الرئيسة   متابعات   ضروة الامن

ضروة الامن

jpg.
إن المتأمل في مقاصد الشرع المطهر ليجد أن الأمن مقصد شريف من مقاصده ، وهذا يتوافق مع حاجة الإنسان الماسة إلى ذلك . قال تعالى " الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون" وقال صلى الله عليه وسلم " من حمل علينا السلاح فليس منا " .


أيها القارئ الكريم ..... إن نعمة الأمن من أعظم النعم التي أنعم الله بها على عبادة ؛ فبدونه لا يتصور العيش الكريم . قال تعالى " فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وءامنهم من خوف " .

تأمل معي ....... ماذا سيحدث مع ضياع الأمن ؟

مع ضياع الأمن تختل المعايش، وتهجر الديار، وتفارَق الأوطان، وتتفرَّق الأسَر، وتنقض عهود ومواثيق، وتبور التجارة، ويتعسر طلبُ الرزق، وتتبدَّل طباعُ الخَلق، فيظهر الكَذِب ويُلقَى الشح ، باختلال الأمن تُقتَل نفوس بريئة ، وترمل نساء ، ويُيتَّم أطفال ، وتنتهك حرمات ، ويفشو الجهلُ ويشيع الظلم ، وإذا حلَّ الخوف أُذيق المجتمع لباس الفقر والجوع ، قال تعالى " وضرب الله مثلاً قريةً كانت ءامنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ " . قال القرطبي - رحمه الله - : "سمى الله الجوعَ والخوفَ لباسًا ؛ لأنه يظهِر عليهم من الهُزال وشحوبة اللون وسوءِ الحال ما هو كاللباس" . فلهذا كان لزاماً علينا أبناء بلاد الحرمين الطاهرة المحافظة على هذا الركن الركين من أركان العيش الكريم .

إننا لا نعيش في نفق مظلم يجب علينا الخلاص منه ، إن أوضاعنا في الجملة أفضل من أوضاع البلدان المجاورة بمراحل ؛ وإن كنا لا نخلو من الخطأ كعادة البشر مجتمعات وأفرادا ، إن علينا أن نربط الماضي بالحاضر بالمستقبل ، فما كان من صواب في ماضينا وحاضرنا بنينا عليه مستقبلنا ، وما ليس كذلك فعلينا أن نواجهه بكل صدق وحزم .


أيها المواطن الكريم ..... إن أسباب الثورات المعاصرة ظاهرة من خلال كلمات الشعوب وشعاراتهم ، فهم يطالبون بالحرية والعيش الكريم ، ويكمن الحل لهذه المطالب في محاربة الظلم والفقر والقهر، ولا تكفي المحاربة الجزئية لهذا ؛ بل الواجب اجتثاث جذور هذه الأمراض ما استطعنا إلى ذلك سبيلا ، وعلى قدر نجاحنا في محاربة ذلك يتحقق لنا من الأمن القدر ذاته .


لا يعجز الكثير من الناس عن استيعاب هذه الخطوط العريضة في عملية الإصلاح ، ولكن عند الدخول إلى تطبيقها على الواقع سنجد أن الكثير يُصيبه الصمم ؛ لأنها - وبكل بساطة - تصطدم مع مصالح الكثير وأهوائهم قال تعال " فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ... " إن ما يجنيه النفعيين في حال الظلم والخيانة أقل بكثير مما سيجنونه في حال العدل والكرامة والحب والإخاء ؛ ومن ترك شيئاً لله عوضه خيراً منه ، قال تعالى " ومن أحسن من الله حكماً لقومٍ يوقنون " .


إن محاربة الفساد المالي والإداري والأخلاقي والروحي والإجتماعي والثقافي هو من أوجب الواجبات في هذا الزمن الذي تهب بأهله العواصف من كل مكان ، والأمة الصادقة هي التي لا تأخذها في الله لومة لائم ، فتواجه الظلم بكل ثبات وقوة كائناً من كان صاحبه ، وتأخذ بيد الضعيف لتجبر ضعفه وتعينه على نوائب الدهر ، وتأطر يد الظالم على الحق أطرا ، وتنقذ الغرقى من أبناءها من مستنقعات الهلاك ، و يصغي بعضها إلى البعض الآخر باحترام واتزان ، وتعمل ثم تعمل حتى تستغني بالله ثم بلفذات أكبادها في النهوض الشامل إلى ما فيه عزة الأمة وقوتها مما يكون حامياً لها عن مساومات وتحديات وولاءات مشبوهة ، وهي قادرة أن تفعل الكثيرمن ذلك .


إن ديننا الحنيف وتاريخنا المجيد وتجارب الأمم - الآخذه بسنن الله الكونية - لحُبلى بالكثير من العبر والفوائد على كافة الأصعدة ( السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية والروحية... ) ؛ فلننطلق إلى فضائها الرحب وساحاتها الفسيحة وليمنح بعضنا البعض الثقة ، وإحسان الظن ، والفرصة تلو الفرصة ؛ لإثبات ذواتنا ، وصناعة كينونتا ، وتطهير ساحات بلادنا من كل ما يعوق دون تحقيق الأمن بجميع ألوانه ( الروحي ، والفكري ، والغذائي ، والصحي ، والقومي .... )

ياأبناء الوطن الغالي ..... جميع من شاهد الأحداث الأخيرة استنكر حالة الفوضى العارمة التي تجوب بعض البلدان العربية ، ولكن هناك نخبة من الناس غاصوا إلى أعماق هذه الأحداث فاكتشفوا أسبابها ، ومؤثراتها ، وكيفية الخلاص منها ، فعرفوا أن مكمن الداء أعمق بكثير من أعراضه على القاعدة التي تقول " درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج " .

إن هذه النخبة القوية الأمينة – من العلماء والمفكرين والمخترعين في جميع تخصصاتهم - هي التي نحتاجها في هذه الظروف العصيبة ، يحتاجها الجميع حكام ومحكومون ، وهي جديرة بأن يُحتفى بها وأن تفرغ لهذا العمل العظيم – حفظ الأمن – وأن تبث فيها روح المسؤؤلية ، وتُعطى فضاءً واسعاً من الحرية ، وينبغي لنا أن تختار هذه الشريحة الغالية بأفضل الطرق التي توصلت إليها الأنظمة على مر التاريخ . مستلهمين ذلك من قوله تعالى " إن خير من أستاجرت القوي الأمين " . ولتنبثق عن هذه النخبة مراكز دراسات كبرى ومؤسسات ولجان لحل العقد والإشكالات التي تحول دون تحقيق هذا الغرض العظيم .

وأخيراً .... لقد سعُدت بهذه اللحمة التي بانت أواصرها بين أولياء الأمر في هذا البلد المبارك وبين شعبهم الكريم ، وسعُدت لهذه الأوامر الملكية التي حلت كثير من الإشكالات ، ولامست طموحات شريحة كبيرة من أبناء الوطن ، وهي تدل على وجود الفرق الكبير بين حكام هذا البلد المبارك وغيرهم ، وهذه الخطوة التي قام بها خادم الحرمين الشريفين – وفقه الله - لجديره بأن تُذكر وتشكر، وهي خطوة مهمة من خطوات الإصلاح التي يتشوف الشعب إلى المزيد منها ، سائلاًً الله تعالى أن يحفظ علينا أمننا وإيماننا ، وأن يجمع كلمتنا على الحق ، ويؤلف بين قلوبنا ، هو ولي ذلك والقادر عليه .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .