الرئيسة    الفتاوى   الإيمان   الجواب عن قول حماد بن زيد عن حديث نزول الله تعالى: (نزوله إقبال)

الجواب عن قول حماد بن زيد عن حديث نزول الله تعالى: (نزوله إقبال)

فتوى رقم : 21575

مصنف ضمن : الإيمان

لفضيلة الشيخ : سليمان بن عبدالله الماجد

بتاريخ : 30/12/1439 20:00:25

س: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. شيخنا الفاضل بارك الله فيكم .. ما هو الجواب الصحيح على ما ادعاه الإمام البيهقي رحمة الله عليه في كتابه الأسماء والصفات من قول حماد بن زيد رحمه الله تعالى في مسألة نزول الله تعالي (نزوله إقبال):
1. هل الرواية صحيح من الإمام حماد؟
2. إذا كان صحيحا كيف نجيب أن السلف لا يتأولون آيات الصفات؟
أحسن الله إليكم.

ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. فإن الجواب عما ذكره الإمام البيهقي عن حماد رحمه الله حول ما جاء في السؤال من وجوه:
الأول: أن كلام حماد بن زيد لم يتضمن نفيا للنزول؛ وقد يكون هذا من ذكر بعض أفراد العام الذي لا يعد تخصيصا؛ فإن الإقبال المعنوي هو بعض مقاصد النزول، أو آثاره.
الثاني: الحاجة إلى التحقق من ثبوت هذا الأثر؛ فإن الإمام البيهقي ذكره في "الأسماء والصفات" (3/378) بغير إسناد.
الثالث: أن الثابت عن حماد هو إثبات صفة النزول من غير تأويل ولا تشبيه؛ فقد جاء عن بشر بن السري أنه سأله فقال: يا أبا إسماعيل، الحديث الذي جاء: «ينزل الله إلى سماء الدنيا» أيتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد ثم قال: «هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء» رواه ابن منده بسنده الصحيح في «التوحيد» حديث رقم (891).
كما أنه نص رحمه الله في الصفات عامة على الإثبات بلا كيف؛ فقد قال ابن رجب في "فتح الباري" (6/535): (قال أبو داود الطيالسي: كان سفيان الثوري وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يجسدون، ولا يشبهون، ولا يمثلون الحديث، لا يقولون: كيف، وإذا سئلوا أجابوا بالأثر)أهـ ، وهذا إثبات لا تأويل فيه ولا تفويض، ولم يعتبروها من المتشابه كما فعله بعض العلماء بعد القرون المفضلة.
الرابع: لو صح عنه ذلك على وجه ينفي به الصفة أو يأولها - ولم يصح - فإن الإجماع منعقد من الصحابة والتابعين - وهو من تابعي التابعين - على إثبات نصوص الصفات بسكوتهم عن نفي ظاهرها دون تكييف ولا تشبيه ولا تأويل، ولا يمكن أن يكون نفاة الصفات ومؤولها أعظم غيرة لله، وأكثر حمية للدين منهم رضي الله عنهم؛ حين سكت عنها أولئك الصحابة وأوَّلها من بعدهم؛ كما أن الصحابة بينوا المشكل من سائر مسائل الدين؛ فلا يمكن أن يسكتوا عن نفي هذا الظاهر لو كان باطلا أو غير مراد، وهو متعلق بأعظم من دل عليه العلم؛ وهو الله جل في علاه.
الخامس: أنه لو صح عنه تأويل صفة واحدة فلا يؤثر هذا على الكلي العام الذي أقره الصحابة وسلف الأمة باعتباره قاعدة عامة؛ وهو إعراضهم وإعراضه رحمه الله عن التأويل في مئات الصفات الإلهية؛ بل ينقلب الدليل عليهم: فإن هذا التأويل النادر علامة ومعيار على الإثبات في بقيتها؛ بخلاف ما انتهجه من جاء آخر القرون المفضلة وما بعدها؛ حيث جعلوا التأويل لمئات الصفات أصلا، وجعلوا الإثبات المنقوص للصفات السبع= استثناء؛ فكم بين هدي الصحابة وهؤلاء؟
والمقصود من هذا الوجه أن التأويل النادر المروي عن بعض العلماء قد يكون لصفات وقع فيها الخلاف، كما أن بعض ما وقع فيه هذا الخلاف قد دل الدليل الأثري على صحة ذلك التأويل، كصفة يمين الله للحجر الأسود ، أو أن ذلك كان محل اجتهاد، أو أنه كان وهما محضا، لكنه - في جميع الأحوال- لا يقضي هذا النادر جدا بالبطلان على القاعدة الكلية العتيدة المذكورة.
هذا والراسخون في العلم يتمسكون بالمحكمات والقطعيات والبينات الظاهرات من هذه القواعد، ولا يتركونها لمشتبه أو متشابه، شأن أهل الزيغ؛ كما قال الله تعالى: "هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (8)".
ولو قيل: إن التجسيم لم يكن يخطر على بال أحد فلم يحتاجوا إلى التأويل في كل صفة فالجواب أن اليهود كانوا يقولون بالتجسيم؛ وكذلك عبدالله بن سبأ اليهودي وبعض أتباعه، ومنه انتقل التجسيم إلى الشيعة؛ كالهشامين: ابن الحكم والجواليقي؛ فكانت المقتضي عند الصحابة والتابعين لنفي الصفات أو تأويلها قائما؛ ومع ذلك لم يتركوا الإثبات المشروع بدون تكييف ولا تشبيه، ولم يتأولوا. والله أعلم.