الرئيسة    الفتاوى   الوصايا والتبرعات   وقف الإنسان على ختمات تقرأ له، أو من يحج ويعتمر عنه، وهل تجوز مخالفة الوصية وصرفها فيما هو أفضل منها

وقف الإنسان على ختمات تقرأ له، أو من يحج ويعتمر عنه، وهل تجوز مخالفة الوصية وصرفها فيما هو أفضل منها

فتوى رقم : 22470

مصنف ضمن : الوصايا والتبرعات

لفضيلة الشيخ : سليمان بن عبدالله الماجد

بتاريخ : 24/09/1442 14:57:35

س: فضيلة الشيخ سليمان الماجد: حفظك الله ورعاك وعافاك، سائلٌ يقول: جَدُّه تُوفِي وأَوْصَى بمالٍ وقفٍ، وهذا المال الموقوف أوصى به أن يُصرف في قراءة سبع ختمات للقرآن على نِيَّتِه، والحج عنه كل عامٍ، الآن أولادُه خالفوا الوصية، وجعلوا ما أَوْصَى به في صدقاتٍ تُوَزَّع على نِيَّة جَدِّهم؛ فهل ما قام به أولادُه صحيحٌ؟ أفتونا في هذا، جزاكم الله خيرًا ونَفَعَ بكم الإسلامَ والمسلمين.

ج: الحمد لله، أما بعد؛ فإن الراجح مِن أقوال أهل العلم: أن إِهداء ثواب الختمات غير مشروعٍ، فلم يَفْعَلْهُ النبيُّ ﷺ، ولا الصحابة ولا التابعون، وهو مِمَّا تتوافر الهِمَم والدَّواعي على نَقْلِه لو فَعَلُوه؛ وأنه لو كان مشروعًا لكَثُر فِعْلُه كَثْرَةً عظيمةً؛ لما فيه -لو صح- من نفع الأموات الذين لا يستطيعون نفع أنفسهم؛ فلما لم يُنقل دَلَّ على أنه لم يكن؛ فهو إِذن؛ مِن هَدْي التَّرْك الذي يَدُلُّ على كون العمل غير مشروعٍ، وهذه الدِّلالة لا تَصِحُّ إلا بشروطٍ ثلاثةٍ:
1) أن يكون المحل تَعَبُّدًا محضًا وهو كذلك.
2) أن يُوجد المُقْتَضِي لفِعله؛ وهو تحصيل الأجر ونَفْع الموتى وهو موجودٌ.
3) أن ينتفي المانع منه، ولم يُوجد مانعٌ مِن فِعْلِه.
فصار التَّرْك من الرسول ﷺ والسَّلَف -رضوان الله تعالى عليهم- هو كالنَّهْي مِن هذا الفعل ابتداءً.
ومَنِ استدل بالقياس على وُصُول الدُّعاء والصَّدَقة فهو استدلالٌ في غير مَحِلِّه؛ لأنه لا قياس في التَّعبُّدات المحضة؛ ولأن وَصْف التَّعبُّد يعني أنه لا عِلَّة أُصُوليَّة له؛ فكيف يصح القياس مع انتفاء رُكنه؛ وهو العلة؟ ولعل هذا مِن أسباب عدم نَقْلِ ذلك عن الرسول ﷺ، ولا عن صحابته رضي الله عنهم.
وحتى لو كان إهداء ثواب الختمات مشروعًا؛ فإن هناك مِن جِنسه ما هو خيرٌ منه، ولا خلاف في مشروعيته، وهو: إنْفَاق المال في تعليم القرآن وعلى مُعَلِّمِيه وطُلَّابه رواتب ومكافئاتٍ وجوائز؛ لأن تعليم القرآن اشتمل على أمورٍ:
الأول: تلاوة المُعَلِّم والمتعلم، وأجرُهما لمَنْ بَذَلَ المالَ فيهما.
والثاني: حُصُول تَعَلُّم القرآن المعلوم عِظم أَجْرِه.
والثالث: تَعَدِّي نَفْعُ التعليم إلى أولاد المتعلم وزَوْجَته وأصدقائه وزُملائه وطُلَّابه ومَنْ يُصلي خَلْفَه، وهذه أجورٌ مُتتابعةٌ لا تنقطع إلى يوم القيامة.
وأفضليَّة هذا ظاهرةٌ جدًّا؛ فتكون معتبرة في توجيه مَن أراد الوقف أو الوصية ابتداءً، وأما إذا تم الوقف فهي مسألةٌ اجتهاديةٌ ذَهَبَ إلى القول بمشروعيتها الحنفية والحنابلة.
ولكن لو عَدَلْتُم عن ذلك إلى ما هو أفضل للميت وأعظم أجرًا مِمَّا هو مِن جِنس الحَجِّ مِمَّا اتفق العلماءُ على مشروعيته؛ وهو دَفْعُ ما خُصص لهذا المصرف في توفير نفقة الحج لمَنْ لم يحج مِن الفقراء، أو من المسلمين حديثًا، مِمَّن هم في قوائم الانتظار لدى مكاتب توعية الجاليات فهو أفضل، وكذلك إذا عدلتم فيما خُصص للختمات بأنه تصرفوه على أجور معلمي القرآن فهو خير للواقف ولكم، وأعظم أجرا، وأبعد عن إشكالات المشروعية؛ لأنه من جنس ما أوصى به في المسألتين. والله أعلم.