرف أنه ارتكب منها شيئاً تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية ثم يحاسب نفسه على الغفلة عما خُلِق له، فإن رأى أنه غفل عما خُلِق له فليتدارك ذلك بالذكر والإقبال على الله، ويحاسب نفسه على كلمات الجوارح من كلام اللسان ومشي الرجلين وبطش اليدين ونظر العينين وسماع الأذنين ماذا أردتُ بهذا؟ ولمن فعلته؟ وعلى أي وجه فعلته؟
السُبُل العملية.. التفكير في المجالات أين يتجه الإنسان عند المحاسبة..
الفرائض، ويجب أن نعرف أن جنس الواجبات في الشريعة أعلى من ترك المحرمات، وكلاهما لابد منه، لكن للفائدة فجنس فعل الواجب أعلى في الشريعة وأكثر أجراً من جنس ترك المحرم، لأن الواجبات هي المقصود الأصلي وهذه المحرمات ممنوعة، ولكن ما هو الأصل؟ أن تقوم بالواجبات، فأول ما يبدأ بالفرائض فإن رأى منها نقصاً تداركه (الوضوء - الصلاة - الصيام بدون نية - كفارة اليمين)..، فاستدراك الخطأ في الواجبات نتيجة للمحاسبة، وهناك تقصير يمكن استدراكه وهناك آخر لا.
المحرمات والمناهي..، فهناك أمور تحتاج التوقف الفوري (كسب حرام - عمل حرام)، وأشياء يمكن تدارُكها (التخلص من الأموال الحرام بعد التوبة - أكل حقوق العباد فيعيد المال إلى أصحابه)، وبعضها يحتاج إلى التحلل منها وطلب السماح، وهناك أشياء لا يمكن تداركها إلا بالتوبة والندم وعقد العزم على عدم العودة والإكثار من الحسنات الماحية لأن الله - تعالى - قال: {َأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ} [هود: 114].
ثم يحاسب نفسه على الغفلة عما خُلِق له (الانغماس في الملاهي والألعاب مع أنها ليست حرام)، فيتدارك ذلك بأن يأتي بفترات طويلة تفوقها في الذكر والعبادة والأعمال الصالحة لتعويض الغفلة التي حدثت..
وهناك طريقة أخرى للمحاسبة وهي محاسبة الأعضاء، ماذا فعلت برجلي؟بيدي؟بسمعي؟ ببصري؟ بلساني؟، المحاسبة على الأعضاء تعطي نتيجة فيكون الاستدراك بإشغال الأعضاء في طاعة الله، ثم المحاسبة على النوايا (ماذا أردت بعملي هذا؟ وما نيتي فيه؟).
والقلب من الأعضاء ولا بد له من محاسبة خاصة لصعوبة المحاسبة في النوايا لأنها كثيراً ما تتقلب فسمّي القلب قلباً من تقلّبه..
وينبغي للعبد كما أن له في أول نهاره توصية لنفسه بالحق أن يكون له في آخر نهاره ساعة يطالب نفسه فيها ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء. فالمحاسبة لما ضرب لها العلماء مثل محاسبة الشريك الشحيح لشريكه فهذا فيه تدقيق، وهي صفة مهمة للمحاسبة؛ أن الإنسان يدقق مع نفسه ويفتّش الأمور تفتيشاً بالغاً، فقد يتناسى أشياء وهي خطيرة، ومع النفس لا تصلح المسامحة "رحم الله امرءاً سمحاً إذا باع سمحاً إذا اشترى سمحاً إذا قضى سمحاً إذا اقتضى"، نعم يفوّت للناس ولكن مع نفسه لا يفوّت..! فينبغي أن يكون هناك تدقيق زائد للنفس.
ومعاقبة النفس على التقصير مهمة بإلزامها بالفرائض والواجبات والمستحبات بدلاً من المحرمات التي ارتكبتها، والعجب أن الإنسان يمكن أن يعاقب عبده وأمته وأهله وخادمته وسائقه والموظف عنده على سوء الخلق والتقصير ولكن لا يعاقب نفسه على ما صدر عنها من سوء العمل.

