الرئيسة    الفتاوى   الإيمان   إشكالات في عبادة التوكل على الله تعالى

إشكالات في عبادة التوكل على الله تعالى

فتوى رقم : 13662

مصنف ضمن : الإيمان

لفضيلة الشيخ : سليمان بن عبدالله الماجد

بتاريخ : 27/01/1432 22:52:25

س: فضيلة الشيخ .. قرأت كثيراً عن التوكل ، ولكن عندي شبهات أرجو كشفها، وهي: هل التوكل يرد المقدور؟ وهل التوكل يؤدي إلى وقوع المقدور حسب ما يريد العبد؟ وهل معنى الحسب والكفاية في قوله تعالى : "ومن يتوكل على الله فهو حسبه"، وقوله: "أليس الله بكاف عبده" أن يقضي الله الخير للعبد حيث كان ثم يرضيه به وإن كان في قالب ضراء في نظر العبد القاصر بخفايا الأمور ومآلاتها وأن تكون العاقبه له ولو بعد حين كما قال تعالى: "والعاقبة للمتقين"؟ وكيف نجمع بين قوله عليه الصلاة والسلام : "احفظ الله يحفظك"، وقوله تعالى: "والله يعصمك من الناس" وبين أنهُ سُحِرْ وقد شجًََت رباعيته يوم أحد وهناك من أهل العلم من يقول: إنه قتل بالشاة المسمومة؟ وكذلك ما ورد عن بني إسرائيل أنهم قتلوا أنبياءهم مع أنهم يحفظون الله بالاستقامة على طاعته؟

ج: توكل العبد على الله هو أن يعتمد عليه، وأن يثق في قدرته التامة على تدبير الأمور كيف شاء متى شاء . قال تعالى: "ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه"، وقال تعالى: "رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا"، وقال تعالى: "ومن يتوكل على الله فهو حسبه"، وقال تعالى: "قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ"، وقال جلَّ وعلا: "فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ". وقوله عليه الصلاة والسلام: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف" رواه أحمد والترمذي من حديث ابن عباس ، وروى أيضا: عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أنكم توكلون على الله حق توكله؛ لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً". والآيات والأحاديث في فضل التوكل ووجوبه وآثاره الحميدة في الدنيا والآخرة كثيرة لا يحصيها عد .
والتوكل على الله لا يعارض فعل الأسباب؛ ولا ينافيها؛ قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ"، وقال سبحانه: "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ"، وقد دلت السنة على ذلك.
فالأخذ بالأسباب هو من صحيح التوكل، وقوة اليقين، لكن دون التعويل عليها وحدها، وترك المسبب وهو الله سبحانه، فاعتماد المرء على الأسباب وحدها خلل في عقيدته ، وترك أخذه بالأسباب خلل في عقله ، قال ابن القيم في "طريق الهجرتين" (ص389) : (.. التوكل يجمع أصلين: علم القلب وعمله: أما علمه: فيقينه بكفاية وكيله، وكمال قيامه بما وكله إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك ) ..
.. (وأما عمله: فسكونه إلى وكيله وطمأنينته إليه، وتفويضه وتسليمه أمره إليه، ورضاه بتصرفه له فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه ؛ فبهذين الأصلين يتحقق التوكل، وهما جِماعه، وإن كان التوكل دخل في عمل القلب من علمه، كما قال الإمام أحمد: التوكل عمل القلب ولكن لابد فيه من العلم، وهو إما شرط فيه، وإما جزء من ماهيته. والمقصود: أن القلب متى كان على الحق كان أعظم لطمأنينته ووثوقه بأن الله وليه وناصره وسكونه إليه ؛ فما له أن لا يتوكل على ربه) انتهى .
أقول : وما وقع للأنبياء والأولياء من أنواع الابتلاء ليس هو من ضعف التوكل ، ولا يدل على نقصه عندهم ؛ بل التوكل عقيدة سابقة للمخوف يريدها الله من العبد ، ومن منافعها أن تكون عونا له على تحمل ما يحذره ويخافه ، وما يقع بعد ذلك منه إنما هو ابتلاء وامتحان ، أو كفارة ورفع درجة ، تزيد الإيمان والتقوى ؛ قال تعالى : "ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما". والله أعلم .

إشكال    توكل    شبهة    قَدَر    تعارض    سبب