بين غازي ( المفكر ) وغازي ( الإنسان )..
17/9/1431 - د.حبيب بن معلا اللويحقالموت .. هو الحقيقة الكبرى التي تفر منها عقولنا وتتسلى عنها بالأمل والتشبث البائس بالحياة .. يقول الحسن البصري رحمه الله ( مارأيت يقينا لاشك فيه أشبه بشك لايقين فيه كالموت) ..
هذه ليست موعظة ولكنها خطرة عبرت وأنا أتابع سلسلة الوفيات لبعض مشاهير الحراك الإعلامي العربي كأحمد الربعي ثم نصر أبو زيد والجابري والبغدادي .. وأخيرا القصيبي ..
وقد تابعت الضجيج الضخم خلف نعوش هؤلاء ورأيت التناقض الكبير في مجتمعاتنا العربية؛ بين من يتشفى من هذا الاهتزاز الضخم الذي أحدثه غياب هؤلاء على بعض السياقات الفكرية من جهة .. ومن يعلن أسفه الكبير لفقدان قامات ثقافية مؤثرة مناضلة.. وقد بلغ التناقض ذروته واشتعلت المعارك تتزعمها الصحافة لنصرة أحد الرأيين والشبكة العنكبوتية لنصرة الرأي الآخر ..
ولست معنيا هاهنا أن أتخذ موقفا ..
ولكن سأتحدث عن غازي القصيبي - رحمه الله –
لقد تألمت كثيرا وأنا أرى هذا الخلط المتعمد بين غازي الإنسان .. وغازي المفكر ..
إن هذا الخلط الخاطئ جريمة في حق غازي – رحمه الله – وفي حق الأمة كلها ؛ فهو من جهة سبب لهذا الهجوم الضخم على غازي والشماتة بموته وغيابه عن الساحة ، وهو من جهة أخرى سبب كبير لتقديس غازي وإيصاله لدرجة العصمة وتزكيته في كل قول يقوله وفي كل اتجاه يذهب إليه ..وهذا خلل كبير وسذاجة حقيقية ..
وإذا رأيت من يشتم غازي ويتشفى برحيله ويقيم الولائم الفكرية احتفالا فاعلم أنه واقع لا محالة في هذا المأزق ؛ إذ نظر إلى غازي المفكر واتخذ منه موقفا معاديا وحكم عليه حكما مسبقا وأغفل النظر إلى غازي الإنسان الذي يدين بالإسلام وصحبنا زمنا طويلا في مناصب متعددة وكان اسمه يتردد على مسامعنا طويلا طويلا ثم غاب عن أهله ومحبيه ..
وفي مقابل هذا إذا رأيت من يأسى لرحيله وغياب قلمه ويعده رمزا فكريا وقدوة محتذاة في كل أموره وكل تجلياته فاعلم أنه واقع في مأزق أشد سوءا؛ إذ تعاطف –في أحسن أحواله- مع غازي الإنسان وحزن لرحيله فأداه ذلك إلى مساوقته في فكره الذي لم يكن يوما محل إجماع..
إنني بهذه الأحرف لاأدعو للفصل بين الإنسان ومنتجه الإبداعي والفكري ، ولكنني أدعو إلى وضع العاطفة في مقامها الصحيح؛ فأنا حين أخالف القصيبي – رحمه الله – في كثير من الفكر الذي يطرحه فإن هذا لا يعني أن أحكم عليه بالشقاء ولا أترحم عليه ! كما أنني حين أحزن لموته لا يدعوني هذا لأن أقول للناس إن منتجه الفكري سليم وإنه في كل آرائه كان موافقا للشرع المطهر .. بل إن العدل يقتضي أن أظهر محاسنه وأترحم عليه وأعزي أهله المفجوعين لفقده – رحمه الله- لكنني مع ذلك كله أبين أنه جانب الصواب في كثير من المسائل التي طرحها وأنه لا أحد من علماء الإسلام يمكن أن يقبل بكث! ير من منتجه الروائي كرواية (7) –مثلا- أو (شقة الحرية) وغيرها أوحتى دعمه لبعض نابتة الأدب الإباحي ، كما لن تجد لآرائه المتعلقة بالمرأة قبولا عند عامة المسلمين فضلا عن علمائهم ..
إن غازي – رحمه الله – مجموعة أناس في إنسان ولهذا يمكن لك أن تفرد في انضباطه الإداري وفي تواضعه وخدمته للناس ولولاة الأمر كتبا وإضبارات.. ولكن يجب ان يكون هذا باستقلالية فكرية بعيدا عن الكتابة العاطفية التي تهيم عشقا به وتزكيه كله ؛ فهذا منطق غير مقبول علميا ؛ بل ينبغي أن تثني في محل الثناء وتناقش في محل صراع الأفكار..
إنني يمكن أن أخالف القصيبي في كل ماذهب إليه وأناقش كل من يتبنى أفكاره ولكن ينبغي ألا يدعوني هذا إلى نفيه بالكلية أو الحكم عليه أخرويا .. بل أرجو له ماأرجو للمسلمين .. كما أنني يمكن أن أحزن على رحيله ولكن لا يمنعني هذا من التنبيه على مواطن الخطأ في منتجه كله ..
إن الصحافة التي ظلت مسخرة لهذا الاتجاه زمنا طويلا ينبغي أن تتيح ولو هامشا يسيرا من الحرية لمناقشة أفكار الراحل والوصول إلى الحق فيها وفي غيرها .. فهذا خير وأقوم قيلا ..
رحم الله غازي القصيبي وبصرنا بمواطن الرشد ورزقنا الله الإنصاف ..
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون ..

