الحافظ العلائي وجهوده في الحديث وعلومه
28/12/1429 - ...العنوان: الحافظ العلائي وجهوده في الحديث وعلومه
دار النشر: مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع - الرياض
تأليف: د. عبدالباري بن عبدالحميد البدخسي
عدد الصفحات: 1062
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه كما صلى وبارك على إبراهيم وآل إبراهيم، إن ربنا حميد مجيد.
أما بعد: فإن أشرف ما صرف الإنسان فيه عمره، وزين به وقته، وشغل به نفسه طلب العلم الشرعي، والتزود به اكتساباً، وتعلماً، وتعليماً، فهو بلا شك أنفس ما طلبه الطالبون، وأجل شيء رغب فيه الراغبون، وأفضل فضيلة يسعى لها الفاضلون، باستثماره سعد الصالحون، وبالتجاء مغاره فاز الفائزون، وهو ساعد السعادة، وأس السادة، والمرقاة إلى النحاة في الدار الآخرة، والمقوم لأخلاق النفوس الباطنة والظاهرة، فهو نعم الصاحب والدليل، والمرشد على سواء السبيل.
وللعلم الشرعي مصدران أساسيان، هما: كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وقد تعهد الله تعالى بحفظ كتابه فقال: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [الحجر: 9].
وكما حفظ الله كتابه حفظ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم أيضاً التي جاءت مبينة لأحكمه، وموضحة لمجمله.
قال الله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) [النحل: 44].
فقام رسول الله صلىالله عليه وسلم بذلك خير قيام، فصّل مجمله، وقيد مطلقه، وفسر ألفاظه، وبين أحكامه ومعانيه، فكان هذا البيان منه صلى الله عليه وسلم هو سنته التي بين أيدينا.
ون من مظاهر الحفظ لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما قام به علماء الإسلام وجهابذته من جهد مضنٍ في سبيل جمع هذه السنة وتدوينها، ووضع القواعد التي تضبط ألفاظها، وتحدد قبولها من ردها، وتمحص أحوال نقلتها ورواتها.
ولأجل ذلك، لما سئل عبدالله بن المبارك رحمه الله عن هذه الأحاديث المصنوعة الموضوعة؟ أجاب بقوله: يعيش لها الجهابذة، (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).
فعد رحمه الله جهود هؤلاء الجهابذة في تنقيتها وتمحيصها من تمام حفظ الله عز وجل لدينه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وإن من واجبات طلبة العلم الشرعي: ذكر مآثر أولئك العلماء الذين أقامهم الله عز وجل لحفظ اللأحاديث النبوية، ومعرفة صحتها من سقمها، ونشر مفاخرهم، والاعتناء بتراجمهم، ودراسة حياتهم العلمية، وبيان أثرهم في الحديث الشريف؛ إذ هم الذين حفظ الله تعالى بهم هذا الدين من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، كما أن في التعريف بهم وإبراز جهودهم مساهمة في دعم المسيرة العلمية؛ فإنهم بلا شك حداة الركب، ومنار الدرب.
وإن من أولئك الأعلام الذين حملوا راية العلم والأثر، وسعوا لأجل نشره وتحقيقه وتنقيحه الإمام الحافظ المحدث، صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي الذي تربو مؤلفاته في الحديث وعلومه على خمسين كتاباً ما بين مطبوع ومخطوط ومفقود، ولا أعلم أحداً كتب دراسة وافية عن حياة هذا الحافظ الناقد وجهوده في الحديث، مع وفرة المادة العلمية، وحاجة المكتبة الحديثية إليها.
لذلك عزمت أن أجعل جهود هذا العالم الجليل في الحديث وعلومه موضوع رسالتي في المرحلة العالمية العالية (الدكتوراة) مستوعباً إن شاء الله تعالى كل ما يندرج تحت هذا العنوان.
سبب اختيار الموضوع وأهميته:
1 - الإسهام في مشروع التعريف بأعلام المحدثين وجهودهم في خدمة السنة المطهرة، فقد تناول عدد كثير من الدارسين شخصيات من المحدثين البارزين بالدراسة في بحثوهم ورسائلهم العلمية، كابن عبدالبر، والخطيب البغدادي، وابن أبي حاتم، والدارقطني، وابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، وابن رشيد، والعيني، والسخاوي، والسيوطي، وغيرهم من علماء الحديث في قرون مختلفة.
فأحببت أن أشاركهم بدراسة جهود الحافظ العلائي استكمالاً لهذا المشروع المهم.
2 - مكانة الحافظ العلائي في علم الحديث، فقد أثنى عليه كبار العلماء، ووصفوه بحفظ المتون، والمعرفة بالعلل، وأسماء الرجال.
قال الحافظ الذهبي: الإمام المفتي المحدث، عالم بيت المقدس اليوم، الفقيه الحافظ معدود في الأذكياء، له يد طولى في الحديث ورجاله، حصّل الأجزاء الجيدة، والكتب النفيسة.
ووصفه تاج الدين السبكي بالحافظ المفيد، وقال: كان حافظاً ثبتاً ثقة عارفاً بأسماء الرجال، والعلل والمتون، فقيهاً...
وقال تلميذه أبو المحاسن الحسيني: وكان إماماً في الفقه والنحو والأصول، متفننا في علم الحديث ومعرفة الرجال، علامة في معرفة المتون والأسانيد، بقية الحفاظ ومصنفاته تنبئ عن إمامته في كل فن، درس وأفتى وناظر، ولم يخلف بعده مثله.
وقال ابن العماد: الإمام المحقق، بقية الحفاظ، فاق أهل عصره في الحفظ والإتقان.
3 - يعد الحافظ العلائي من أئمة الحديث المحققين، ولذلك نجده يتعقب في كثير من المسائل كبار المحدثين، ويورد عليهم إيرادات تدل على معرفته الواسعة، وإلمامه الكبير بهذا العلم الشريف.
4 - إبراز جهود هذا الحافظ الكبير في خدمة السنة المطهرة، فقد ألف رحمه الله تعالى في العلوم الإسلامية عامة، وفي علم الحديث خاصة مؤلفات كثيرة، تناول فيها كثيراً من فنون الحديث وأنواعه، ونثر فيها فوائد جمة، وتحقيقات بديعة، ونكات لطيفة يحتاج إلى تتبعها وإبرازها في دراسة مستقلة.
5 - إن في هذا الإبراز نصحاً للأمة لتقتدي بسيرهم وتقتفي أثرهم في إقامة هذا الدين في الأرض والتمكين له، والمحافظة عليه من خلال نشر حقائقه، وإظهار محاسنه وتيسير موارده.
وإن سير هؤلاء الأعلام بلا شك قوادح للعزائم، مشاحذ للهمم، فيها التعشق للعلم والإخلاص فيه، والصبر عليه، والنبوغ فيه، والوقوف عند حدوده.
الخاتمة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
أما بعد ؛ فأشكر الله سبحانه ، وأحمده على أن يسر لي إتمام هذا البحث المتعلق بجهود علم من أعلام المحدثين في القرن الثامن الهجري في الحديث وعلومه ، ألا وهو الإمام الحافظ صلاح الدين العلائي .
وفي نهاية هذا البحث ، وبعد هذا التجوال في تراثه وآثاره العديدة والنافعة ، أذكر بأهم ما تضمنه هذا البحث ، وما توصلت إليه من النتائج مع بعض التوصيات .
فأهم النتائج التي أسفرت عنها هذه الدراسة ، هي :
1- أن هذا الدين محفوظ بحفظ الله عز وجل له ، وأن من مظاهر هذا الحفظ : أولئك الأعلام الأفذاذ ، والجهابذة الحافظ ، الذين بذلوا جهوداً مضنية في سبيل جمع السنة النبوية وتدوينها ، ووضع القواعد والضوابط التي تضبط ألفاظها ، وتحدد قبولها من ردها .
2- أن الحافظ العلائي كان واحداً من أولئك الأعلام الذين حملوا راية العلم والأثر ، وسعوا لأجل نشره وتحقيقه وتنقيحه .
