آداب الحج ومقاصده
7/12/1432 - الدكتور صالح بن عبد الله بن حميدإن موسم الحج يتجدد كل عام في حياة الأمة الإسلامية منذ فرض الله سبحانه وتعالى هذه الفريضة العظيمة ، ويقتضي هذا التجدد تجديد التذكير بآداب الحج ومقاصده حيث إن للحج آدابا ومقاصد يجب أن يراعيها من حرص على أدائه ليؤدي نسكه على الوجه المشروع ، و ليكون حجه مبرورا ومتقبلا ، وأهم هذه الآداب ما يلي :
أولا : إخلاص النية لله وحده فيجب أن يقصد الحاج بحجه وجه الله عز و جل لا الرياء و السمعة فإن الإخلاص أساس العمل وهو مدر القبول ، قال تعالى ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) ( البينة : 5) و في الحديث المتفق عليه ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) .
و ينبغي للحاج ألا يقصد بحجه حظ الدنيا الفانية بل عليه أن يقصد الفوز في الدار الآخرة الباقية فإن من آثر دنياه أضر بآخرته ، ومن آثر آخرته لم يضر بدنياه ، و العاقل الفطن من يؤثر ما يبقى على ما يفنى ؛ وكما قيل : (فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل ) ، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك .
ثانيا : أن يصلح الحاج ما بينه وبين ربه وذلك بالتوبة النصوح من جميع الذنوب و المعاصي ، وأن يصلح ما بينه وبين خلق الله بالتحلل من حقوقهم ورد الودائع وقضاء الديون أو الاستئذان من أصحابها ، ورد المظالم إلى أهلها و التصالح مع إخوته وجيرانه ، فإن الحاج يقصد أمرا عظيما وعبادة جليلة فيجب أن يصلح القلب و يمهد الدرب لأدائها .
ثالثا : أن يستخير الحاج الله عز وجل وهذه الاستخارة لا تعود إلى ذات الحج – فإن الحج كله خير – وإنما تعود إلى الوقت في السفر والرفقة ، وحال الشخص ومن الأفضل أن يكتب الحاج وصيته قبل سفره فإن السفر مظنة التعرض للأخطار والحوادث والمشاق فعليه أن يبين ما له وما عليه موصياً أهله وصحبه بتقوى الله عز وجل .
رابعاً : تحري الحاج النفقة الحلال فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ، والنفقة في الحج إذا كانت من كسب حلال تدخل في النفقة في سبيل الله ، قال تعالى : (( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين )) [ البقرة : 195 ] . وقال بعدها : (( وأتموا الحج والعمرة لله )) [ البقرة : 196 ] .
فدلت هاتان الآيتان الكريمتان على أن النفقة في الحج من النفقة في سبيل الله حيث قرن ذكر الحج والعمرة بذكر الإنفاق في سبيل الله .
ومن كانت نفقته حرام صدق عليه قول الشاعر :
إذا حججت بمال أصله سحت = فما حججت ولكن حجت العير
لا يقبل الله إلا كل صالحة = ما كل من حج بيت الله مبرور
خامساً : التفقه في أحكام السفر والعمرة والحج والدعاء ، وأن يسأل عما أشكل عليه في ذلك حتى يؤدي نسكه على بصيرة ، ومن المهم أن يعلم الحاج حكم العمل قبل أن يقدم عليه حتى لا يقع فيما يفسد عليه حجه أو ينقص أجره .
سادساً : صحبة الرفقة الصالحة التي ذكره إن نسي وتقومه إن أخطأ وتعينه إن ضعف وتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر قال تعالى : (( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا )) [ الكهف : 28 ] .
وعلى الحاج الحذر والبعد عمن لا يراعون حرمات الله ولا يعظمون شعائره فيضيعون عليه أعظم الأوقات وأشرفها ، فمكان الحج مكان عظيم ووقته وقت عظيم والعاقل من يستغل ذلك بما يعود عليه بالفوز العظيم ، والمسلمون يأتون للحج من كل فج عميق ليجتمعوا في البيت العتيق والمشاعر المقدسة فمن المحبب أن يتعرف بعضهم على بعض ويعلم بعضهم بعضاً وأن يتعاونوا ويتناصحوا فيما بينهم ، فإن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم ليزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة .
