الرئيسة    الفتاوى   أصول الفقه وقواعده   عمل العامي بفتوى أخرى إذا تبين له صوابها

عمل العامي بفتوى أخرى إذا تبين له صوابها

فتوى رقم : 5916

مصنف ضمن : أصول الفقه وقواعده

لفضيلة الشيخ : سليمان بن عبدالله الماجد

بتاريخ : 16/02/1430 17:33:00

س: السلام عليكم ورحمة الله .. فضيلة الشيخ .. إذا اتبع العامي رأي عالم من العلماء ثم سمع رأي عالم آخر ورأى أن دليل العالم الآخر أقوى وأكثر موافقة للسنة، فهل له أن يعمل برأي العالم الأخر؟ وجزاك الله خيرا.

ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. إذا عمل العامي بفتوى عالم معتبر للفتوى ثم سمع عالماً آخر مثله يفتي بفتوى أخرى، وغلب على ظنه صواب الثاني دون أن يكون ذلك لهوى أو طلب تيسير وإنما لنظر واستدلال وجب عليه الانتقال إلى الفتوى الثانية؛ لأن القول بأن فرض العامي التقليد مطلقا فيه نظر؛ فإنه لا توجد صفة عجز لازمة لكل أحد، ولا صفة قدرة لازمة لكل أحد ـ عياذا بالله ـ من اعتقاد الأخير، وقد حُكي إجماع العلماء على أن العامي في القطعيات لا يقلد أحدا؛ كوجوب الصلاة والزكاة، وهذا إقرار بأن له نوع تكليف بالنظر والاستدلال.
فإن قيل: هذه مسائل قطعية لا تقليد فيها؛ فيقال: هذ الاعتراض إعادةٌ لنص الإجماع فلا يصح؛ كما أنه لا دليل من الكتاب والسنة على التفريق بين القطعي والظني؛ بل هو سبيل أهل البدع.
وبالجملة فنظر العامي في القولين من مفتيين معتبرين واختيار أحدهما عن طريق النظر والاستدلال أولى من التخير بين المفتيين لمجرد مطلق العلم أو الورع؛ لأن المتبوع الأول قد لا يكون محيطا بهذه المسألة نفسها؛ فلم ينفع هذا الوصف لاختيار قوله، وكان اختياره بالنظر والاستدلال سلوكا لطريق اعتبار القرآن هاديا ودليلا، وقد أمرنا بالتدبر مطلقا دون أن تقييده بصفة؛ فقال تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن" ولا فائدة من تدبر لا ثمرة له.
والذي عليه الكافة من أهل العلم هو المنع من التخير لمطلق معنى اليسر ، يقول ابن تيمية : ( .. من التزم مذهبا معينا ثم فعل خلافه ، من غير تقليد لعالم آخر أفتاه ، ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك ، ومن غير عذر شرعي يبيح له ما فعله ؛ فإنه يكون متبعا لهواه ، وعاملا بغير اجتهاد ، ولا تقليد ، فاعلا للمحرم بغير عذر شرعى ؛فهذا منكر ، وهذا المعنى هو الذي أورده الشيخ نجم الدين ، وقد نص الامام أحمد وغيره على أنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجبا أو حراما ، ثم يعتقده غير واجب ولا حرام ، بمجرد هواه ؛ مثل أن يكون طالبا لشفعة الجوار فيعتقدها أنها حق له ثم إذا طلبت منه شفعة الجوار اعتقدها أنها ليست ثابتة ، أو مثل من يعتقد إذا كان أخا مع جد أن الأخوة تقاسم الجد ؛ فاذا صار جدا مع أخ اعتقد أن الجد لا يقاسم الأخوة ، أو إذا كان له عدو يفعل بعض الأمور المختلف فيها كشرب النبيذ المختلف فيه ولعب الشطرنج وحضور السماع أن هذا ينبغي أن يهجر وينكر عليه ؛ فاذا فعل ذلك صديقه اعتقد ذلك من مسائل الاجتهاد التى لا تنكر ؛ فمثل هذا ممكن فى اعتقاده حل الشيء وحرمته ووجوبه وسقوطه بحسب هواه هو مذموم بخروجه خارج عن العدالة ، وقد نص أحمد وغيره على أن هذا لا يجوز .
وأما إذا تبين له ما يوجب رجحان قول على قول إما بالأدلة المفصلة ؛ إن كان يعرفها ، ويفهمها ، وإما بأن يرى أحد رجلين أعلم بتلك المسألة من الآخر ، وهو أتقى لله فيما يقوله ؛ فيرجع عن قول إلى قول لمثل هذا فهذا يجوز بل يجب وقد نص الامام أحمد على ذلك ) أهـ .
وإنما يباح للعامي التقليد كالعالم عند الحرج، والرخصة في هذا هي الغالبة على أحوال العامي، والعزيمة هي الغالبة على أحوال العالم . والله أعلم .