3- أن الفترة التي عاش فيها الحافظ العلائي رحمه الله وإن كانت مضطربة من الناحية السياسية والاجتماعية إلا أن الحركة العلمية والثقافية كانت نشطة ومزدهرة ، لذا نالت العلوم الدينية والعربية وخاصة علم الحديث – الذي كان الحافظ العلائي أحد فرسانه مع اهتمامه بالعلوم الأخرى – العناية الكبرى من علماء عصره حفظاً وتدريساً ، تأليفاً وتصنيفاً ، تحقيقاً وتنقيحاً .
4- أن مكانة الحافظ العلائي العلمية ، وبروزه في فنون شتى أثارت اهتمام المؤرخين والمترجمين ، فترجموا له في كتب الطبقات بأنواعها ، والإثبات والمشيخات ، وكتب التاريخ الأخرى المشتمل على الحوادث والوفيات ، وهناك من أفرد جزءاً في ترجمته .
5- أن الحافظ العلائي رحمه الله ولد في أسرة علمية عريقة ، وأن جده لأمه كان من شيوخ الحديث في عصره ، به أحب العلائي علم الحديث وسلك طريق أهله .
6- توجه الحافظ العلائي في مرحلة مبكرة نحو الطلب ، فحفظ القرآن وعمره تسع سنوات ، ثم تعلم الفقه ، والنحو ، والأصول ، مع العناية بسماع الحديث وحفظه ، وحضور مجالس العلماء والاستماع إلى روايته ، وبرع فيه إلى أن صار أحد أئمة الحديث في زمانه .
7- لقد كان الحافظ العلائي رحمه الله متحلياً بمحاسن الأخلاق ، وجميل العادات من الكرم ، وطلاقة الوجه ، والحشمة والوقار ، مع الاجتهاد في الطاعة ، والجد في العبادة ، وذلك بشهادة كل من عرفه وعايشه ، أو رافقه في بعض أسفاره .
8- تتلمذ الحافظ العلائي على نخبة جيدة من شيوخ بلده وغيرهم من القادمين إليه ، جمع فوائدهم ، ومسموعاته عليهم في مشيخة حافلة .
9- سلك الحافظ العلائي مسلك المحدثين في الاهتمام بالرحلة ، فرحل بعدما نهل من علماء بلده إلى البلاد والأصقاع التي كانت موطن العلم والعلماء آنذاك كالقدس والحجاز ومصر وغيرها بحثاً عن الأسانيد العالية ، وتطلعاً إلى إجازات العلماء والاستفادة منهم .
10- تولى الحافظ العلائي التدريس مع الإفتاء في عدد من دور الحديث في دمشق قبل أن يتولى مشيخة دار الحديث السيفية بالقدس ، ثم انقطع للتدريس مع التصنيف في القدس ، وبقي فيها حتى مات .
11- كان لتتلمذ الحافظ العلائي على خيرة علماء عصره ، وأعلام وقته مع اعتنائه بالتأليف والتصنيف أثر كبير في إقبال طلبة العلم عليه من شتى البقاع والأمكنة ، للإفادة من علمه وسماع كتبه ومؤلفاته .
12- تبوأ الحافظ العلائي مكانة علمية رفيعة بين علماء عصره ، وذلك لتبحره في علوم الحديث والفقه والأصول ، ومشاركته الجيدة في غيرها تأليفاً وتصنيفاً ، تحقيقاً وتدريساً ، ولأجل ذلك حظي بثناء كبار علماء عصره ، ولقبوه بألقاب علمية رفيعة .
13- مما يلاحظ على الحافظ العلائي مع إمامته في علم الحديث الذي هو المصدر الثاني بعد القرآن لتلقي العقيدة الصحيحة ، عقيدة السلف الصالح انتهاجه منهج الأشاعرة المتأخرين في مسائل الصفات ، وذلك بالتأويل أحياناً ، وتفويض معانيها أحياناً .
14- بعد حياة عامرة بالعلم والعطاء جاءه الأجل المحتوم ، فتوفي في مستهل شهر الله المحرم سنة إحدى وستين وسبعمائة بعد مرض دام به بضعة أشهر ، ودفن بباب الرحمة عند سور المسجد الأقصى ، وخلف تراثاً عظيماً ، ومؤلفات مباركة في العلوم الإسلامية ، لاسيما علم الحديث الشريف .
15- تميز الحافظ العلائي بالإكثار من التأليف مع الإتقان والتحرير كما وصفه بذلك الحافظ ابن حجر وغيره ، ولذا خصصتُ لدراسة مؤلفاته فصلاً مستقلاً جمعت له فيه ما يقارب من مائة وسبعين مؤلفاً ، وقد طبع منها حتى الآن اثنان وعشرون كتاباً ، منها اثنان عشر كتاباً يتعلق بالحديث وعلومه ، وقد اطلعتُ على مجموعة من مؤلفاته الأخرى التي لازالت مخطوطة وهي ستة عشر كتاباً ، منها ثمانية كتب تتعلق بالحديث وعلومه ، وبهذا صارت مجموع مؤلفاته الحديثية التي رجعت إليها ، واستفدت منها في هذا البحث ثلاثين مؤلفاً .
وقد اتسمت مؤلفاته بالشمول والتنوع ، والاستيفاء والتحقيق ، والتحرير والتدقيق ، مع سهولة اللغة ، والبعد عن التكلف ، لكن أكثرها في عداد المفقود .
وقد كان له اهتمام كبير بتخريج الأجزاء والمشيخات ، مع انتقاء الأحاديث العالية من كتب الحديث ، أو مرويات شيوخه المكثرين ، لذا قمتُ بجمع هذا اللون من مؤلفاته من مشيخته وغيرها من كتب التراجم فبلغت ما يقارب من أربعين مؤلفاً .
16- أولى الحافظ العلائي رحمه الله الإسناد حقه من العناية في مؤلفاته العديدة ، فساق الأحاديث بل القصائد والحكايات بأسانيده مع إيراد أقوال من سبقه من الأئمة في أهمية الإسناد ، وبين أنه خصيصة من خصائص هذه الأمة .
وفيما يتعلق بالحديث وعلومه الذي هو موضوع هذه الدراسة ، فقد برزت عناية الحافظ العلائي به من خلال :
17- إفراد أنواع من علوم الحديث بالتأليف كـ : ( كتاب تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة ) الذي حقق فيه المسائل المتعلقة بالصحابة الذين هم الطبقة الأولى من رواة الحديث ، وكتابه ( جامع التحصيل في أحكام المراسيل ) الذي تناول فيه الكلام عن المرسل بقسميه الجلي والخفي ، والرواة المحكوم على روايتهم بالإرسال ، والمنقطع وما يتعلق به من الإسناد المعنعن ، والمعضل ، والتدليس وطبقات المدلسين ، وألفاظ الأداء ، وكتابه : ( المختلطين ) الذي ذكر فيه 46 راوياً ممن حكم عليهم بالاختلاط ، مع بيان حكم رواية المختلطين ، وكتاب ( المسلسلات ) الذي روى فيه بإسناده 13 حديثاً مسلسلاً ، وكتاب : الوشي المعلم فيمن روى عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ) الذي هو من أجمع التصانيف في هذا النوع من علوم الحديث كما قال السخاوي وغيره ، وكتاب : ( بغية الملتمسين في سباعيات حديث الإمام مالك بن أنس ) الذي روى فيه ما يزيد عن خمسين حديثاً من الأحاديث السباعية التي هي نوع من أنواع العلو .
18- إسهامه الواسع بعلم الجرح والتعديل ، حيث إنه تناول في مؤلفاته أغلب المسائل والمباحث المتعلقة بالصحابة ، والعدالة والضبط اللذان هما أساس قبول خبر الراوي، وطريق معرفتهما ، والأمور التي تقدح فيهما من الجهالة والاختلاط وغيرهما.
19- عنايته الفائقة بعلم الرجال ، وذلك بتوثيق الرواة وتضعيفهم ، وتعيين مراتبهم فيهما ، وكذلك التعريف بهم ، وضبط أسمائهم وكناهم ، ومعرفة ألقابهم ، وأنسابهم ، وبلدانهم ، وضبط سني ولادتهم ووفياتهم ، مع تعقبات علمية سديدة على بعض الأئمة في هذا العلم .
