الرئيسة    الفتاوى   الوصايا والتبرعات   الوصية لبعض الأولاد بالسكنى دون مقابل أو محاباتهم في الأجرة

الوصية لبعض الأولاد بالسكنى دون مقابل أو محاباتهم في الأجرة

فتوى رقم : 20966

مصنف ضمن : الوصايا والتبرعات

لفضيلة الشيخ : سليمان بن عبدالله الماجد

بتاريخ : 25/03/1439 18:40:09

س: والدي يرغبُ في كِتابة وصيَّته، وقد رأى أن يُوقِف بعد موته بعض العقارات، ومنها: البيوت التي يسكنها الآن هو وبعض أبنائه، حيث يسكُنُ هو وزوجتاه في فِلتين مُستقلتين، ويسكنُ بعضُ أولاده المُقتدرين غير المحتاجين بدون مقابلٍ في دوبلكسات وشُقَقٍ مُستقلةٍ عن سكن أمهاتهم (زوجات الوالد) ضِمن مُجَمَّع السَّكَن الذي يملكه والدي، وهو يرغبُ في أن يبقى هؤلاء الأولاد في سَكَنِهم حتى بعد موته؛ ولأن هذا لا يُقِيم العدلَ بين الورثة، وقد يُورث العداوةَ بينهم بعد وفاة الوالد، فقد رأينا أن نقترح على والدنا أن يأخذ مِن هؤلاء الأولاد أُجْرَةً مقابل سَكَنِهم، السؤال: هل يجوز له أن يُوصي بسَكَنِهم بعد موته بدون مقابلٍ؟ فإذا كان الجواب بالنفي وعدم جواز سَكَنِهم بدون مقابلٍ: فهل له أن يُمَيِّزَهم في مقابل الإيجار عن قيمة السوق؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فما الحَدُّ الشرعيُّ الذي يحق له أن يُميزهم في الإيجارات دون أن يكون مَحل اعتراضٍ مِن بقية الورثة؟ والله يرعاكم ويسددكم ويحفظكم.

ج: وعليكم السَّلام ورَحْمَةُ الله وبَركاته:
فيجب العدل بين الأولاد ذكورا وإناثا في تقسيم غلة الوقف، وكذلك الوصية إذا نفذت بعد الموت، والعدل يُعرف بما نصت عليه الشريعة إن وجد نص، وإلا فبمقتضى أصول العقل والحكمة، ويجب رد ما حصل فيها جور إلى العدل والقسط؛ لقوله تعالى: "فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه".
قال ابن تيمية عن الجور في العطية بين الأولاد: (..يجب عليه أن يُردَّ ذلك في حياته كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وإن مات ولم يرده رُد بعد موته على أصح القولين أيضا، طاعة لله ولرسوله، واتباعا للعدل الذي أمر به، واقتداء بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ولا يحل للذي فُضِّل أن يأخذ الفضل، بل عليه أن يقاسم إخوته في جميع المال بالعدل الذي أمر الله به)أهـ. وما ذكره ابن تيمية ظاهر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم سماه جورا.
والمحاباة الخارجة عن المعتاد في معاملة الأولاد نوع من الجنف في العطية؛ كالنقص الكبير في المعاوضات من البيوع والإيجارات.
وأصول العدل المذكورة تقتضي عدم وجوب التسوية بين الأولاد في النفقات اليومية لمن هم تحت رعايته في منزله، ولم يبلغوا القدرة على الاكتساب عرفا وعادة، أما ما عدا ذلك من التزويج وشراء السيارات ومنح المساكن، أو استئجارها لهم، أو إسقاط الأجرة عنهم فيجب أن يُحسب ذلك كله ديونا في ذممهم؛ ولو كانوا محتاجين؛ فإن قدروا على وفائها في حياة الوالد وجب عليه إلزامهم بوفائها، وإن لم يقدروا حُسبت عليهم في نصيبهم من تركة والدهم لو توفي؛ كسائر الديون؛ فهنا حصل العدل في حالي حياة الأب وموته؛ بحسب الإمكان.
وإذا كان الأولاد لا يحتاجون إلى هذه الإعانة فيجب عليه أن يعطي البقية فورا مثل ما أعطى الأوائل؛ فإن شق هذا الأمر عليه لقلة ماله عن الوفاء بذلك -مع قدرتهم على القيام بحاجات أنفسهم دون استدانة- وجب عليه أنه يتركهم يتدبرون أمورهم؛ ليحافظ على العدل الذي أمر الله به.
وأما على قول بعض أهل العلم بعدم لزوم العدل في سداد حاجات الأولاد هذه، إلا إذا وجدت الحاجة نفسها عند الآخر ففيه نظر؛ لأنهم لم يعالجوا مسألة وفاة الوالد؛ ولأنهم لا يجيزون أن يوصي للبقية بمثل ما أعطى الأولين، ويرون في الوقت نفسه أن الهبة لازمة لا رجوع فيها، أما على ما ذكر فهو أقرب الأحوال إلى العدل؛ فكم من الأولاد الكبار أخذوا أموالا طائلة من والديهم في باب تلك الحاجات، وحين طرأت الحاجة لبقيتهم وجدوا والديهم قد توفوا، وربما أن الأوائل قد اجتاحوا أكثر مال والديهم؛ فهذا ظلم مبين لا مخرج منه شرعا إلا بما ذكر.
وما تقرر هنا يغني عن أن يوصي الوالد لأولاده الباقين بعد وفاته بمثل ما أعطى الأوائل.
كما أنه يعالج العدل مع البنات؛ فإن مثل هذه الحاجات لا تطرأ لهن غالبا؛ فإن طرأت لهن هذه الحاجات بعد وفاته بسبب طلاق أو ترمل أو عجز وجدن أن والدهن قد وَفَى لإخوانهن أغلب ما يحتاجونه من مسكن ومركب، وبقيت البنات دون تحقيق ذلك لهن.
أما بما ذكرناه فقد تحققت الموازنة بين سداد حاجة الأولاد، وبين علاج حرمان البقية، والعدل إنما يكون بحسب الإمكان، وهذا أقربُه.
ومنه يتبين أنه لا يجوز له أن يوصي ببقائهم في تلك البيوت بعد موته بمقابل ولا بدونه؛ لأنه مالٌ آل إلى غيره؛ فيقتسمونه تراضيا، أو إجبارا من المحكمة، أو بيعا لها وقسمة أثمانها.
وأما محاباتهم في البيع والتأجير فلا أراه مع ما ذكرناه في تقرير هذه المسألة؛ لأن وفاءَ حاجاتهم متحققٌ عمليا دون تكليفهم بالدفع فورا. والله أعلم.

وصية    ولد    أب    أمّ    سكنى    أجرة    أجرة المثل    عَدل