سابعاً : تجنب الرفث والفسوق والجدال والغيبة والنميمة والقبيح من الأقوال والأفعال قال صلى الله عليه وسلم : ( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ) كما يتجنب الدخول في المشاحنات والخوض فيما لا يفيد وينفع ورفع الأصوات في غير بيان الحق ونصرته .
ثامناً : عدم مضايقة الحجيج بالمزاحمة والمدافعة والجلوس في طرقاتهم ورمي ما يعرقل حركة سيرهم ويؤذيهم ، وعلى القوي الرحمة بالضعيف وكبير السن ، مع ما ينبغي من مساعدتهم والأخذ بيدهم ، وإفساح الطريق لهم وبخاصة الضعفة من النساء والأطفال وأمثالهم وتعظيم حرماتهم ، كما أن عليه التقيد بالتعليمات والأنظمة والالتزام بالطرق والخطط التي وضعت لتسهيل الحج .
تاسعاً : وليحرص الحاج على أداء نسكه على وجه التمام ، فيحرص على أداء المندوبات والسنن وعليه أخذ الفتوى من أهلها قال تعالى : (( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )) [ الأنبياء : 7 ] .
ومن الآداب أن يحم الحاج الله عز وجل ويشكره على أن أتم عليه هذه النعمة العظيمة ويسر له القيام بهذه الشعيرة التي تطهر القلوب وتصفي النفوس وتعيد الإنسان كيوم ولدته أمه ، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ، ويجب على الحاج استشعار ذلك بالمحافظة على الخير الذي عمله والحرص على الخير الذي لم يعمله وتعظيم حرمات الله فإنها من تقوى القلوب .
كما أن للحج حكماً وأسراراً ومعاني ومقاصد ينبغي أن يقف عندها وأن يمعن النظر فيها ، فالحج من أعظم المواسم التي تربي العبد على معاني العبودية والاستسلام والانقياد لشرع الله عز وجل .
والحج يقوي في النفس الشعور بالأخوة بين المسلمين والوحدة فيما بينهم ، فهو أشبه ما يكون بمؤتمر إسلامي يمثل واقعاً حياً مباشراً وملموساً لقيم المساواة والعدل والوحدة ، يظهر ذلك جلياً في التقاء الجموع الحاشدة التي لم تقتصر على إقليم جغرافي ولا لون دون آخر ، بل الكل متلاقون متآخون مجتمعون نابذون للعنصرية والطبقية شعارهم ( لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ) والمسلمون في الحج يمثلون بصورة متناسقة على اختلاف ألوانهم وأوطانهم ومستوياتهم ولغاتهم وأسلوب عيشهم متمثلين قول الحق تبارك وتعالى : (( وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم ) [ المؤمنون : 52 ] .
كما تتجلى في شعيرة الحج المعاني الحقة للمساواة والإنسانية ، فلا فرق في العمل بين الغني والفقير والكبير والصغير والحاكم والمحكوم ، فالجميع بلباس واحد بسيط ولا فضل لأحد على غيره إلا بالتقوى .
كما أن الحج يكشف سر العزة ومكمن القوة في الاعتصام بحبل الله وحده والوقوف مع الحق ونبذ الباطل ، فإن المرجعية واحدة والمصير واحد .
ولقد أن الأوان وحان الزمان لأن يتنبه الغافلون ويتقدم الراجعون فليرفع الجميع راية التوحيد بقوة وحكمة منطقين بالدين إلى الآفاق ليبلغوا رسالة الله ولا يخشون أحداً إلا الله .
كما أن الحج عبادة جماعية اجتماعية ، ومناسبة عظيمة للتجمع من أجل تحقيق ما أمر الله به في أيام وأوقات معلومة وعلى صعيد واحد ، وهذا ما يتحقق بصورة جلية يوم الحج الأكبر عند الوقوف بعرفة حين يجتمع الحجيج محققين الألفة الإسلامية ، وهذا يشعرهم بقوتهم وعزتهم ، مما يدعو الآخرين إلى احترام المسلمين وبيان قدرهم وتقديرهم ، وفي هذا دعوة إلى مراجعة الواقع بصدق وتصويب الأخطاء بإنصاف .
كما تتجلى صورة وحدة الأمة في الحج بوحدة العقيدة والوحدانية ووحدة التشريع والوجهة والفكر والمصير ؛ مما ينبه إلى أهمية تحقيق الوحدة السياسة والاقتصادية والاجتماعية بين الأمة الإسلامية .
[طباعة | ارسل الصفحة]



التعليقات
علِّق