وقد نهج رحمه الله في كلامه على الرواة جرحاً وتعديلاً منهجاً واضحاً وصريحاً كما اتضح ذلك من خلال مقارنة كلامه وأحكامه مع أحكام غيره من النقاد الذين برزوا في هذا الجانب .
20- وظهرت عنايته بمصطلح الحديث من خلال روايته للكتب المؤلفة في المصطلح بأسانيده المتصلة مع إفراد بعض الأنواع منه بالتأليف – كما تقدم - ، والذي كان عمدة لمن جاء بعده ، مع تناوله بعض الأنواع الأخرى منه بالبيان المفصل كمسألتي الشاذ ، وزيادة الثقة – مثلاً – مما لم نجده عند غيره .
كما شارك رحمه الله غيره من علماء المصطلح الرأي فيما يقارب من ثلاثين نوعاً من أنواع علوم الحديث ، وقد لقي بعض آرائه القبول والاستحسان من قبل حافظ عصره الحافظ ابن حجر .
وقد كانت له رحمه الله ترجيحات واختيارات مبنية على الأدلة والشواهد في مسائل عديدة من مسائل مصطلح الحديث ، تثبت صحة ما ذهب إليه ، مع تعقبه كبار علماء المصطلح كالخطيب البغدادي وأبي عبد الله الحاكم وغيرهما في بعض مسائل المصطلح ، والتي تبرز بها شخصيته النقدية في هذا الفن المهم .
21- كان للحافظ العلائي أثر كبير على مصنفات المعاصرين له ، أو المتأخرين عن زمنه كالحافظ العراقي ، وابنه أبي زرعة العراقي ، والحافظ ابن حجر، والزين قاسم بن قطلوبغا ، والحافظ السخاوي ، والسيوطي وغيرهم ممن تتابعوا على نقل آرائه ، والاستشهاد بأقواله في تقرير كثير من مسائل المصطلح ، وتوضيح قواعده ، ولاسيما الحافظ ابن حجر الذي اعتنى بنقل أقواله مع الثناء عليها بالشمول والتوسع تارة ، والدقة والإتقان تارة أخرى .
22- لم يكن اهتمام الحافظ العلائي مقصوراً على الجوانب والنواحي النظرية لعلوم الحديث فحسب ، حيث امتدت عنايته إلى الجانب العملي منها أيضاً ، وذلك بتخريج الأحاديث ، والحكم عليها ، وتمييز صحيحها من ضعيفها ، ومقبولها من مردودها ، وبيان فقهها كما اتضح ذلك من خلال عدد من مؤلفاته القيمة في تخريج الأحاديث ، ككتابه : ( نظم الفرائد ) ، و( رفع الإشكال عن صيام ستة أيام من شوال ) ، و( جزء في تصحيح حديث القلتين ) وغيرها .
وقد اعتنى رحمه الله في مؤلفاته الأخرى كالأمالي الأربعين في أعمال المتقين ، والأربعين المغنية ، وبغية الملتمس ، وبعض الأجزاء التي ألفها في التفسير بتخريج الأحاديث من بطون الكتب والأجزاء من مرويات نفسه مع عزوها لمن رواها من أصحاب الكتب ، ومقارنة أسانيده بأسانيد أصحابها مبيناً ما حصل له من الطرق العالية على سبيل البدلية أو الموافقة ، مع بيان درجة الحديث ومرتبته .
23- نهج رحمه الله في تخريج الأحاديث منهج متقدمي أهل الحديث كالإمام مسلم والإمام الترمذي وغيرهما ، وذلك بجمع أسانيد الحديث الواحد في سياق واحد بالعطف أو التحول بينها ، وذكر اتفاق الرواة واختلافهم ، مع الإشارة إلى ما في بعض الروايات من العلة ، وغير ذلك من الفوائد المتعلقة بالأسانيد والمتون .
24- خاض الحافظ العلائي رحمه الله غمار فن هو أدق أنواع علوم الحديث وأغمضها الذي لا يقوم به – كما قال هو – إلا من منحه الله فهماً غايصاً ، وإطلاعاً حاوياً ، وإدراكاً لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة ، فشارك رحمه الله من تقدمه من علماء الحديث بكلام جيد وشامل في معرفة علل الأحاديث ، مما جعل العلماء الذين عاصروه ، أو جاؤوا بعده يثنون عليه ، ويشهدون له بالمعرفة فيه .
وقد وضحتُ هذا الجانب كسائر مفردات الموضوع حسب الوسع والطاقة بذكر نماذج من الأحاديث التي أعلها ، أو حكم عليها بالصحة أو الضعف مع توضيح منهجه في التعليل ، ومقارنة أحكامه مع أحكام الأئمة الآخرين ، والتي أسفرت عن التطابق في الغالب ولله الحمد .
25- مما أبرز هذا البحث جهود الحافظ العلائي في شرح الأحاديث ودلالتها ، وبيان فقهها ، واستنباط الأحكام الشرعية منها معتمداً في ذلك على الكتاب والسنة ، والآثار ، ولغة العرب مع الاستشهاد بأقوال العلماء السابقين وشراح الحديث .
وأهم العناصر التي تناولها في شرحه للأحاديث هي:
- بيان المعنى الإجمالي للحديث ، والتنبيه على أهميته من كونه أجمع حديث في باب معين ونحو ذلك .
- تقرير المسائل العقدية ، والرد على بعض الطوائف والفرق الباطلة .
- الاستشهاد بالآيات القرآنية .
- الاستشهاد بأقوال العلماء .
- الاعتناء ببيان دلالة الأحاديث ، وما اشتملت عليها من الفوائد .
- الاعتناء ببيان الأحكام التي تضمنها الحديث .
- الاعتناء بالجانب التربوي للحديث النبوي كما وضحت ذلك كله من خلال بعض الأمثلة والنماذج ، مع بيان منهجه .
كما تعقب رحمه الله بعض العلماء كأبي جعفر الطحاوي وابن حبان وغيرهما في هذا المجال .
26- ختمتُ البحث بذكر أثر الحافظ العلائي على مصنفات من جاء بعده كالحافظ نور الدين الهيثمي ، وأبي بكر البوصيري ، والحافظ ابن حجر العسقلاني ، وعبد الرؤوف المناوي وغيرهم ممن اعتنوا بنقل أقواله وأحكامه في الرواة والأسانيد ، كما أنهم أفادوا من آرائه في شرح متون الأحاديث وبيان فوائدها في مواضع عديدة من مؤلفاتهم .
وأما التوصيات :
1- فيأتي في طليعتها البحث عن مؤلفاته المفقودة ، وإخراجها محققة مطبوعة ، وذلك لما لمؤلفاته من القيمة العلمية والفوائد العديدة .
2- إعادة تحقيق بعض مؤلفاته التي لم ينل حظها من التحقيق ، وكذلك طبع ما حقق منها في الرسائل العلمية ، وذلك لكثرة التصحيفات والأخطاء في أغلب مؤلفاته المطبوعة .
3- جمع أقواله في الرواة والأحاديث ، وذلك لكونه من العلماء الذين عرفوا بتمييز الأحاديث ، ومعرفة صحيحها من سقيمها كالنووي ، وابن القطان ، وابن تيمية ، وابن القيم ، والذهبي ، وابن كثير ، وابن رجب ، وابن عبد الهادي ، والعراقي ، والحافظ ابن حجر وغيرهم ممن عاش بين القرن السابع والعاشر ، وهي تعتبر من إحدى الخطوات لخدمة أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم في هذا العصر على غرار موسوعة أقوال الإمام النووي ، وموسوعة الحافظ ابن حجر العسقلاني الحديثية التي خرجنا مؤخراً .
هذه بعض نتائج هذا البحث، وبها أختم الرسالة .
وأتوجه إلى المولى جل شأنه بالحمد والشكر على ما أولاني من سداد وتوفيق ويسر، وأسأله سبحانه وتعالى أن يقبل عملي ، ويغفر زللي وتقصيري .
