الرئيسة   مقالات   حين يُغرِق المربي في الشكليات

حين يُغرِق المربي في الشكليات

mr.jpg
المربي يملك حسّاً مرهفاً ، ويحمل رصيداً عالياً من الحرص على من يتربى

على يده ؛ فيطمع أن يراه في أفضل صورة .

وهذا يقود كثيراً من المربين إلى القلق تجاه المظاهر غير اللائقة لدى

المتربين .

يقلَق كثير من الآباء والأمهات حين يرون صوراً من الإهمال لدى أولادهم ،

ويقلق كثير منهم حين يرون متابعتهم الأحداث الرياضية وشغفهم بها ، ويقلق

آخرون حين يرون الإغراق في المظهر ، أو التخلي عن بعض مظاهر اللباس

المتعارف عليها ... إلى آخر هذه النماذج .

بل إن بعض المربين قد يعمد إلى الاستغناء عن بعض العناصر والسعي

لإبعادهم عن الأوساط التربوية بحجة وجود هذه المشكلات لديهم .

وهكذا نجد الأمثلة التي يوردها بعض المتحدثين عن مظاهر الخلل التربوي

تُكرر فيها هذه النماذج ؛ فنحن نرى في الساحة الدعوية نقد المظاهر والشكليات

أكثر مما نرى نقد القضايا الجوهرية في بناء الشخصية .

إن بناء النموذج الرائع والمتميز مطلب مهم ، والارتقاء بالاهتمامات

الشخصية لا خلاف فيه ، وإشاعة سمت الصالحين لا اعتراض عليه ، ولكن ينبغي

مراعاة ما يلي :

* لا بد من أن تأخذ الأمور حجمها وقدرها الطبيعيين ، ومهما بلغت أهمية

أمرٍ ما فإن ذلك لا يبرر التطرف في التعامل معه وإعطاءه أكبر من حجمه .

* الإغراق في الاهتمام بالشكليات والجزئيات يولِّد خللاً في تفكير الأشخاص ؛

فهو يقود إلى تسطيح الشخصية ، وضعف العمق في التعامل مع الأشياء ،

والانبهار بالمظاهر أكثر من الحقائق . كما أن ذلك يقود الأفراد إلى التطرف في

الأفكار وفقدان الاعتدال نتيجة اعتيادهم على سماع المواقف المبالَغ فيها ، وتكرار

لغة التهويل والتضخيم .

* انشغال المربي المبالَغ فيه بهذه الأمور يزيد من مساحتها في اهتمامه ،

وتكون على حساب جوانب ضرورية ومهمة في بناء الشخصية ؛ كالاعتناء ببناء

الإيمان في النفس والأعمال القلبية وربط القلوب بالله عز وجل ، والاعتناء بتنمية

الإرادة والقدرة على إدارة الذات ، وتنمية القدرة على التفكير وتوظيفه بصورة فاعلة ،

ومهارات التواصل مع الآخرين ، وقيم الإنجاز ، والمبادرة ، والمسؤولية ..

وغيرها من الجوانب المهمة والمحورية في بناء الشخصية . وكثيراً ما نرى نماذج

يُقاس تقدمها التربوي وإنجازها بالمظاهر والشكليات ، وهي تعاني من خلل جذري

في بناء الشخصية يقودها إلى الفشل في كثير من مواقف الحياة ، ويعوقها عن

العطاء الإيجابي الفاعل ، ويؤثر في أدائها .

وقد لا يكون الأمر ذا صلة بمظاهر وشكليات ، لكن الخلل يكمن في تضخيم

الفروع على حساب الأصول ، والتعامل مع النوافل على أنها كالفرائض ، والشُّبَه

على أنها كالمحرمات القطعية والكبائر .

وعلى الرغم من أهمية الاعتناء بالنوافل والبعد عن الشبهات ؛ إلا أن المربي

ينبغي له أن يتوازن في التعامل معها ؛ فكثيراً ما نرى من يحرص على النوافل

بينما هو يقصِّر في الفرائض ، أو يبالغ في البعد عن الشبهات ويقع في المحرمات

القطعية . وإذا كان الأمر نتيجة ضعف بشري أو غلبة شهوة ؛ فهذا أمر قلّما يخلو

منه بشر ، لكن حين يكون خللاً في التربية والتعامل مع الأولويات ؛ فهذا مما ينبغي

تصحيح مساره .

وحتى يحقق المربي التوازن في ذلك ؛ ينبغي له أن يضع خريطة متكاملة

بجوانب بناء الشخصية ، ثم يعطي كل جانب القدر الملائم له من دون غلو أو شطط .