الرئيسة    الفتاوى   صلاة أهل الأعذار   حكم شهود الجمعة والجماعة للمسافر إذا كان نازلا في بلد

حكم شهود الجمعة والجماعة للمسافر إذا كان نازلا في بلد

فتوى رقم : 1930

مصنف ضمن : صلاة أهل الأعذار

لفضيلة الشيخ : سليمان بن عبدالله الماجد

بتاريخ : 22/10/1429 11:29:00

س: السلام عليكم .. بارك الله فيكم .. إذا كان الشخص مسافراً وبالقرب منه مسجد، فهل تلزمه صلاة الجمعة والجماعة في المسجد؟

ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. فالمسافر هو من أراد قطع المسافة الطويلة التي تعد سفرا عرفا ؛ كثمانين كيل ، وشرع في ذلك بتجاوزه بنيان بلده ، ويبقى مسافرا حتى يرجع إلى بلده ما لم يقطع هذا السفر بإقامة عرفية ، يتحقق فيها سكن المثل ومدته ؛ كأكثر الموظفين والطلبة الذي ينزلون غير بلدهم للعمل والدراسة.
ومن عدا ذلك كالحجاج والمعتمرين والسياح والزائرين والمنتدبين فهم مسافرون حتى يعودوا إلى بلدانهم ، وعلى ذلك ظاهر هدي النبي صلى الله عليه وسلم وطريقة أصحابه رضي الله عنهم وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم وغيرهما ، وتفصيل ذلك في رسالة على هذا الموقع.
وأما شهود المسافر للجمعة ولا الجماعة فغير واجب عليه سواء كان سائرا شاخصا ، أو نازلا في بلد يسمع النداء .
وذلك لما روى الطبراني في "المعجم االأوسط" (1/249) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: "ليس على مسافر جمعة" .
وقال به جمع من الصحابة ولم يُعرف لهم مخالف ؛ فكان حجة على من بعدهم.
ويقال من حيث المعنى : إن الوصف الذي ترخص بسببه المسافر بترك الجمعة هو السفر ؛ فعليه يقال : من بقي في حقه هذا الوصف كان مستحقا للرخصة ؛ إذْ لا فرق في الشريعة بين حال النزول وحال السير في ثبوت ذلك الوصف ، ومن ادعى الفرق فعليه البيان.
وهذا الحكم يشمل إنشاءها من جماعة المسافرين ؛ فلا جمعة عليهم ؛ بل لا يُشرع لهم إنشاؤها وحدهم ؛ لترك النبي صلى الله عليه وسلم إقامتها في سفره ؛ رغم وجود المقتضي وانتفاء المانع ، وكونها قربة تعبدية محضة ، كما يشمل سقوط وجوبها عن المسافر مع جماعة المقيمين في أي مكان وجد .
وقد صح عن عمر بن عبد العزيز أنه ترك شهود الجمعة في سفره مع الناس ، وكان في البلد ؛ ففي "المصنف" لابن أبي شيبة (2/14) عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك ، قال : خرج عمر بن عبد العزيز من دبق ، وهو يومئذ أمير المؤمنين ؛ فمر بحلب يوم الجمعة فقال لأميرها : جمِّع فإنا سفر .
وهذا قول الجماهير من السلف والخلف ، ولم يُحْكَ خلاف في ذلك عن المتقدمين إلا عن الزهري والنخعي ، ويرى بعض العلماء كابن حجر في "فتح الباري" (2/391) أن ما جاء عن الزهري محتمل للاستحباب .
وقال ابن قدامة في "المغني" (4/180) : ( .. وأما المسافر فأكثر أهل العلم يرون أنه لا جمعة عليه كذلك . قاله مالك في أهل المدينة ، والثوري في أهل العراق ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبو ثور وروي ذلك عن عطاء ، وعمر بن عبد العزيز ، والحسن ، والشعبي .) ..
.. ( وحكي عن الزهري ، والنخعي ، أنها تجب عليه ؛ لأن الجماعة تجب عليه ، فالجمعة أولى ، ولنا ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسافر فلا يصلي الجمعة في سفره ، وكان في حجة الوداع بعرفة يوم جمعة ، فصلى الظهر والعصر ، وجمع بينهما ، ولم يصل جمعة ، والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم ، كانوا يسافرون في الحج وغيره ، فلم يصل أحد منهم الجمعة في سفره ، وكذلك غيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم ) أهـ .
وقال الأمير الصنعاني في "سبل السلام" (2/58) : ( .. وقيل: لا تجب عليه ؛ لأنه داخل في لفظ المسافر ، وإليه ذهب جماعة من الآل أيضاً، وهو الأقرب ؛ لأن أحكام السفر باقية له من القصر ونحوه ، ولذا لم ينقل أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى الجمعة بعرفات في حجة الوداع ؛ لأنه كان مسافراً) أهـ .
ومما يدل على عدم وجوب شهود الجماعة في المسجد للمسافرين حديث يزيد بن الأسود العامري قال: شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته انحرف فإذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه، فقال: «علي بهما» ، فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال: «ما منعكما أن تصليا معنا» ، فقالا: يا رسول الله، إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: «فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة» رواه الترمذي في "السنن" (1/424) والنسائي في "السنن" (2/112) وهو صحيح، وقد دل على إقراره لهما على ترك الجماعة في السفر ؛ كما أن فيه جوابا عمن استدل به على إسقاط الجماعة في الحضر ؛ حيث كانا مسافرين.
وأما الحديث الذي أخرجه أبو داود في "السنن" عن عبدالله بن عمرو مرفوعا : "الجمعة على من سمع النداء" وغيره مما يدل على وجوب الجمعة أو الجماعة فهي عامة، وما ورد هنا فهو خاص بالمسافر ، وهو يَرِدُ على قول المخالفين فيمن عبر في سفره قرب بلد يسمع فيه النداء ؛ حيث لا يوجبون عليه شهود الجماعة ؛ فلا يجوز أن يحتجوا به على من قال بالرخصة للنازل ما دام متصفا بوصف السفر ؛ لعدم الفرق بين الحالين ؛ فمن قال بوجوب شهودها للنازل بسبب السفر لزمه القول بوجوبها على العابر .
وأما ما استدل به بعض أهل العلم من مشروعية صلاة الخوف جماعة ، وأن ذلك دليلٌ على وجوبها على المسافر في المسجد فالجواب عنه من وجهين :
الأول : أن محل النزاع هو شهودها في المسجد ، وأدلة صلاة الخوف لا توصل إلى هذا المطلوب ؛ فغاية ما تدل عليه : وجوبها على المسافر في موضعه ؛ فبطل الاستدلال به على وجوبها في المسجد .
الثاني : أن غاية ما يدل عليه شَرْعُ صلاة الخوف هو فضل الجماعة ، وليس فيها ما يدل على وجوبها ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مع قصره لأركان الصلاة في سفره ، وأدائه لها في غير وقتها عند الجمع بين الصلاتين : لم يكن يدع الوتر ، ولا سنة الفجر، ومع ذلك لم تكونا واجبتين ؛ فغاية ما يدل مشروعية صلاة الخوف هو مطلق استحباب الجماعة وتأكيد فضلها ، ولا نزاع في هذا .
ولا يختلف أهل العلم على أن شهود المسافر للجمعة والجماعة ـ مع عدم المشقة والحاجة ـ أفضل من تركها. والله أعلم .