وأصلي وأسلم على رسوله ومصطفاه سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
فهرس الموضوعات
الموضوع الصفحة
المقدمة..................................................... 5
سبب اختيار الموضوع........................................ 7
خطة البحث................................................ 9
منهج البحث............................................... 12
شكر وتقدير............................................... 14
الباب الأول: دراسة حياة الحافظ العلائي، والتعريف بمؤلفاته
تمهيد في بيان عصر الحافظ العلائي وبيئته....................... 17
الحالة السياسية والاجتماعية في عصر الحافظ العلائي............. 17
الحالة العلمية والثقافية في عصر الحافظ العلائي.................. 20
الفصل الأول: التعريف بالحافظ العلائي، وفيه مباحث........... 23
المبح ثالأول: اسمه، ونسبه، ولقبه، وكنيته، ونسبته............... 30
المبحث الثاني: أسرة الحافظ العلائي........................... 33
المبحث الثالث: ولادة الحافظ العلائي.......................... 43
المبحث الرابع: صفات الحافظ العلائي وأخلاقه................. 47
المبحث الخامس: وفاته...................................... 50
الفصل الثاني: حياة الحافظ العلائي العلمية، وفيه مباحث......... 55
المبحث الأول: أشهر شيوخه................................. 57
المبحث الثاني: نماذج من مرويات الحافظ العلائي............... 86
المبحث الثالث: رحلات الحافظ العلائي....................... 94
المبحث الرابع: تلاميذ الحافظ العلائي........................ 101
الفصل الثالث: مكانة الحافظ العلائي العلمية وفيه مباحث...... 135
المبحث الأول: علومه...................................... 138
المبحث الثاني: وظائف الحافظ العلائي العلمية................. 145
المبحث الثالث: ثناء العلماء عليه............................ 152
الفصل الرابع: مذهب الحافظ العلائي وعقيدته................ 161
المبحث الأول: مذهبه الفقهي............................... 163
المبحث الثاني: عقيدته...................................... 165
الفصل الخامس: مؤلفات الحافظ العلائي، وفيه مباحث......... 179
المبحث الأول: مؤلفاته المطبوعة في الحديث وعلومه............ 183
المبحث الثاني: مؤلفاته المطبوعة في فنون أخرى من تفسير وفقه وأصول فقه ولغة ............................................... 185
المبحث الثالث: مؤلفاته المخطوطة في الحديث................. 202
المبحث الرابع: مؤلفاته المخطوطة في فنون أخرى من تفسير وغيره 234
المبحث الخامس: في مؤلفاته التي لم أتمكن من الوصول إليها وهي تسعة كتب ............................................... 249
المبحث السادس: تخريجاته لشيوخه وهي 13 تخريجاً........... 272
المبحث السابع: انتقاءاته من كتب الحديث أو مرويات شيوخ... 276
الباب الثاني: جهود الحافظ العلائي في علوم الحديث
الفصل الأول: التعريف بمصنفات الحافظ العلائي في علوم الحدث وفيه مباحث .............................................. 297
المبحث الأول: كتابه جامع التحصيل في أحكام المراسيل....... 299
المبحث الثاني: كتاب المختلطين............................. 316
المبحث الثالث: كتابه تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة.................................................. 322
المبحث الرابع: كتاب المسلسلات........................... 330
الفصل الثاني: جهود الحافظ العلائي في الجرح والتعديل وفيه مباحث.................................................. 339
المبحث الأول: فيما يتعلق بالصحابة........................ 346
المبحث الثاني: فيما يتعلق بالعدالة والضبط.................... 362
المبحث الثالث: فيما يتعلق بالجرح........................... 383
المبحث ارابع: في الجهالة وما يتعلق بها....................... 388
المبحث الخامس: فيما يتعلق بالاختلاط....................... 401
الفصل الثالث: جهود الحافظ العلائي في علم الرجال........... 413
المبحث الأول: من كلامه في الرواة.......................... 415
المبحث الثاني: مراتب الجرح والتعديل وألفاظها عند الحافظ العلائي.................................................. 436
المبحث الثالث: عناية الحافظ العلائي بأسماء الرواة وتواريخهم.... 446
المبحث الرابع: تعقباته واستدراكاته على بعض الأئمة في علم الرجال.................................................. 460
الفصل الرابع: جهود الحافظ العلائي في مصطلح الحديث........ 469
المبحث الأول: أسانيده إلى أهم كتب مصطلح الحديث......... 576
المبحث الثاني: تعريفات الحافظ العلائي لبعض أنواع مصطلح الحديث.................................................. 480
المبحث الثالث: آراء الحافظ العلائي وإفاداته في مسائل مصطلح الحديث.................................................. 529
المبحث الرابع: ترجيحاته واختياراته في مصطلح الحديث........ 610
المبحث الخامس: تعقبات الحافظ العلائي في مصطلح الحديث.... 624
الفصل الخامس: اعتماد من جاء بعده على مصنفاته............ 639
المبحث الأول: اعتماد بعض معاصريه على مصنفاته............ 644
المبحث الثاني: اعتماد تلميذه العراقي، وابنه أبي زرعة العراقي على مصنفاته................................................. 645
المبحث الثالث: اعتماد برهان الدين الحلبي على مصنفاته....... 648
المبحث الرابع: اعتماد الحافظ ابن حجر على مصنفاته.......... 650
المبحث الخامس: اعتماد قاسم بن قطلوبغا على مصنفات العلائي.................................................. 662
المبحث السادس: اعتماد السخاوي على مصنفات العلائي...... 664
المبحث السابع: اعتماد السيوطي على مصنفات العلائي........ 667
المبحث الثامن: اعتماد ابن عراق الكناني على مصنفات العلائي.. 671
المبحث التاسع: اعتماد محمد عبدالرؤوف المناوي على مصنفات العلائي.................................................. 673
الباب الثالث: جهود الحافظ العلائي في تخريج الأحاديث، والحكم عليها
الفصل الأول: مصنفاته في تخريج الأحاديث، والحكم عليها وبيان فقهها................................................... 679
المبحث الأول: كتابه جزء في تصحيح حديث القلتين والكلام على أسانيده................................................. 681
المبحث الثاني: كتابه النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح................................................. 687
المبحث الثالث: كتابه نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد.................................................. 695
المبحث الرابع: كتابه بغية الملتمس في سباعيات حديث الإمام مالك بن أنس ............................................... 709
المبحث الخامس: كتاب التنبيهات المجملة على المواضع المشكلة... 723
المبحث السادس: كتابه رفع الإشكال عن صيام ستة أيام من شوال.................................................... 728
الفصل الثاني: جهود الحافظ العلائي في تخريج الأحاديث والحكم عليها.................................................... 731
المبحث الأول: جهوده في تخريج الأحاديث.................... 733
امبحث الثاني: عناية الحافظ العلائي بالحكم على الأحاديث، وبيان عللها.................................................... 767
الفصل الثالث: جهود الحافظ العلائي في شرح الأحاديث، وبيان فقهها.................................................... 849
المبحث الأول: عنايته بشرح غريب الحديث.................. 851
المبحث الثاني: عناية الحافظ العلائي بمختلف الحديث........... 865
المبحث الثالث: عناية الحافظ العلائي بشرح الأحاديث ودلالاتها. 880
المبحث الرابع: عناية الحافظ العلائي ببيان الأحكام التي تضمنها الحديث.................................................. 918
المبحث الخامس: تعقبات الحافظ العلائي في شرح الأحاديث، وبيان فقهها.................................................... 924
الفصل الرابع: اعتماد من جاء بعده على مصنفاته في هذا الباب.. 927
المبحث الأول: اعتماد من جاء بعده عليه في الكلام على الرواة والأسانيد................................................ 929
المبحث الثاني: اعتماد من جاء بعده عليه في الحكم على الأحاديث................................................ 941
المبحث الثالث: اعتماد من جاء بعده في شرح الحديث......... 950
المبحث الرابع: اعتماد من جاء بعده عليه في الدفاع عن الأحاديث المنتقدة على البغوي ...................................... 963
الخاتمة، وفيها أهم نتائج البحث............................. 971
الفهارس العلمية........................................... 991
فهرس الآيات القرآنية...................................... 993
فهرس الأحاديث النبوية.................................... 996
فهرس الأعلام المترجم لهم................................. 1008
قائمة المصادر والمراجع.................................... 1011
المراجع المخطوطة........................................ 1011
الرسائل العلمية التي لم تنشر............................... 1011
المراجع المطبوعة......................................... 1013
فهرس الموضوعات....................................... 1044
دار النشر: مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع - الرياض
تأليف: د. عبدالباري بن عبدالحميد البدخسي
عدد الصفحات: 1062
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه كما صلى وبارك على إبراهيم وآل إبراهيم، إن ربنا حميد مجيد.
