الرئيسة    الفتاوى   أحكام الموظفين والطلبةوالعمال   جعل الإجازة يومي الجمعة والسبت

جعل الإجازة يومي الجمعة والسبت

فتوى رقم : 17517

مصنف ضمن : أحكام الموظفين والطلبةوالعمال

لفضيلة الشيخ : سليمان بن عبدالله الماجد

بتاريخ : 27/08/1434 10:26:10

س: ما حكم تغيير أيام الإجازة إلى الجمعة والسبت بدلا من الخميس والجمعة؟

ج: الحمد لله أما بعد .. فلا أرى بأسا في جعل الإجازة يومي الجمعة والسبت ؛ لأنها من الأمور العادية ، التي يكون المعتبر فيها هو السياسة الشرعية.
وقد اعترض البعض على ذلك بكونه تشبها باليهود والنصارى ، وهذا فيه نظر فإن القاعدة في التشبه الممنوع هي في كون الشيء من خصائص من نُهينا عن التشبه بهم ، ولم يعد هذا من خصائصهم بل استحال أمرها حتى صارت للجميع ، وقد أفتى الكثير من العلماء - إن لم يكن إجماعا معاصرا - بتغير حكم التشبه في لبس البنطال والسترة (الجاكيت) ؛ لكون هذا اللباس قد تحول من كونه من خصائصهم إلى مشاركة الناس لهم مسلمين ونصارى وغيرهم .
وهناك من اعترض على ذلك بكون عطلة اليهود هي يوم السبت ، وفيه نظر أيضا إذْ أن عطلتهم كانت عطلة تعبدية لا عطلة راحة ومصلحة ؛ فإنهم يتركون العمل يوم السبت تعبدا ، وليس هذا هو الواقع عند المسلمين.
ولمن لم ير اعتبار قاعدة الاستحالة أقول: إن التشبه يزول بالمخالفة بالزيادة ، أو النقص ، وإن حصل الاتفاق في البعض، وقد ثبت ذلك من السنة في حديثين:
الأول: حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال : حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع» رواه مسلم في "الصحيح" (2/797) .
وقد صح من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما، بلفظ : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟» ، قالوا: هذا يوم صالح ، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، قال: «فأنا أحق بموسى منكم» ، فصامه، وأمر بصيامه. رواه البخاري في "الصحيح" (3/44) .
فثبت أن صورة التشبه تزول بالزيادة ؛ كالذي نحن فيه ؛ بل إن مسألة الإجازة يوم السبت مع الجمعة أولى بالجواز ؛ لأن ما توافق فيه الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود في هذا اليوم = تعبد محض وهو الصيام ، وقد جعل صلى الله عليه وسلم تحقق المخالفة = بالزيادة عليهم ؛ بينما العمل في هذه المسألة عمل عادي لا تعبدي ؛ فكان أولى بالجواز مما جاء في حديث ابن عباس.
والثاني: حديث أبي أمامة قال: قلنا: يا رسول الله، إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تسرولوا وائتزروا وخالفوا أهل الكتاب". قال: فقلنا: يا رسول الله، إن أهل الكتاب يتخففون ولا ينتعلون. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فتخففوا وانتعلوا وخالفوا أهل الكتاب". الحديث رواه أحمد في "المسند" (36/613) وهو حديث جيد ، حسنه ابن حجر في "فتح الباري" (10/354) وغيره .
فهذا الحديث ظاهر أن التشبه لا يقع بمطلق الموافقة ؛ بل إذا حصلت المخالفة بالتنويع = انتفى التشبه ، وما نحن فيه أولى بالجواز أيضا ؛ لأن المخالفة هنا كانت في أمر واحد وهو إجازة نهاية الأسبوع ؛ فكانت صورة المخالفة مستشعَرة ظاهرة ؛ بينما صورة المخالفة في حديث أبي أمامة غير ملحوظة في النوع الواحد من اللباسين ؛ لكون المخالفة بالانتعال كانت في وقت مختلف عن التخفف.
وفي معنى المخالفة بالزيادة يقول ابن عابدين في "الدر المختار" (2/376) : عند كلام الماتن فيما يُمنع من الصيام تحريما كالعيدين. وتنزيها كصوم عاشوراء وحده وسبتٍ وحده ، قال الشارح: (..لو صام معه يوما آخر فلا كراهة؛ لأن الكراهة في تخصيصه بالصوم للتشبه ، وهل إذا صام السبت مع الأحد تزول الكراهة؟ محل تردد؛ لأنه قد يقال: إن كل يوم منهما معظم عند طائفة من أهل الكتاب ففي صوم كل واحد منهما تشبه بطائفة منهم)..
..(وقد يقال: إن صومهما معا ليس فيه تشبه؛ لأنه لم تتفق طائفة منهم على تعظيمهما معا ، ويظهر لي الثاني ؛ بدليل أنه لو صام الأحد مع الاثنين تزول الكراهة؛ لأنه لم يعظم أحدٌ منهم هذين اليومين معا ، وإن عظمت النصارى الأحد ، وكذا لو صام مع عاشوراء يوما قبله أو بعده مع أن اليهود تعظمه)..
..(ويظهر من هذا أنه لو جاء عاشوراء يوم الأحد أو الجمعة لا يكره صوم السبت معه ، وكذا لو كان قبله أو بعده يوم المهرجان أو النيروز )أهـ.
وقد تحاور كثيرون في هذه المسألة حوار أخوة ومحبة ، وبحث عن الحق فتعاذروا فيما بينهم ؛ فكانوا على نهج الربانيين ، وحاور قلة آخرون حوار قطع ويقين ، وتهمة وتخوين ، ولم يكن هذا نهج السلف السابقين ، ولا العلماء الربانيين ؛ بل بدا هنا في تقليب ابن عابدين رحمه الله لمسألة التشبه في الصيام على الأوجه المتعددة نَفَس العالم المحقق.
وأخطر ما يقع في مثل هذه المسائل = الاصطفاف المذموم ؛ حيث يرى بعضهم أن من قال بقول في مسألة ما فهو كذا ، ومن قال بغير قوله فهو كذا ، وهذا من ضعف التجرد ، ومن تضييع حق الأخوة في الدين ؛ الذي اتفق العلماء على قطعيته. والله تعالى أعلم.