الرئيسة   مقالات   المسؤولية.. رسالة وأمانة

المسؤولية.. رسالة وأمانة

jpg.

المسؤولية هي تكليف واختبار وابتلاء.. والمسؤولية لغة هي: الأعمال التي يكون الإنسان مطالباً بها، أما المسؤولية اصطلاحاً، فهي حالة يكون فيها الإنسان صالحاً للمؤاخذة على أعماله وملزماً بتبعاتها المختلفة. يعقب المسؤولية ثواب لمن أحسن القيام بها عند الناس بما يلي: 1- يشعرون أنه أدى الأمانة المنوطة به. 2- يوصف بالإخلاص في العمل. 3- كسب ثقة الناس واعتزازهم به. 4- تجعل للإنسان قيمة في مجتمعه.. إلخ. كما يكسب ثواب من الله سبحانه إن أحسن، كما قال عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل»، أو عقاب لمن أساء فيها كما قال عليه الصلاة والسلام: «ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاشّ لرعيته إلاّ حرّم الله عليه الجنة»، وقال أيضاً: «ما من عبد يسترعيه الله رعيّة، فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة»، وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً، فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً، فرفق بهم فارفق به». ومن أهم المسؤوليات مسؤولية الإنسان أمام الخالق عز وجل، وذكر جمهور المفسرين أن الأمانة تعم جميع وظائف الدين، وأن جميع الأقوال في تفسير قوله تعالى: {إنَّا عّرّضًنّا الأّمّانّةّ عّلّى پسَّمّوّاتٌ $ّالأّرًضٌ $ّالًجٌبّالٌ فّأّبّيًنّ أّن يّحًمٌلًنّهّا $ّأّشًفّقًنّ مٌنًهّا $ّحّمّلّهّا الإنسّانٍ إنَّهٍ كّانّ ظّلٍومْا جّهٍولاْ >72<}(الأحزاب)، دالة وراجعة إلى أن الأمانة هي التكليف وقبول الأوامر والنواهي، وأن حمل هذه الأمانة يعني مسؤولية الإنسان عنها، واستعداده لتحمل نتائجها وقبوله بمبدأ الثواب والعقاب المنوطين بها. ومن هذه الأمانة ممارسة منهاج الله في واقع حياة الإنسان على الأرض، لذلك وهب الله الإنسان كل ما يلزمه لحمل هذه الأمانة، وتميز بذلك عن سائر المخلوقات، ومن أهم ذلك السمع والبصر والفؤاد لتكون المنافذ التي يستقبل بها آيات الله المثبوتة في الكون، ويستقبل بلاغ الأنبياء والرسل، فيعي الإنسان حقيقة الأمانة التي يحملها، فيؤمن بها ويمضي للوفاء بها {قٍلً هٍوّ پَّذٌي أّنشّأّكٍمً $ّجّعّلّ لّكٍمٍ پسَّمًعّ $ّالأّبًصّارّ $ّالأّفًئٌدّةّ قّلٌيلاْ مَّا تّشًكٍرٍونّ >23<}(الملك). وحين تتعطل هذه القوى عن أداء مهمتها بفعله يهبط الإنسان إلى درك الأنعام، بل إلى أضل من ذلك {$ّلّقّدً ذّرّأًنّا لٌجّهّنَّمّ كّثٌيرْا مٌَنّ پًجٌنٌَ $ّالإنسٌ لّهٍمً قٍلٍوبِ لاَّ يّفًقّهٍونّ بٌهّا $ّلّهٍمً أّعًيٍنِ لاَّ يٍبًصٌرٍونّ بٌهّا $ّلّهٍمً آذّانِ لاَّ يّسًمّعٍونّ بٌهّا أٍوًلّئٌكّ كّالأّنًعّامٌ بّلً هٍمً أضّلٍَ أٍوًلّئٌكّ هٍمٍ پًغّافٌلٍونّ >179<}(الأعراف)، إذن المسؤولية هي: استعداد الإنسان ليصلُح للقيام برعاية ما كُلف به من أمور تتعلق بدينه ودنياه، فإن وفى ما عليه من الرعاية حصل له الثواب والأجر، وإن كان غير ذلك حصل عليه العقاب والوزر، من ذلك نستنتج أن المسؤولية يسبقها التزام، أو تكليف، وصلاحيات ممنوحة، ويعقبها حساب وجزاء. أدلة المسؤولية من القرآن الكريم: 1ــ {فّوّرّبٌَكّ لّنّسًأّلّنَّهٍمً أّجًمّعٌينّ >92< عّمَّا كّانٍوا يّعًمّلٍونّ >93<}(الحجر). 2ــ قال تعالى: {$ّإنَّهٍ لّذٌكًرِ لَّكّ $ّلٌقّوًمٌكّ $ّسّوًفّ تٍسًأّلٍونّ >44<}(الزخرف). 