الرئيسة   مسائل علمية   التبيين في بعض أحكام التأمين

التبيين في بعض أحكام التأمين

 في بعض أحكام التأمين.jpg
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:


فإن من السنن التي يغفل الناس عنها، ويجهلون أحكامها: التأمين في الصلاة، وأوجز في هذه المقالة أهم مسائلها، بذكر بعض الأدلة والأقوال مختصرة، لتسهل قراءتها، ولا يملّها الملول في زمن الخلاصة والسرعة والاختصار، وعددها: خمسة عشر مسألة، مذكّرًا بها نفسي وإخواني، وما أهدى المرء لأخيه المسلم هدية أفضل من حكمة يزيده الله بها هدى أو يرده بها عن ردى.
وإذا الإخوانُ فاتهم التلاقي فما صلةٌ بأحسنَ من كتاب
وقد سميتها:


(التبيين في بعض أحكام التأمين)


تقبلها الله قبولاً حسنًا، ونفع بها العباد والبلاد، والحاضر والبلاد، وجعلها عملا صالحًا، دائمًا، مباركًا، وأن يحيينا جميعًا على العلم النافع والعمل الصالح، وأن يمتّعنا متاع الصالحين، وأن ينصر عباده المؤمنين، هو خير مسؤول وأكرم مأمول.


أولاً: فضائل التأمين خلف الإمام بعد الفاتحة:

1-عن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ولا الضالين قال آمين ورفع بها صوته) [رواه أبوداود].


2-عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)[رواه البخاري ومسلم].


3-عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين والملائكة في السماء: آمين فوافق إحداهما الآخر غفر له ما تقدم من ذنبه) [رواه مسلم].


4-عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين، فمن وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) [رواه البخاري ].


5- عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما حسدكم اليهود على شيء ما حسدوكم على السلام والتأمين) [رواه البخاري في الأدب، وابن ماجه].


ثانياً: المسائل والأحكام، وهي:

المسألة الأولى: حكم التأمين: له حالات:
الأولى: للإمام والمنفرد في السرية يسن اتفاقاً.
الثانية: للمأموم في السرية يسن اتفاقاً.
الثالثة: للمأموم في الجهرية محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:


القول الأول: يسن، وهو مذهب جمهور الفقهاء.
القول الثاني: يسن إذا كان يسمع تأمين الإمام وإلا فيكره، وهو مذهب المالكية وقول بعض الحنفية والشافعية.
القول الثالث: وجوب التأمين إذا أمن الإمام، وهو قول الظاهرية وبعض الشافعية وبعض الحنابلة واختاره الشوكاني للحديث (فأمنوا) والأمر يقتضي الوجوب.


الراجح: التأمين، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمن الإمام فأمنوا) [رواه البخاري ومسلم].
ونوقش الوجوب: بأنه صلى الله عليه وسلم لم يعلم المسيء صلاته.


الرابعة: للإمام في الجهرية محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: يستحب للإمام وهو مذهب الحنفية ورواية عند المالكية ومذهب الشافعية والحنابلة.
القول الثاني: لا يشرع التأمين في حق الإمام وهو رواية عند الحنفية ومذهب المالكية.


الراجح: الجهر، لحديث: (إذا أمن الإمام فأمنوا) [رواه البخاري، ومسلم]، وكان عدد من الصحابة والتابعين يجهرون بذلك، وكان أبو هريرة يقول للإمام لا تفتني بآمين[رواه البخاري]،: أي لا تسبقني.
وأمّن ابن الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد للجة [رواه البخاري].


المسألة الثانية: حكم الجهر بالتأمين له حالات:

الأولى: حكم جهر الإمام بها محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: يستحب في الجهرية وهو المروي عن طائفة من الصحابة والتابعين وهو اختيار بعض المالكية ومذهب الشافعية والحنابلة وابن حزم.
القول الثاني: يسر ويكره الجهر، وهو مذهب الحنفية وأحد قولي مالك ووجه عند الشافعية ورواية في مذهب الحنابلة.


الراجح: الجهر، لحديث: (إذا أمن الإمام فأمنوا)[رواه البخاري ومسلم].
وأما حديث: (وإذا قال ولا الضالين فقولوا آمين) فلا يدل على عدم تأمين
الإمام، لأن المقصود تعريف المأموم موضع تأمينه.
قال ابن خزيمة في صحيحه: (ولا سبيل له أي المأموم إلى معرفة تأمين
الإمام إذا أخفى الإمام التأمين).


الثانية: حكم الجهر بها للمنفرد محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: يسر في السرية والجهرية وهو مذهب الحنفية والمالكية وقول للشافعية.
القول الثاني: يسن الجهر في الجهرية وهو مذهب الشافعية والحنابلة.


الراجح: الأمر فيه سعة إن شاء أسر وإن شاء جهر.


الثالثة: حكم جهر المأموم بالتأمين رحمهم الله:
القول الأول: يسن، وهو مذهب الشافعية والحنابلة.
القول الثاني: يسر، وهو مذهب الحنفية والمالكية وقول عند الشافعية.


الراجح: الجهر، للحديث السابق، وكان عدد من الصحابة والتابعين يجهرون بذلك وكان أبو هريرة يقول للإمام لا تفتني بآمين [رواه البخاري]. أي لا تسبقني.
وعن عطاء قال: "كنت أسمع الأئمة ابن الزبير ومن بعده، يقولون: آمين،


ومن خلفهم: آمين حتى إن للمسجد للجة "[رواه البخاري ]. وبوب: "باب جهر المأموم بالتأمين" وروينا، عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يرفع بها صوته إماماً كان أو مأموماً وعن عطاء قال: "أدركت مائتين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المسجد إذا قال الإمام: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}، سمعت لهم رجة بآمين. [رواهما البيهقي ].
وما ورد من أدلة الآخرين من الكراهة فهي: إما ضعيفة أو صحيحة غير صريحة أو تأويل ضعيف للأحاديث الصحيحة في التأمين.