ما هي العقوبات؟
اسم العقوبات فيها تسامح وتجوّز، العقوبات المقصود منها أنك تلزم نفسك بطاعات، ولنضرب لذلك أمثلة من السلف كيف كانوا يعاقبون أنفسهم:
- عاقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه نفسه حين فاتته صلاة العصر في جماعة بأن تصدّق بأرض قيمتها مائتي ألف درهم.
- ابن عمر - رضي الله عنهما - كان إذا فاتته صلاة في جماعة أحيا تلك الليلة.
- فاتت ابن أبي ربيعة ركعتا سنة الفجر فأعتق رقبة.
والتقصير عند السلف من أصحاب النفوس العالية ليس ترك واجب أو فعل محرم، لكن تقصير في واجب ومستحب، أي فوات طاعة مثلاً أو أذكار وأوراد، والمعاقبة أن يضاعف الأذكار والأوراد. والنفس لا تستقيم إلا أن تُجَاهد وتُحَاسَب و تُعَاقَب، ومما يعين على معاقبة النفس أو إرغام النفس على استدراك النقص التأمُّل في أخبار المجتهدين، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قام بعشر آيات لم يُكتب من الغافلين، ومن قام بمئة آية كُتِب من القانتين، ومن قام بألف آية كُتِب من المقنطرين". ومن تأمل في حال السلف وماذا كانوا يفعلون مع ندرة النماذج هذه في هذا الزمان لعله يقود إلى معاقبة النفس بإلزامها بمزيد من العبادات والمستحبات إذا قصّرت. قالت امرأة مسروق: ما كان يوجد مسروق إلا وساقاه منتفختان من طول الصلاة، والله إن كنت لأجلس خلفه فأبكي رحمة له.
قال أبو الدرداء: لولا ثلاث ما أحببت العيش يوماً واحداً، الظمأ لله بالهواجر، والسجود لله في جوف الليل، ومجالسة قوم ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر.
أم الربيع كانت تشفق على ولدها من كثرة بكائه وسهره في العبادة فنادته: (يا بني لعلك قتلت قتيلاً)؟ قال: (نعم يا أماه). قالت: (فمن هو حتى نطلب أهله فيعفو عنك، فوالله لو يعلمون ما أنت فيه لرحموك وعفوا عنك)!! قال يا أماه.. هي نفسي!!).
قال القاسم بن محمد: غدوت يوماً وكنت إذا غدوت بدأت بعائشة - رضي الله عنها - أسلم عليها، فغدوت يوماً إليها فإذا هي تصلّي الضحى وهي تقرأ: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ } [الطور: 27]، وتبكي وتدعو وتردد الآية وقمت حتى مللت وهي كما هي فلما رأيت ذلك ذهبت إلى السوق فلما فرغت من حاجتي رجعت إليها فوجدتها كما هي ففرغتُ ورجعتُ وهي تردد الآية وتبكي وتدعو! هذه القلوب، سريعة الذنوب، لا بد من قرعها ومطالعة ما فيها، ومن قواعد المحاسبة توبيخ النفس، لأنها ما دامت أمَّارة بالسوء فتحتاج إلى شدة وتوبيخ، والله أمر بتزكيتها وتقويمها، فهي تحتاج إلى سلاسل ولا تنقاد إلا بسلاسل القهر إلى العبادة، ولا تمتنع عن الشهوات إلا بهذه السلاسل، ولا تنفطم عن اللذات إلا بهذا الحزم معها، فإن أهملت نفسك جمحت وشردت وإن لازمتها بالتوبيخ والمعاتبة والملامة كانت هي النفس اللوامة ويُرجى أن ترتقي بعد ذلك إلى النفس المطمئنة. كيف يحاسب الإنسان نفسه؟ بماذا يذكر نفسه؟ بنقصها.. بخستها ودناءتها وما تدعو إليه من الحرام وترك الواجب والتفريط في حق الله..

فوائد المحاسبة ومصالحها:
أن المرء يطّلع على عيوب نفسه ويكتشف أشياء تدهشك، ولا يفقه الرجل حتى يمقت نفسه ويحتقرها في جنب الله، وكان بعض السلف يقول في دعائه في عرفة: (اللهم لا ترد الناس لأجلي)!، وكان محمد بن واسع يقول: (لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد أن يجلس إليّ)!، مع أنه من كبار العبّاد في هذه الأمة، وقال يونس بن عُبيد: (إني لأجد مئة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن في نفسي منها واحدة)! وهذا حمّاد بن سلمة دخل على سفيان الثوري وهو يحتضر فقال: (يا أبا عبدالله أليس قد أمنت مما كنت تخافه، وتقدم على من ترجوه وهو أرحم الراحمين؟!) قال: (يا أبا سلمة أتطمع لمثلي أن ينجو من النار) قال: (إي والله إني لأرجو لك ذلك). وقال جعفر بن زيد: خرجنا في غزاة إلى كابل وفي الجيش صلة بن أشيم فنزل الناس عند العتمة فصلوا ثم اضطجع فقلت: لأرمقنّ عمله، فالتمس غفلة الناس فانسلّ وثباً فدخل غيضة (مجموعة أشجار ملتفة) قريب منا، فدخلت على أثره فتوضأ ثم قام يصلي فجاء أسد حتى دنا منه فصعدت في شجرة فتراه التفت إليه أو عدّه جرو! فلما سجد قلت الآن يفترسه فجلس ثم سلّم ثم قال: (أيها السبع اطلب الرزق من مكان آخر)، فولّى وإن له زئيراً، فما زال كذلك يصلي حتى كان الصبح فجلس يحمد الله وقال: (اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار ومثلي يستحي أن يسألك الجنة)! ثم رجع وأصبح وكأنه بات على حشايا، أما أنا فأصبح بي ما الله به عليم من هول ما رأيت! وقال عمر بن الخطاب ]: (اللهم اغفر لي ظلمي وكفري)، فقال قائل: (يا أمير المؤمنين هذا الظلم فما الكفر؟) قال: {إنَّ الإنسّانّ لّظّلٍومِ كّفَّارِ} [إبراهيم: 34]، فإذا تمعّن الإنسان حال السلف عرف حاله والبعد الشديد ما بينه وبينهم. إذن ففي المحاسبة:
مقارنة حال بحال فينكشف التقصير العظيم.
ومن التفكر في العيوب أن الإنسان ينظر في عمله ما دخل عليه فيه من العُجب والغرور فيرى نفسه كاد أن يهلك ومهما عمل فهو مقصِّر.
أن يخاف الله - عزَّ وجلَّ -.
4 - ومما يعين على المحاسبة استشعار رقابة الله على العبد واطلاعه على خفاياه، وأنه لا تخفى عليه خافية: { وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ق: 16] .
وقال - تعالى -: {واعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ } [البقرة: 235].
5 - من الأشياء المهمة في المحاسبة التفكر في الأسئلة يوم القيامة وأن تعلم أنك مسئول يوم القيامة، ليس سؤال المذنبين فقط، فالله - تعالى - قال: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ } [الأحزاب: 8]، وإذا كان الصادقين سيسألهم الله عن صدقهم فما بالك بغيرهم؟! {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 6]، وحتى الرسل يُسألون..!!!


التعليقات

احمد

2011-08-28
بارك الله فيمن كتب ونشر

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
التحقق
هذا السؤال هو لاختبار إذا كنت زائر حقيقي