3ــ وقال تعالى: {$ّأّوًفٍوا بٌالًعّهًدٌ إنَّ پًعّهًدّ كّانّ مّسًئٍولاْ >34<}(الإسراء). 4ــ قال تعالى: { إنَّ پسَّمًعّ $ّالًبّصّرّ $ّالًفٍؤّادّ كٍلٍَ أٍوًلّئٌكّ كّانّ عّنًهٍ مّسًؤٍولاْ >36<}(الإسراء). 5ــ قال تعالى: {يّا أّيٍَهّا پَّذٌينّ آمّنٍوا لا تّخٍونٍوا پلَّهّ $ّالرَّسٍولّ $ّتّخٍونٍوا أّمّانّاتٌكٍمً $ّأّنتٍمً تّعًلّمٍونّ >27<}(الأنفال). 6ــ قال تعالى: {$ّكٍلَّ إنسّانُ أّلًزّمًنّاهٍ طّائٌرّهٍ فٌي عٍنٍقٌهٌ $ّنٍخًرٌجٍ لّهٍ يّوًمّ پًقٌيّامّةٌ كٌتّابْا يّلًقّاهٍ مّنشٍورْا >13< اقًرّأً كٌتّابّكّ كّفّى بٌنّفًسٌكّ پًيّوًمّ عّلّيًكّ حّسٌيبْا >14<}(الإسراء). 7- قال الله تعالى: {يّا أّيٍَهّا پَّذٌينّ آمّنٍوا قٍوا أّنفٍسّكٍمً $ّأّهًلٌيكٍمً نّارْا $ّقٍودٍهّا پنَّاسٍ $ّالًحٌجّارّةٍ}(التحريم: 6) من السنة النبوية المطهرة: 1ــ عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي [ أنه قال: «ألا كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ عن أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم، والعبد راعٍ على مال سيده، وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته». 2ــ عن عبدالرحمن بن سمرة ] قال: قال النبي [: «يا عبدالرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك أن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها»(رواه البخاري). ومن الآثار الصحيحة: أن عمر بن عبدالعزيز دخلت عليه زوجته فاطمة، فرأته يبكي في مصلاه، سألته: مالك تبكي؟ قال: دعيني وشأني، فلما ألحت عليه قال: إني نظرت إلى الأرملة والمسكين، وذي العيال الكثير والدخل القليل، وابن السبيل، وذكر أكثر من عشرين صنفاً من هؤلاء الذين يعانون ما يعانون في مملكته، أو في بلدته، فقال: علمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً، وأن حجيجي دونهم رسول الله [. فالإنسان مسؤول، لكن الإنسان أحياناً يترنم بكلمة «مسؤول كبير»، ولو علم ما تعني هذه الكلمة لارتعدت فرائصه، الإنسان مسؤول لأنه قَبِل حَمْل الأمانة. صفات المسؤول عموماً: أن توجد فيه أخلاق المؤمن، ويظهر ذلك في العبادات القلبية: متجرد - قانع - زاهد - عزيز - حيي - ورع - خاشع - متواضع - كاظم للغيظ - شاعر بالغربة في هذه الحياة - متوكل على الله - يكره المدح - يغار - تسره الحسنة و تسوؤه السيئة - يُرضي الله ويُحب له ويبغض فيه. هذا كله مع دهاء وفراسة وفطنة ولباقة حتى لا يخدع المسلم، وإن كانت صفاته الحسنة تمنعه من خديعة الآخرين، وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله تعالى: {$ّلّتّعًرٌفّنَّهٍمً فٌي لّحًنٌ پًقّوًلٌ}(محمد:30)، وفي الأثر: «اتق فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله»، والفراسة: استدلال بالأحوال الظاهرة على الباطنة، وقد تناول القرآن ذلك في قوله: {سٌيمّاهٍمً فٌي $ٍجٍوهٌهٌم مٌَنً أّثّرٌ پسٍَجٍودٌ}(الفتح:29)، والفراسة فكرة تقفز للوعي ممن شهد لهم بالذكاء. هذا وقد أصبحت الفراسة اليوم علوماً تدرس، وقواعد يدرب عليها، وأضحى لها رجال لهم في الحياة مكانة بين شعوبهم، ونحن اليوم في حاجة ماسة إلى هؤلاء وعندنا منهم والحمد لله الكثير، نسأل الله أن يبارك فيهم آمين آمين.

المصدر مجلة المجتمع