المسألة الثالثة: إذا نسي التأمين فماذا يفعل؟

يذكره مالم يشرع الإمام في قراءة السورة.


المسألة الرابعة: إذا كان المأموم مشتغلاً بالفاتحة فهل يقطع ويؤمن؟

يقطع القراءة وهو مذهب أكثر الشافعية.


المسألة الخامسة: محل التأمين له حالات:

الأولى: المنفرد والإمام يؤمنون عند تمام قراءة الفاتحة.
الثانية: المأموم محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: مع الإمام لا قبله ولا بعده، وهو مذهب الشافعية والحنابلة ونسبه ابن حجر إلى الجمهور واختاره المجد وقالوا معنى الحديث إذا شرع الإمام في التأمين فأمنوا لحديث: (فإذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين) [رواه البخاري].
القول الثاني: بعده، وهو قول بعض الحنابلة وصوبه المرداوي ودليلهم: (إذا أمن الإمام فأمنوا)[متفق عليه] قالوا: كقوله إذا كبر فكبروا أي: بعده.


الأقرب: الأول، واختاره النووي وابن قدامة والعراقي.


تنبيه: ينبغي للمأموم ألا يسبق الإمام في التأمين حتى لا يفوته الفضل، وينبغي للإمام ألا يتأخر في التأمين حتى لا يسبقه المأموم.


المسألة السادسة: إذا لم يؤمن الإمام فهل يؤمن المأموم؟

نعم، لحديث: (وإذا قال ولا الضالين فقولوا آمين) واختاره النووي وابن مفلح الحنبلي.
فإن قال قائل حديث: (إذا أمن الإمام فأمنوا) فمفهومه إذا لم يؤمن فلا يؤمن المـأموم، وهذا يسمى مفهوم الشرط، وهو حجة عند الجمهور.

فالجواب: أن يقال أن الحديث الأول عام في مطلق التـأمين، والثاني مقيد بمسألة الثواب أو تبيين محل تأمين المأموم إذا أمن الإمام.


المسألة السابعة: كيف يفعل المأموم عند من لا يرى الجهر بالتأمين؟

قيل: يتحرى موضع التأمين.
وقيل: لا يتحرى وكلاهما في مذهب الحنفية.


المسألة الثامنة: معنى التأمين: أي اللهم استجب.


المسألة التاسعة: آمين تقال بمد الألف وقصرها، ومد الياء وقصرها.


المسألة العاشرة: هل تشدد الميم؟ محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: لا تشدد ميمها، وهو مذهب الشافعية والحنابلة وقول عند الحنفية واختاره القرطبي وقال النووي شاذة منكرة، لأن التشديد معناه القصد كقوله آمين البيت الحرام أي قاصديه.
القول الثاني: تشدد، وقد روي عن الحسن وجعفر الصادق التشديد، وهو قول الحسين بن الفضل وهو قول عند الحنفية والمفتي به عندهم كما قال ابن عابدين.


المسألة الحادية عشر: وهل إذا شدد تبطل الصلاة؟

فيه خلاف عند الشافعية والحنفية، ورجح ابن عابدين والنووي عدم البطلان.


المسألة الثانية عشر: حكم الزيادة على كلمة آمين محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:

القول الأول: يجوز، وهو مذهب الشافعي وورد عن الربيع بن خيثم وإبراهيم النخعي كما في مصنف ابن أبي شيبة.
القول الثاني: لا يستحب، وهو مذهب الحنابلة واختاره العراقي.
القول الثالث: لا يجوز، وتبطل الصلاة وهو وجه عند الحنابلة قال في المبدع وفيه بعد.


الراجح: عدم الفعل، لعدم الدليل، وأما حديث عن وائل بن حجر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قال: (ربي اغفر لي آمين) [رواه البيهقي].وفيه راو ضعيف، ولأن العبادات توقيفية.


المسألة الثالثة عشر: هل يقال التأمين في غير الصلاة؟

جوز ذلك القرطبي وابن عطية وابن كثير والنووي، لأن التأمين معناه اللهم استجب، وهو يكون في كل دعاء، والفاتحة دعاء.


المسألة الرابعة عشر: حكم التأمين بغير العربية داخل الصلاة محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:

القول الأول: لا يصح، وهو مذهب جمهور الفقهاء.
القول الثاني: يصح، وهو مذهب أبي حنيفة وقيل: رجع عنه.
القول الثالث: لا يصح إلا عند العجز، وهو مذهب صاحبي أبي حنيفة.


الراجح: الأول، لأنه من الذكر، والذكر في الصلاة لا يكون إلا بالعربية.


المسألة الخامسة عشر: حكم التأمين بغير العربية خارج الصلاة محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:

القول الأول: يجوز للعاجز ويكره للقادر، وهو مذهب جمهور الفقهاء.
القول الثاني: يجوز مطلقاً، وهو مذهب أبي حنيفة وقول عند الشافعية والحنابلة.
القول الثالث: التحريم، وهو قول عند الحنفية والمالكية والشافعية.


الراجح: الثاني، لعدم الدليل المانع، ولقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ)(1).



_____________________________________

(1) المراجع: الدعاء وأحكامه لخلود المهيزع، أحكام الترجمة في الفقه لمحمد واصل، شرح عمدة الفقه، التسهيل في الفقه للكاتب.