أما بعد: فإن أشرف ما صرف الإنسان فيه عمره، وزين به وقته، وشغل به نفسه طلب العلم الشرعي، والتزود به اكتساباً، وتعلماً، وتعليماً، فهو بلا شك أنفس ما طلبه الطالبون، وأجل شيء رغب فيه الراغبون، وأفضل فضيلة يسعى لها الفاضلون، باستثماره سعد الصالحون، وبالتجاء مغاره فاز الفائزون، وهو ساعد السعادة، وأس السادة، والمرقاة إلى النحاة في الدار الآخرة، والمقوم لأخلاق النفوس الباطنة والظاهرة، فهو نعم الصاحب والدليل، والمرشد على سواء السبيل.
وللعلم الشرعي مصدران أساسيان، هما: كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وقد تعهد الله تعالى بحفظ كتابه فقال: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [الحجر: 9].
وكما حفظ الله كتابه حفظ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم أيضاً التي جاءت مبينة لأحكمه، وموضحة لمجمله.
قال الله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) [النحل: 44].
فقام رسول الله صلىالله عليه وسلم بذلك خير قيام، فصّل مجمله، وقيد مطلقه، وفسر ألفاظه، وبين أحكامه ومعانيه، فكان هذا البيان منه صلى الله عليه وسلم هو سنته التي بين أيدينا.
ون من مظاهر الحفظ لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما قام به علماء الإسلام وجهابذته من جهد مضنٍ في سبيل جمع هذه السنة وتدوينها، ووضع القواعد التي تضبط ألفاظها، وتحدد قبولها من ردها، وتمحص أحوال نقلتها ورواتها.
ولأجل ذلك، لما سئل عبدالله بن المبارك رحمه الله عن هذه الأحاديث المصنوعة الموضوعة؟ أجاب بقوله: يعيش لها الجهابذة، (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).
فعد رحمه الله جهود هؤلاء الجهابذة في تنقيتها وتمحيصها من تمام حفظ الله عز وجل لدينه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وإن من واجبات طلبة العلم الشرعي: ذكر مآثر أولئك العلماء الذين أقامهم الله عز وجل لحفظ اللأحاديث النبوية، ومعرفة صحتها من سقمها، ونشر مفاخرهم، والاعتناء بتراجمهم، ودراسة حياتهم العلمية، وبيان أثرهم في الحديث الشريف؛ إذ هم الذين حفظ الله تعالى بهم هذا الدين من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، كما أن في التعريف بهم وإبراز جهودهم مساهمة في دعم المسيرة العلمية؛ فإنهم بلا شك حداة الركب، ومنار الدرب.
وإن من أولئك الأعلام الذين حملوا راية العلم والأثر، وسعوا لأجل نشره وتحقيقه وتنقيحه الإمام الحافظ المحدث، صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي الذي تربو مؤلفاته في الحديث وعلومه على خمسين كتاباً ما بين مطبوع ومخطوط ومفقود، ولا أعلم أحداً كتب دراسة وافية عن حياة هذا الحافظ الناقد وجهوده في الحديث، مع وفرة المادة العلمية، وحاجة المكتبة الحديثية إليها.
لذلك عزمت أن أجعل جهود هذا العالم الجليل في الحديث وعلومه موضوع رسالتي في المرحلة العالمية العالية (الدكتوراة) مستوعباً إن شاء الله تعالى كل ما يندرج تحت هذا العنوان.
سبب اختيار الموضوع وأهميته:
1 - الإسهام في مشروع التعريف بأعلام المحدثين وجهودهم في خدمة السنة المطهرة، فقد تناول عدد كثير من الدارسين شخصيات من المحدثين البارزين بالدراسة في بحثوهم ورسائلهم العلمية، كابن عبدالبر، والخطيب البغدادي، وابن أبي حاتم، والدارقطني، وابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، وابن رشيد، والعيني، والسخاوي، والسيوطي، وغيرهم من علماء الحديث في قرون مختلفة.
فأحببت أن أشاركهم بدراسة جهود الحافظ العلائي استكمالاً لهذا المشروع المهم.
2 - مكانة الحافظ العلائي في علم الحديث، فقد أثنى عليه كبار العلماء، ووصفوه بحفظ المتون، والمعرفة بالعلل، وأسماء الرجال.
قال الحافظ الذهبي: الإمام المفتي المحدث، عالم بيت المقدس اليوم، الفقيه الحافظ معدود في الأذكياء، له يد طولى في الحديث ورجاله، حصّل الأجزاء الجيدة، والكتب النفيسة.
ووصفه تاج الدين السبكي بالحافظ المفيد، وقال: كان حافظاً ثبتاً ثقة عارفاً بأسماء الرجال، والعلل والمتون، فقيهاً...
وقال تلميذه أبو المحاسن الحسيني: وكان إماماً في الفقه والنحو والأصول، متفننا في علم الحديث ومعرفة الرجال، علامة في معرفة المتون والأسانيد، بقية الحفاظ ومصنفاته تنبئ عن إمامته في كل فن، درس وأفتى وناظر، ولم يخلف بعده مثله.
وقال ابن العماد: الإمام المحقق، بقية الحفاظ، فاق أهل عصره في الحفظ والإتقان.
3 - يعد الحافظ العلائي من أئمة الحديث المحققين، ولذلك نجده يتعقب في كثير من المسائل كبار المحدثين، ويورد عليهم إيرادات تدل على معرفته الواسعة، وإلمامه الكبير بهذا العلم الشريف.
4 - إبراز جهود هذا الحافظ الكبير في خدمة السنة المطهرة، فقد ألف رحمه الله تعالى في العلوم الإسلامية عامة، وفي علم الحديث خاصة مؤلفات كثيرة، تناول فيها كثيراً من فنون الحديث وأنواعه، ونثر فيها فوائد جمة، وتحقيقات بديعة، ونكات لطيفة يحتاج إلى تتبعها وإبرازها في دراسة مستقلة.
5 - إن في هذا الإبراز نصحاً للأمة لتقتدي بسيرهم وتقتفي أثرهم في إقامة هذا الدين في الأرض والتمكين له، والمحافظة عليه من خلال نشر حقائقه، وإظهار محاسنه وتيسير موارده.
وإن سير هؤلاء الأعلام بلا شك قوادح للعزائم، مشاحذ للهمم، فيها التعشق للعلم والإخلاص فيه، والصبر عليه، والنبوغ فيه، والوقوف عند حدوده.
الخاتمة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
أما بعد ؛ فأشكر الله سبحانه ، وأحمده على أن يسر لي إتمام هذا البحث المتعلق بجهود علم من أعلام المحدثين في القرن الثامن الهجري في الحديث وعلومه ، ألا وهو الإمام الحافظ صلاح الدين العلائي .
وفي نهاية هذا البحث ، وبعد هذا التجوال في تراثه وآثاره العديدة والنافعة ، أذكر بأهم ما تضمنه هذا البحث ، وما توصلت إليه من النتائج مع بعض التوصيات .
فأهم النتائج التي أسفرت عنها هذه الدراسة ، هي :
1- أن هذا الدين محفوظ بحفظ الله عز وجل له ، وأن من مظاهر هذا الحفظ : أولئك الأعلام الأفذاذ ، والجهابذة الحافظ ، الذين بذلوا جهوداً مضنية في سبيل جمع السنة النبوية وتدوينها ، ووضع القواعد والضوابط التي تضبط ألفاظها ، وتحدد قبولها من ردها .
2- أن الحافظ العلائي كان واحداً من أولئك الأعلام الذين حملوا راية العلم والأثر ، وسعوا لأجل نشره وتحقيقه وتنقيحه .
3- أن الفترة التي عاش فيها الحافظ العلائي رحمه الله وإن كانت مضطربة من الناحية السياسية والاجتماعية إلا أن الحركة العلمية والثقافية كانت نشطة ومزدهرة ، لذا نالت العلوم الدينية والعربية وخاصة علم الحديث – الذي كان الحافظ العلائي أحد فرسانه مع اهتمامه بالعلوم الأخرى – العناية الكبرى من علماء عصره حفظاً وتدريساً ، تأليفاً وتصنيفاً ، تحقيقاً وتنقيحاً .
4- أن مكانة الحافظ العلائي العلمية ، وبروزه في فنون شتى أثارت اهتمام المؤرخين والمترجمين ، فترجموا له في كتب الطبقات بأنواعها ، والإثبات والمشيخات ، وكتب التاريخ الأخرى المشتمل على الحوادث والوفيات ، وهناك من أفرد جزءاً في ترجمته .
5- أن الحافظ العلائي رحمه الله ولد في أسرة علمية عريقة ، وأن جده لأمه كان من شيوخ الحديث في عصره ، به أحب العلائي علم الحديث وسلك طريق أهله .
6- توجه الحافظ العلائي في مرحلة مبكرة نحو الطلب ، فحفظ القرآن وعمره تسع سنوات ، ثم تعلم الفقه ، والنحو ، والأصول ، مع العناية بسماع الحديث وحفظه ، وحضور مجالس العلماء والاستماع إلى روايته ، وبرع فيه إلى أن صار أحد أئمة الحديث في زمانه .
7- لقد كان الحافظ العلائي رحمه الله متحلياً بمحاسن الأخلاق ، وجميل العادات من الكرم ، وطلاقة الوجه ، والحشمة والوقار ، مع الاجتهاد في الطاعة ، والجد في العبادة ، وذلك بشهادة كل من عرفه وعايشه ، أو رافقه في بعض أسفاره .
8- تتلمذ الحافظ العلائي على نخبة جيدة من شيوخ بلده وغيرهم من القادمين إليه ، جمع فوائدهم ، ومسموعاته عليهم في مشيخة حافلة .
9- سلك الحافظ العلائي مسلك المحدثين في الاهتمام بالرحلة ، فرحل بعدما نهل من علماء بلده إلى البلاد والأصقاع التي كانت موطن العلم والعلماء آنذاك كالقدس والحجاز ومصر وغيرها بحثاً عن الأسانيد العالية ، وتطلعاً إلى إجازات العلماء والاستفادة منهم .
10- تولى الحافظ العلائي التدريس مع الإفتاء في عدد من دور الحديث في دمشق قبل أن يتولى مشيخة دار الحديث السيفية بالقدس ، ثم انقطع للتدريس مع التصنيف في القدس ، وبقي فيها حتى مات .
11- كان لتتلمذ الحافظ العلائي على خيرة علماء عصره ، وأعلام وقته مع اعتنائه بالتأليف والتصنيف أثر كبير في إقبال طلبة العلم عليه من شتى البقاع والأمكنة ، للإفادة من علمه وسماع كتبه ومؤلفاته .
12- تبوأ الحافظ العلائي مكانة علمية رفيعة بين علماء عصره ، وذلك لتبحره في علوم الحديث والفقه والأصول ، ومشاركته الجيدة في غيرها تأليفاً وتصنيفاً ، تحقيقاً وتدريساً ، ولأجل ذلك حظي بثناء كبار علماء عصره ، ولقبوه بألقاب علمية رفيعة .
13- مما يلاحظ على الحافظ العلائي مع إمامته في علم الحديث الذي هو المصدر الثاني بعد القرآن لتلقي العقيدة الصحيحة ، عقيدة السلف الصالح انتهاجه منهج الأشاعرة المتأخرين في مسائل الصفات ، وذلك بالتأويل أحياناً ، وتفويض معانيها أحياناً .
14- بعد حياة عامرة بالعلم والعطاء جاءه الأجل المحتوم ، فتوفي في مستهل شهر الله المحرم سنة إحدى وستين وسبعمائة بعد مرض دام به بضعة أشهر ، ودفن بباب الرحمة عند سور المسجد الأقصى ، وخلف تراثاً عظيماً ، ومؤلفات مباركة في العلوم الإسلامية ، لاسيما علم الحديث الشريف .
15- تميز الحافظ العلائي بالإكثار من التأليف مع الإتقان والتحرير كما وصفه بذلك الحافظ ابن حجر وغيره ، ولذا خصصتُ لدراسة مؤلفاته فصلاً مستقلاً جمعت له فيه ما يقارب من مائة وسبعين مؤلفاً ، وقد طبع منها حتى الآن اثنان وعشرون كتاباً ، منها اثنان عشر كتاباً يتعلق بالحديث وعلومه ، وقد اطلعتُ على مجموعة من مؤلفاته الأخرى التي لازالت مخطوطة وهي ستة عشر كتاباً ، منها ثمانية كتب تتعلق بالحديث وعلومه ، وبهذا صارت مجموع مؤلفاته الحديثية التي رجعت إليها ، واستفدت منها في هذا البحث ثلاثين مؤلفاً .
وقد اتسمت مؤلفاته بالشمول والتنوع ، والاستيفاء والتحقيق ، والتحرير والتدقيق ، مع سهولة اللغة ، والبعد عن التكلف ، لكن أكثرها في عداد المفقود .
وقد كان له اهتمام كبير بتخريج الأجزاء والمشيخات ، مع انتقاء الأحاديث العالية من كتب الحديث ، أو مرويات شيوخه المكثرين ، لذا قمتُ بجمع هذا اللون من مؤلفاته من مشيخته وغيرها من كتب التراجم فبلغت ما يقارب من أربعين مؤلفاً .
16- أولى الحافظ العلائي رحمه الله الإسناد حقه من العناية في مؤلفاته العديدة ، فساق الأحاديث بل القصائد والحكايات بأسانيده مع إيراد أقوال من سبقه من الأئمة في أهمية الإسناد ، وبين أنه خصيصة من خصائص هذه الأمة .
وفيما يتعلق بالحديث وعلومه الذي هو موضوع هذه الدراسة ، فقد برزت عناية الحافظ العلائي به من خلال :
17- إفراد أنواع من علوم الحديث بالتأليف كـ : ( كتاب تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة ) الذي حقق فيه المسائل المتعلقة بالصحابة الذين هم الطبقة الأولى من رواة الحديث ، وكتابه ( جامع التحصيل في أحكام المراسيل ) الذي تناول فيه الكلام عن المرسل بقسميه الجلي والخفي ، والرواة المحكوم على روايتهم بالإرسال ، والمنقطع وما يتعلق به من الإسناد المعنعن ، والمعضل ، والتدليس وطبقات المدلسين ، وألفاظ الأداء ، وكتابه : ( المختلطين ) الذي ذكر فيه 46 راوياً ممن حكم عليهم بالاختلاط ، مع بيان حكم رواية المختلطين ، وكتاب ( المسلسلات ) الذي روى فيه بإسناده 13 حديثاً مسلسلاً ، وكتاب : الوشي المعلم فيمن روى عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ) الذي هو من أجمع التصانيف في هذا النوع من علوم الحديث كما قال السخاوي وغيره ، وكتاب : ( بغية الملتمسين في سباعيات حديث الإمام مالك بن أنس ) الذي روى فيه ما يزيد عن خمسين حديثاً من الأحاديث السباعية التي هي نوع من أنواع العلو .
18- إسهامه الواسع بعلم الجرح والتعديل ، حيث إنه تناول في مؤلفاته أغلب المسائل والمباحث المتعلقة بالصحابة ، والعدالة والضبط اللذان هما أساس قبول خبر الراوي، وطريق معرفتهما ، والأمور التي تقدح فيهما من الجهالة والاختلاط وغيرهما.
19- عنايته الفائقة بعلم الرجال ، وذلك بتوثيق الرواة وتضعيفهم ، وتعيين مراتبهم فيهما ، وكذلك التعريف بهم ، وضبط أسمائهم وكناهم ، ومعرفة ألقابهم ، وأنسابهم ، وبلدانهم ، وضبط سني ولادتهم ووفياتهم ، مع تعقبات علمية سديدة على بعض الأئمة في هذا العلم .
وقد نهج رحمه الله في كلامه على الرواة جرحاً وتعديلاً منهجاً واضحاً وصريحاً كما اتضح ذلك من خلال مقارنة كلامه وأحكامه مع أحكام غيره من النقاد الذين برزوا في هذا الجانب .
20- وظهرت عنايته بمصطلح الحديث من خلال روايته للكتب المؤلفة في المصطلح بأسانيده المتصلة مع إفراد بعض الأنواع منه بالتأليف – كما تقدم - ، والذي كان عمدة لمن جاء بعده ، مع تناوله بعض الأنواع الأخرى منه بالبيان المفصل كمسألتي الشاذ ، وزيادة الثقة – مثلاً – مما لم نجده عند غيره .
كما شارك رحمه الله غيره من علماء المصطلح الرأي فيما يقارب من ثلاثين نوعاً من أنواع علوم الحديث ، وقد لقي بعض آرائه القبول والاستحسان من قبل حافظ عصره الحافظ ابن حجر .
وقد كانت له رحمه الله ترجيحات واختيارات مبنية على الأدلة والشواهد في مسائل عديدة من مسائل مصطلح الحديث ، تثبت صحة ما ذهب إليه ، مع تعقبه كبار علماء المصطلح كالخطيب البغدادي وأبي عبد الله الحاكم وغيرهما في بعض مسائل المصطلح ، والتي تبرز بها شخصيته النقدية في هذا الفن المهم .
21- كان للحافظ العلائي أثر كبير على مصنفات المعاصرين له ، أو المتأخرين عن زمنه كالحافظ العراقي ، وابنه أبي زرعة العراقي ، والحافظ ابن حجر، والزين قاسم بن قطلوبغا ، والحافظ السخاوي ، والسيوطي وغيرهم ممن تتابعوا على نقل آرائه ، والاستشهاد بأقواله في تقرير كثير من مسائل المصطلح ، وتوضيح قواعده ، ولاسيما الحافظ ابن حجر الذي اعتنى بنقل أقواله مع الثناء عليها بالشمول والتوسع تارة ، والدقة والإتقان تارة أخرى .
22- لم يكن اهتمام الحافظ العلائي مقصوراً على الجوانب والنواحي النظرية لعلوم الحديث فحسب ، حيث امتدت عنايته إلى الجانب العملي منها أيضاً ، وذلك بتخريج الأحاديث ، والحكم عليها ، وتمييز صحيحها من ضعيفها ، ومقبولها من مردودها ، وبيان فقهها كما اتضح ذلك من خلال عدد من مؤلفاته القيمة في تخريج الأحاديث ، ككتابه : ( نظم الفرائد ) ، و( رفع الإشكال عن صيام ستة أيام من شوال ) ، و( جزء في تصحيح حديث القلتين ) وغيرها .
وقد اعتنى رحمه الله في مؤلفاته الأخرى كالأمالي الأربعين في أعمال المتقين ، والأربعين المغنية ، وبغية الملتمس ، وبعض الأجزاء التي ألفها في التفسير بتخريج الأحاديث من بطون الكتب والأجزاء من مرويات نفسه مع عزوها لمن رواها من أصحاب الكتب ، ومقارنة أسانيده بأسانيد أصحابها مبيناً ما حصل له من الطرق العالية على سبيل البدلية أو الموافقة ، مع بيان درجة الحديث ومرتبته .
23- نهج رحمه الله في تخريج الأحاديث منهج متقدمي أهل الحديث كالإمام مسلم والإمام الترمذي وغيرهما ، وذلك بجمع أسانيد الحديث الواحد في سياق واحد بالعطف أو التحول بينها ، وذكر اتفاق الرواة واختلافهم ، مع الإشارة إلى ما في بعض الروايات من العلة ، وغير ذلك من الفوائد المتعلقة بالأسانيد والمتون .
24- خاض الحافظ العلائي رحمه الله غمار فن هو أدق أنواع علوم الحديث وأغمضها الذي لا يقوم به – كما قال هو – إلا من منحه الله فهماً غايصاً ، وإطلاعاً حاوياً ، وإدراكاً لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة ، فشارك رحمه الله من تقدمه من علماء الحديث بكلام جيد وشامل في معرفة علل الأحاديث ، مما جعل العلماء الذين عاصروه ، أو جاؤوا بعده يثنون عليه ، ويشهدون له بالمعرفة فيه .
وقد وضحتُ هذا الجانب كسائر مفردات الموضوع حسب الوسع والطاقة بذكر نماذج من الأحاديث التي أعلها ، أو حكم عليها بالصحة أو الضعف مع توضيح منهجه في التعليل ، ومقارنة أحكامه مع أحكام الأئمة الآخرين ، والتي أسفرت عن التطابق في الغالب ولله الحمد .
25- مما أبرز هذا البحث جهود الحافظ العلائي في شرح الأحاديث ودلالتها ، وبيان فقهها ، واستنباط الأحكام الشرعية منها معتمداً في ذلك على الكتاب والسنة ، والآثار ، ولغة العرب مع الاستشهاد بأقوال العلماء السابقين وشراح الحديث .
وأهم العناصر التي تناولها في شرحه للأحاديث هي:
- بيان المعنى الإجمالي للحديث ، والتنبيه على أهميته من كونه أجمع حديث في باب معين ونحو ذلك .
- تقرير المسائل العقدية ، والرد على بعض الطوائف والفرق الباطلة .
- الاستشهاد بالآيات القرآنية .
- الاستشهاد بأقوال العلماء .
- الاعتناء ببيان دلالة الأحاديث ، وما اشتملت عليها من الفوائد .
- الاعتناء ببيان الأحكام التي تضمنها الحديث .
- الاعتناء بالجانب التربوي للحديث النبوي كما وضحت ذلك كله من خلال بعض الأمثلة والنماذج ، مع بيان منهجه .
كما تعقب رحمه الله بعض العلماء كأبي جعفر الطحاوي وابن حبان وغيرهما في هذا المجال .
26- ختمتُ البحث بذكر أثر الحافظ العلائي على مصنفات من جاء بعده كالحافظ نور الدين الهيثمي ، وأبي بكر البوصيري ، والحافظ ابن حجر العسقلاني ، وعبد الرؤوف المناوي وغيرهم ممن اعتنوا بنقل أقواله وأحكامه في الرواة والأسانيد ، كما أنهم أفادوا من آرائه في شرح متون الأحاديث وبيان فوائدها في مواضع عديدة من مؤلفاتهم .
وأما التوصيات :
1- فيأتي في طليعتها البحث عن مؤلفاته المفقودة ، وإخراجها محققة مطبوعة ، وذلك لما لمؤلفاته من القيمة العلمية والفوائد العديدة .
2- إعادة تحقيق بعض مؤلفاته التي لم ينل حظها من التحقيق ، وكذلك طبع ما حقق منها في الرسائل العلمية ، وذلك لكثرة التصحيفات والأخطاء في أغلب مؤلفاته المطبوعة .
3- جمع أقواله في الرواة والأحاديث ، وذلك لكونه من العلماء الذين عرفوا بتمييز الأحاديث ، ومعرفة صحيحها من سقيمها كالنووي ، وابن القطان ، وابن تيمية ، وابن القيم ، والذهبي ، وابن كثير ، وابن رجب ، وابن عبد الهادي ، والعراقي ، والحافظ ابن حجر وغيرهم ممن عاش بين القرن السابع والعاشر ، وهي تعتبر من إحدى الخطوات لخدمة أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم في هذا العصر على غرار موسوعة أقوال الإمام النووي ، وموسوعة الحافظ ابن حجر العسقلاني الحديثية التي خرجنا مؤخراً .
هذه بعض نتائج هذا البحث، وبها أختم الرسالة .
وأتوجه إلى المولى جل شأنه بالحمد والشكر على ما أولاني من سداد وتوفيق ويسر، وأسأله سبحانه وتعالى أن يقبل عملي ، ويغفر زللي وتقصيري .
