الرئيسة   متابعات   اللهم أفرغ على حميدان صبرا

اللهم أفرغ على حميدان صبرا

ksa-local1.501949.jpg
(1) هذا الدعاء مقتبس من دعاء السحرة بعد إيمانهم بعد أن هالهم قرار فرعون : [ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ](طه : 71) ، فقد كان قراراً قاسياً وبشعاً ، وهم لم يكونوا قطَّاع طريق ، بل لم يكونوا أعداء قدماء لفرعون ، بل كانوا ممن تعايشوا معه ، وترقبوا يوماً ما قُرْبَه ، وأن يمنحهم مزيداً من الأوسمة .
وكأنك بهم وقد أعلنوا إسلامهم ينتظرون جلسات حوار لتفهُّم سبب إسلامهم ، ليعبِّروا فيها عن قناعاتهم ، فهم أهل اختصاص وخبرة فيما كانوا مفوَّضين فيه من أعمال السحر .
فرُبّما ظنوا أن إسلامهم الجماعي كفيل بإحداث هزة فكرية أو تراجع عن رفض الحقيقة .
لقد تفاجؤوا أنهم كانوا يقومون بمهمة لا بد أن تصل إلى نتيجة محددة ، وأنه ليس لهم فيها خيار آخر ، وأن الفحص والتفتيش في الأدلة ورصد الحجج وإظهار الحقائق ليس من أدوات المهمة أو قوانين اللعبة .
لقد تفاجؤوا أن عملاء فرعون مصيرُهم النّكال والعذاب إذا اقتنعوا بالحقائق واستجابوا للحق ، وأنهم ليسوا مخوَّلين بعد ذلك أن تمنح لهم الحياة ، طبقاً لقانون ( الغاب ) الذي لسان حاله يقول : ( لا بد أن تقتنع بتقديم الطعام للسباع أو ستكون طعاماً للسباع ؛ لأنك إن لم تكن خادماً لهم ، فأنت ضدهم ) .


( 2 ) كان دعاء السحرة بعد إيمانهم : [ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ](الأعراف : 126) ، هذا الدعاء مع جزالة ألفاظه يحمل معاني عميقة ، فكلمة ( أفرغ ) تبين عمق الحاجة الملحة الفورية إلى المدد الرباني ، وضخامة الصبر الذي يتطلعون إليه ، والرغبة الجامحة في الإلحاح على الله في سرعة هذه الهبة الإلهية ، وأن يمنحهم الصبر إفراغاً دفعة واحدة كما يُفَرَّغ الإناء في الإناء .
ولا عجب ؛ وهم يحملون هاجساً مرعباً يخافون الانزلاق فيه ، وهو أن يُفتنوا في دينهم .
إن طمعهم في سؤالهم لربهم ليس طلباً في مزيد من الحياة أو طول العمر ، بل أن يوافيهم الأجل وهم مسلمون له .
والعجيب أنه لم ينقل إلينا أنهم دعوا الله أن يهلك فرعون أو أن يصرف شرَّه أو يزيل ملكه .
ولعل السر في ذلك والله أعلم أن هول بطش فرعون ، وقوة قبضته ، وسرعة انتقامه وإنفاذه قراره ؛ جعلهم ينصرفون عن هذه المسألة مع علمهم أن الله على كل شيء قدير .
وأمر آخر أن الله والله أعلم أراد أن يبين في دعائهم أهمية توجيه نظر المؤمن إلى مدار نجاته وسرِّ قوته وحقيقة انتصاره ؛ حيث يسأل الله الثبات على الدين وأن يقضي حياته مسلماً ، وأن زيغ القلوب وفتنتها وعدم صبرها هي الخسارة الحقيقية ، فمعها لن يجديَ صاحبَها شيءٌ عند الله ، ولو أهلك الله فرعون وكل فرعون .
لقد وصف الله موت المسلم على دينه بالفوز الكبير ، وذلك في قصة أصحاب الأخدود ، حيث مات المؤمنون محرَّقين بالنار ، قال تعالى : [ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ](البروج : 11) .
وحين أحسَّ الصحابي الجليل حرام بن ملحان - رضي الله عنه - بقرب الموت وقد غدر به الكفار ما كان له إلا أن قال : فزتُ وربِّ الكعبة .


( 3 ) اللهم أفرغ على حميدان صبراً ، إن ( حميدان التركي ) لم يكن ضحية للتدافع بين الأمم ، أو كان كبش فداء للصراع بين الحضارات ، كما أن السحرة لم يكونوا ضحية لهجمة فرعون وتسلُّطه وهمجيته ، ولم يكونوا وقوداً للتغيُّر القادم في نظام فرعون الذي يقوده موسى - عليه السلام - ومن آمن معه .
بل الجميع في حكم الله ، ساقتهم أقداره ليواجهوا هذا المصير المحدَّد سلفاً ، لم يكن هذا الحدث أو ذاك فلتة عابرة ، أو سبقاً أحدثه الأعداء ، أو انفلاتاً صنعوه ليحققوا مآربهم دون إذن من الله ، أو خروجاً عن مشيئته .
إن مما يُؤمر به المؤمنون أن يدفعوا الشر عنهم بكل طريقة مشروعة ، ولكن ليس في مقدورهم أن يدفعوا عنهم القدر المحتوم ، [ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ](الطلاق : 3) .


( 4 ) إن في أقدار الله حِكَماً لا يعلمها إلا هو ، فهو عندما يمتحن أولياءه ويحرمهم ويسلِّط عليهم أعداءه .. كل ذلك لا ينقص عند الله من قدرهم شيئاً [ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلاَّ .. ](الفجر : 16-17) .
فرُبّما أُزهقت نفوسهم لا فلتةً من حمايته بل اختباراً منه واصطفاءً لهم لينالوا رفيع الدرجات ، قال سبحانه عن شهداء أحد : [ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ](آل عمران : 140) .
إن ابتلاء المؤمنين سُنَّة ماضية .
قال الله تعالى : [ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ](البقرة : 214) .
بل إن شدة البلاء تزيد مع عظمة الإنسان وعلوّ قدره عند الله ، قال - صلى الله عليه وسلم - : « أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل ، يُبتلى المرء على قدر دينه » فالله يهب هدايته لمن يحب ، ويهب الدنيا لمن يشاء .

( 5 ) لقد تجسدت هذه المعاني عند السحرة بعد إيمانهم ، حتى علموا أن هبة الله العظمى ورحمته الكبرى ليست في الدنيا ، فلم يتحسَّروا على فواتها ؛ فالدنيا مهما طالت ليست إلا لحظة سريعة في ميزان الآخرة ، فلا تستحق ذلك الأسى الكبير عليها ، فلذلك عندما سمعوا من فرعون عزمَه على تنفيذ قراره بتعذيبهم وإزهاق أرواحهم قالوا في ثقة المؤمن : [ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا ](طه : 72) .
فليست الدنيا نهاية المطاف ، وليست المجال الأخير لحسم الخصومات ، بل ليست متسعاً لحسم العدل والقضاء مع بني البشر [ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ](النحل : 61) .
إن الله بحلمه وحكمته يمهل الظالم حتى يظن أنه مهمَل ، بلا حسيب أو رقيب ، قال تعالى : [ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ](الأعراف : 182-183) .
وقال : [ فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ](الطارق : 17) .
فاللهم ربَّ جبرائيل و ميكائيل و إسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أفرغ على حميدان صبراً ، واجعل عاقبة أمره يُسْراً .