الرئيسة    الفتاوى   النكاح   تقصد عقد النكاح ليلة الجمعة في المسجد الحرام أو المسجد النبوي

تقصد عقد النكاح ليلة الجمعة في المسجد الحرام أو المسجد النبوي

فتوى رقم : 21750

مصنف ضمن : النكاح

لفضيلة الشيخ : سليمان بن عبدالله الماجد

بتاريخ : 04/03/1440 12:09:06

س: فضيلة الشيخ .. العادات التي يفعلها بعضهم في عقد النكاح؛ ومن ذلك العقد داخل الحرم في ليلة جمعة، ويقولون: إنها بركة؛ هل هذا بدعة أم هو من السنة؟ وهل تجوز مقاطعة جلسة العقد أو الإنكار عليهم؟

ج: الحمد لله أما بعد .. فإن عقد النكاح من باب معقول المعنى، والتماس البركة فيه تكون بتقوى الله في اختيار كل طرف للآخر؛ وبنية وفاء الحقوق والقيام بالواجبات، وبترك الإسراف والمبالغة في المهر والهدايا وتكاليف الزفاف، وباستحضار النية الصالحة، والأدعية المقيدة بإنفاذها مقيدة، والمطلقة بإعمالها مطلقة.
وأما قصد جعل عقد النكاح في المسجد والتواعد عليه فلا أراه مشروعا؛ لأن البركة في المكان أو الزمان أمر توقيفي لا بد فيه من دليل خاص، ولا أعلم دليلا خاصا على ذلك، وأما حديث عائشة مرفوعا: "أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف" فقد جاء عند بعض أهل السنن، وهو ضعيف.
بل إن هدي النبي صلى الله عليه وسلم والقواعد الأصولية دلت على عدم مشروعيته؛ وذلك لأن هذه المعاني توقيفية، وقد ارتبطت بمحل عبادة محضة؛ وهو المسجد، وتعلقت بغيبي وهو تأثير فضل المكان في العقد، ومن المعلوم أن المقتضي عند الرسول صلى الله عليه وسلم وعند صحابته لتحصيل هذا الفضل موجود، والمانع منه منتفٍ؛ فدل تركهم له - مع هاتين المقدمتين - على خلوه من المعاني التي يظنها الناس مؤثرة شرعا.
ومثل ذلك قصد ليلة الجمعة لعقد النكاح.
وأؤكد هنا أن مسائل البدع العملية هي من باب الفقه، ومن جنس الأمور الاجتهادية؛ لا من باب العقائد، ولا من طرائق أهل الأهواء؛ كما يظنه البعض؛ لأن الصحابة اختلفوا في جنسها؛ كالتعريف في الأمصار، والقنوت في الفجر، وتتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم، والزيادة على مواضع الوضوء، ووضع الجريد على القبر، وقراءة القرآن عنده، كما اختلف العلماء والأئمة بعدهم في مثلها؛ كدعاء ختم القرآن في قيام رمضان في الشفع منه، ولا زالوا يصلون خلف بعضهم حتى في محل ما يرونه مخالفة، وغيره كثير لا يحصى؛ فعليه لا أرى الإنكار فيه بالإغلاظ ولا بالمقاطعة، ولا التشديد، ولا ترك الناس شهود عقود أنكحة أقاربهم في المساجد لهذا السبب؛ لأن القطعي هو أن الله يبغض القطيعة والغلو والتفرق، والظني= مؤاخذته تعالى لعباده في مسائل اجتهادية.
بل يتوجه أن لا يمنع أهله ولا ولده من ذلك؛ إذا رغبوا فيه؛ لأن رغبتهم اتصلت بتقليد سائغ لمن يرى المشروعية وهم الجمهور، ورأي رب البيت اتصل بتقليد سائغ في المنع، وإذا تعارض المتساويان تساقطا.
هذا ومن أعظم ما يورث النزاع والاحتقان؛ بل يؤدي إلى نوع من تبديل الشريعة= استبطان بعض المستنة العداوة ثم المخاشنة للمخالف بمجرد ترجيحه أحد القولين؛ ثم انتقل هذا الاعتقاد بسبب ردة الفعل إلى ذلك المخالف؛ فيستبطن هو تلك العداوة بمجرد تقرير ذلك من قبل من يرى البدعة، وهذا من خطأ الفريقين، ومن أعظم أسباب تفرق الأمة وتسلط أعدائها، وضياع العلم وتبديل الشريعة؛ بل وصل الأمر بكلا هذين الفريقين في التاريخ القديم والمعاصر إلى المكائد والغيبة والنميمة والوشاية إلى السلاطين، مع نوع كذب وعدوان؛ بل وصل الأمر بينهما إلى استعداء الكفار على إخوانهم.
ثم أجج هذه العداوات سعي الكثيرين خلف سراب خادع؛ وهو ظنهم أن العداوة والمخاشنة سوف تحقق الحسم في هذا المسائل، وإذعان المخالف، وهذا وهم كبير وظن باطل؛ لأن الله يحقق بالرفق والتسامح ما لا يتحقق بالعنف والغلظة والمقاطعة، ولهذا حين استأذن رهط من اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام عليكم . فقلت: بل عليكم السام واللعنة فقال: "يا عائشة! إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" . قلت: أولم تسمع ما قالوا "قال: "قد قلت: عليكم". متفق عليه .
وفي رواية للبخاري: "مهلا يا عائشة! عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش". وفي رواية لمسلم قال: "لا تكوني فاحشة، فإن الله لا يحب الفحش والتفحش".
فإذا كان هذا شأن اليهود فما بالك بمسلم لا تعلم إلا أنه يحب الله ورسوله وإن أخطا أو خالف؟
وإذا أخذنا جميعا بهذا الفقه= ترسمنا هدي السلف، وجعلنا ما نراه حقا يصل إلى القلوب بطرق سهلة محببة. والله أعلم.