الرئيسة    الفتاوى   الوصايا والتبرعات   مصرف فائض غلة الوقف بعد تنفيذ الوصية

مصرف فائض غلة الوقف بعد تنفيذ الوصية

فتوى رقم : 20389

مصنف ضمن : الوصايا والتبرعات

لفضيلة الشيخ : سليمان بن عبدالله الماجد

بتاريخ : 07/04/1438 06:45:38

س: هل يجوز للناظر تقسيم ما يفضل من ريع الوقف على الورثة بعد تنفيذ ما حدده الموصي من أوجه الصرف التي حددها من أعمال الخير والحج والأضحية والصدقة الجارية ؟
علماً بأن الموصي لم ينص على ذلك ، والورثة أغنياء، والوصية قديمة جدا.

ج: الحمد لله، أما بعد؛ فما نَصَّ عليه الواقفُ أنه يُصرف لأولاده أو غيرهم ولو كانوا أغنياء؛ فيجب الوفاء به؛ في قول جماهير أهل العلم، ولكن لا أجر له؛ إن كان يعلم بغناهم عنه، أو لم يقيد دفعه إليهم بالحاجة؛ لأن الثواب إنما يكون وَضْعُ الشيء في موضع الضرورة أو الحاجة؛ وليس في المباح.
وأما ما أَوْصَى به المسلمُ أو وَقَفَهُ وذَكَرَ فيه مُعَيَّناتٍ مُحدَّدةً، وسَكَتَ عما فَضَل بعد تنفيذ المُعَيَّنَاتِ؛ فالصحيح: أنه يُصرف في وُجوه البر؛ بحَسْب ما يراه الناظر أكثر أجرًا للواقف؛ لأن مقاصد الوقف الشرعية والعُرفية هي قَصْد البر والإحسان والأجر والثواب، وهذا لا يكون للأغنياء.
ويُبنى ذلك على مَقْصِد الواقف مِن خلال النص والإشارة، ثم البواعث والأسباب، وكذلك القطعي أو الظاهر مِن أحوال الناس مع أنفسهم وأقاربهم.
قال ابن عبد السلام في «قواعد الأحكام» (2/126): (فَصْلٌ: في تَنْزِيل دِلالة العَادات وقرائن الأحوال مَنْزِلة صَرِيح الأقوال في تخصيص العموم وتقييد المطلق وغيرهما، وله أمثلةٌ ...)، ثم سَرَدَ جُمْلَةً منها.
وقال ابن تيمية في «الفتاوى الكبرى» (4/258):(... مع أن التحقيق في هذا: أن لفظ الواقف ولفظ الحالف والشَّافِع والمُوصي وكُلِّ عاقدٍ يُحْمَل على عَادَتِه في خِطابه ولُغته التي يتكلم بها ... وكذلك في خطاب كل أُمَّةٍ وكل قومٍ؛ فإذا تخاطبوا بينهم في البيع والإجارة أو الوقف أو الوصية أو النذر أو غير ذلك بكلامٍ رُجِع إلى معرفة مُرادهم وإلى ما يدل على مرادهم: مِن عادتهم في الخطاب، وما يَقترن بذلك مِن الأسباب)أهـ.
وفي تطبيق هذه القاعدة هنا يُقال: إن النص الصريح على قِسمة الفاضل على الأولاد في الوصايا القديمة التي كانت في هذه البلاد قبل الطفرات الاقتصادية التي تلت اكتشاف النفط وتصديره يجب أن تُفهم مَقاصدهم مِن خلال الأسباب والبواعث التي كانت في ذلك الوقت؛ وذلك أنهم يرون أن حالة حاجة ذُرِّيَّاتهم قد تكون مستمرةً بالنظر إلى قُرونٍ مُتطاولةٍ سابقةٍ مِن شَظَفِ العَيْش ومُعاناةِ طَلَبِ الرِّزق، ولم يخطر ببالهم هذه التحولات التي ظهرت مُؤخرًا؛ فهذه الحال لها أثرها في تحديد مُرادهم، وهو قَصْدُ تحقيق الكفاية، وسَدُّ حاجتهم.
ومِن وجهٍ آخر: فإن الواقفين والمُوصين في الوقت الحاضر لا يكادون يختلفون في أنهم لا يُوقفون على الأغنياء، وإنما يحترزون أن الذُّرِّيَّة أحق بالمَصْرف إذا احتاجوا إلى ذلك.
ونظير ذلك: ما قرَّره المُوفق ابن قدامة في (مسألة اليمين) إذا لم يَعْرِف الحالِف نيتَه، وأنه يرجع: (إلى سَبَبِ اليمين، وما هيَّجها؛ فيَقُوم مقام نيته).
حتى رَتَّبَ المالكية أدوات التَّعَرُّف على مقاصد المُكلفين على هذا النحو: (النية، والبِساط، والعُرف القولي، والمَقْصِد اللغوي، والمقصد الشرعي) وأن (البِساط نيةٌ حكميةٌ) كما في «حاشية الدُّسُوقي» (6/447 - 459)، واعتبروه فيما هو أعظم خطرًا مِن عُقود التَّبرُّعات، وهو الطلاق والعتاق.
فإذا كان بِساط الحال الذي دَفَعَ بعضَهم إلى الوقف على الأولاد هو حال الفَقْر والمَسْغَبة؛ فإن هذا الباعث مُعتبرٌ في الثبوت؛ فيدخلون في الاستحقاق، وكذلك في العَدم، أي عدم الحاجة؛ فلا يستحقون منه شيئًا.
فعليه لا تكون العادة الجارية آنذاك مفسرة لمرادهم عند السكوت عن مصرف الفَاضل بعد المُعَيَّنات وما رأوه أنه جار على عادتهم في قِسمته بين الذُّرِّيَّة، ووجه ذلك هو أن هذه العادة أصلًا كانت لسببٍ وباعثٍ تجب مُراعاته ثبوتًا للاستحقاق ونفيًا له.
وخلاصة ذلك: أن الواقف إذا سَكَتَ عن مَصْرِف رِيع الوقف أو بعضه؛ فإنه يُصرف في وُجوه البر المتنوعة، ولا يُنظر -حينئذٍ- إلى العادة الجارية على النحو المذكور. والله أعلم.