وأصلي وأسلم على رسوله ومصطفاه سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
فهرس الموضوعات
الموضوع الصفحة
المقدمة..................................................... 5
سبب اختيار الموضوع........................................ 7
خطة البحث................................................ 9
منهج البحث............................................... 12
شكر وتقدير............................................... 14
الباب الأول: دراسة حياة الحافظ العلائي، والتعريف بمؤلفاته
تمهيد في بيان عصر الحافظ العلائي وبيئته....................... 17
الحالة السياسية والاجتماعية في عصر الحافظ العلائي............. 17
الحالة العلمية والثقافية في عصر الحافظ العلائي.................. 20
الفصل الأول: التعريف بالحافظ العلائي، وفيه مباحث........... 23
المبح ثالأول: اسمه، ونسبه، ولقبه، وكنيته، ونسبته............... 30
المبحث الثاني: أسرة الحافظ العلائي........................... 33
المبحث الثالث: ولادة الحافظ العلائي.......................... 43
المبحث الرابع: صفات الحافظ العلائي وأخلاقه................. 47
المبحث الخامس: وفاته...................................... 50
الفصل الثاني: حياة الحافظ العلائي العلمية، وفيه مباحث......... 55
المبحث الأول: أشهر شيوخه................................. 57
المبحث الثاني: نماذج من مرويات الحافظ العلائي............... 86
المبحث الثالث: رحلات الحافظ العلائي....................... 94
المبحث الرابع: تلاميذ الحافظ العلائي........................ 101
الفصل الثالث: مكانة الحافظ العلائي العلمية وفيه مباحث...... 135
المبحث الأول: علومه...................................... 138
المبحث الثاني: وظائف الحافظ العلائي العلمية................. 145
المبحث الثالث: ثناء العلماء عليه............................ 152
الفصل الرابع: مذهب الحافظ العلائي وعقيدته................ 161
المبحث الأول: مذهبه الفقهي............................... 163
المبحث الثاني: عقيدته...................................... 165
الفصل الخامس: مؤلفات الحافظ العلائي، وفيه مباحث......... 179
المبحث الأول: مؤلفاته المطبوعة في الحديث وعلومه............ 183
المبحث الثاني: مؤلفاته المطبوعة في فنون أخرى من تفسير وفقه وأصول فقه ولغة ............................................... 185
المبحث الثالث: مؤلفاته المخطوطة في الحديث................. 202
المبحث الرابع: مؤلفاته المخطوطة في فنون أخرى من تفسير وغيره 234
المبحث الخامس: في مؤلفاته التي لم أتمكن من الوصول إليها وهي تسعة كتب ............................................... 249
المبحث السادس: تخريجاته لشيوخه وهي 13 تخريجاً........... 272
المبحث السابع: انتقاءاته من كتب الحديث أو مرويات شيوخ... 276
الباب الثاني: جهود الحافظ العلائي في علوم الحديث
الفصل الأول: التعريف بمصنفات الحافظ العلائي في علوم الحدث وفيه مباحث .............................................. 297
المبحث الأول: كتابه جامع التحصيل في أحكام المراسيل....... 299
المبحث الثاني: كتاب المختلطين............................. 316
المبحث الثالث: كتابه تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة.................................................. 322
المبحث الرابع: كتاب المسلسلات........................... 330
الفصل الثاني: جهود الحافظ العلائي في الجرح والتعديل وفيه مباحث.................................................. 339
المبحث الأول: فيما يتعلق بالصحابة........................ 346
المبحث الثاني: فيما يتعلق بالعدالة والضبط.................... 362
المبحث الثالث: فيما يتعلق بالجرح........................... 383
المبحث ارابع: في الجهالة وما يتعلق بها....................... 388
المبحث الخامس: فيما يتعلق بالاختلاط....................... 401
الفصل الثالث: جهود الحافظ العلائي في علم الرجال........... 413
المبحث الأول: من كلامه في الرواة.......................... 415
المبحث الثاني: مراتب الجرح والتعديل وألفاظها عند الحافظ العلائي.................................................. 436
المبحث الثالث: عناية الحافظ العلائي بأسماء الرواة وتواريخهم.... 446
المبحث الرابع: تعقباته واستدراكاته على بعض الأئمة في علم الرجال.................................................. 460
الفصل الرابع: جهود الحافظ العلائي في مصطلح الحديث........ 469
المبحث الأول: أسانيده إلى أهم كتب مصطلح الحديث......... 576
المبحث الثاني: تعريفات الحافظ العلائي لبعض أنواع مصطلح الحديث.................................................. 480
المبحث الثالث: آراء الحافظ العلائي وإفاداته في مسائل مصطلح الحديث.................................................. 529
المبحث الرابع: ترجيحاته واختياراته في مصطلح الحديث........ 610
المبحث الخامس: تعقبات الحافظ العلائي في مصطلح الحديث.... 624
الفصل الخامس: اعتماد من جاء بعده على مصنفاته............ 639
المبحث الأول: اعتماد بعض معاصريه على مصنفاته............ 644
المبحث الثاني: اعتماد تلميذه العراقي، وابنه أبي زرعة العراقي على مصنفاته................................................. 645
المبحث الثالث: اعتماد برهان الدين الحلبي على مصنفاته....... 648
المبحث الرابع: اعتماد الحافظ ابن حجر على مصنفاته.......... 650
المبحث الخامس: اعتماد قاسم بن قطلوبغا على مصنفات العلائي.................................................. 662
المبحث السادس: اعتماد السخاوي على مصنفات العلائي...... 664
المبحث السابع: اعتماد السيوطي على مصنفات العلائي........ 667
المبحث الثامن: اعتماد ابن عراق الكناني على مصنفات العلائي.. 671
المبحث التاسع: اعتماد محمد عبدالرؤوف المناوي على مصنفات العلائي.................................................. 673
الباب الثالث: جهود الحافظ العلائي في تخريج الأحاديث، والحكم عليها
الفصل الأول: مصنفاته في تخريج الأحاديث، والحكم عليها وبيان فقهها................................................... 679
المبحث الأول: كتابه جزء في تصحيح حديث القلتين والكلام على أسانيده................................................. 681
المبحث الثاني: كتابه النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح................................................. 687
المبحث الثالث: كتابه نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد.................................................. 695
المبحث الرابع: كتابه بغية الملتمس في سباعيات حديث الإمام مالك بن أنس ............................................... 709
المبحث الخامس: كتاب التنبيهات المجملة على المواضع المشكلة... 723
المبحث السادس: كتابه رفع الإشكال عن صيام ستة أيام من شوال.................................................... 728
الفصل الثاني: جهود الحافظ العلائي في تخريج الأحاديث والحكم عليها.................................................... 731
المبحث الأول: جهوده في تخريج الأحاديث.................... 733
امبحث الثاني: عناية الحافظ العلائي بالحكم على الأحاديث، وبيان عللها.................................................... 767
الفصل الثالث: جهود الحافظ العلائي في شرح الأحاديث، وبيان فقهها.................................................... 849
المبحث الأول: عنايته بشرح غريب الحديث.................. 851
المبحث الثاني: عناية الحافظ العلائي بمختلف الحديث........... 865
المبحث الثالث: عناية الحافظ العلائي بشرح الأحاديث ودلالاتها. 880
المبحث الرابع: عناية الحافظ العلائي ببيان الأحكام التي تضمنها الحديث.................................................. 918
المبحث الخامس: تعقبات الحافظ العلائي في شرح الأحاديث، وبيان فقهها.................................................... 924
الفصل الرابع: اعتماد من جاء بعده على مصنفاته في هذا الباب.. 927
المبحث الأول: اعتماد من جاء بعده عليه في الكلام على الرواة والأسانيد................................................ 929
المبحث الثاني: اعتماد من جاء بعده عليه في الحكم على الأحاديث................................................ 941
المبحث الثالث: اعتماد من جاء بعده في شرح الحديث......... 950
المبحث الرابع: اعتماد من جاء بعده عليه في الدفاع عن الأحاديث المنتقدة على البغوي ...................................... 963
الخاتمة، وفيها أهم نتائج البحث............................. 971
الفهارس العلمية........................................... 991
فهرس الآيات القرآنية...................................... 993
فهرس الأحاديث النبوية.................................... 996
فهرس الأعلام المترجم لهم................................. 1008
قائمة المصادر والمراجع.................................... 1011
المراجع المخطوطة........................................ 1011
الرسائل العلمية التي لم تنشر............................... 1011
المراجع المطبوعة......................................... 1013
فهرس الموضوعات....................................... 1044
[طباعة | ارسل الصفحة]


Comments
2011-10-05
2011-01-20
2010-07-05