الرئيسة    الفتاوى   العشرة والفرقة بين الزوجين   تقديم طاعة الزوج على طاعة الوالد

تقديم طاعة الزوج على طاعة الوالد

فتوى رقم : 12402

مصنف ضمن : العشرة والفرقة بين الزوجين

لفضيلة الشيخ : سليمان بن عبدالله الماجد

بتاريخ : 02/04/1431 05:46:32

س: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. هل طاعة الزوج مقدمة على طاعة الوالدين؟

ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. إذا تزوجت المرأة انتقل وجوب الطاعة من الأب إلى الزوج؛ إذْ لا يستقيم أمر الأسرة مع كون الزوجة مشتتة بين طاعة اثنين، وهذا من رحمة الله بعباده.
ولكن يشتبه عند البعض هنا القول بوجوب طاعة الزوج، وما يجب على الزوجة من حقوقٍ سواء لنفسها، أو لوالديها؛ من الزيارة والصلة، والتي قد تأتي منهما في صورة الأمر أو النهي؛ فيظن البعض أن هذا من تعارض الأمرين؛ كتعارض أمر الحاكم والأب، وليس كذلك؛ بل هو من التعارض بين أمر الزوج الذي يكون أصله الوجوب، وبين حقوق الوالدين، أما أوامرهما التي لا تتعلق بحقوقهما الواجبة فلا طاعة لهما على ابنتهما المزوجة.
فإذا تعارض عند الزوجة حق زوجها في الطاعة مع الحقوق الواجبة عليها عُولج هذا بإعمال الأصول والقواعد الكلية؛ فمنها:
1. أن معاملة كل من الزوجين للآخر إنما هي بالمعروف في الحقوق والواجبات؛ لقول الله تعالى: "وعاشروهن بالمعروف"، وقوله سبحانه: "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف"، ومن الأحكام الإجمالية المبنية على ذلك أن ما كان معروفا في المجتمع أنه من الحقوق اللازمة لأحدهما على الآخر وجب على كل منهما أن يؤديها لصاحبه.
2. رعاية القواعد العامة في تعارض المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات؛ فليست المسألة الزوجية استثناء من هذه القواعد.
3. إعمال أصول الشريعة في رفع الحرج؛ كقوله تعالى: "ما جعل عليكم في الدين من حرج" وقوله تعالى: "فاتقوا الله ما استطعتم"، وقوله تعالى: "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها"؛ فما شق على الزوجة من أوامر زوجها كانت في حل منها، سواء كانت المشقة نفسية أو بدنية.
4. اعتبار المبادئ الأخلاقية من الصبر والتغاضي وكف الأذى والعدل والإنصاف من النفس.
5. العناية بأعمال القلوب من خوف الله ، وتعظيمه وقدره حق قدره ؛ فقد قال الله تعالى بعد ذكر بعض التشريعات في النكاح: "وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ".
وينبني على هذه الأصول مسائل:
الأولى: جواز طاعة الزوجة زوجها، ولو تركت الحقوق التي عليها؛ كصلة الوالدين بالزيارة؛ إذا رأت أن مصلحة جمع شمل أسرتها أولى بالرعاية من بر والديها، وهنا يكون إثم ترك البر الواجب على من تسبب بتركه وهو الزوج.
الثانية: أن الزوجة تأثم إذا تركت حقوقا معروفة للوالدين؛ كالزيارة التي تجب على مثلها بحجة أن زوجها منعها من ذلك، دون معارض أكبر صحيح؛ كخشية فساد الحال بين الزوجين؛ فإذا لم تخش ذلك، وكان الزوج متسامحا في تنفيذ أوامره، أو قابلا لتعويده على رعاية حقوقها، ومع هذا لم تقم بواجب الزيارة ـ لمجرد نهيه ـ فهي آثمة.
وليس هذا بدعا من أحكام الشريعة؛ فإن لها أن تعصيه وتنشز عليه إذا لم يوف لها شروطها في النكاح، ومن المعلوم أن شرط الله أوثق، وحكمه بالحقوق الواجبة لوالديها أعلى وأجل.
بل إن بعض النساء تضيع هذه الحقوق الواجبة لمجرد رغبة زوجها أو كراهته؛ ظنا منها أن هذا من حسن تبعلها.
الثالثة: وجوب تقديم المرأة طاعة الزوج على أمر الوالدين إذا كان أمرهما أو توجيههما يتعلق بحياتهما الزوجية الخاصة بهما، أو لم يكن من الحقوق الواجبة للوالدين.
الرابعة: أن للمرأة رخصةً في ترك طاعة زوجها فيما فيه عقوق أو قطيعة، أو كان عليها في ذلك مشقة وحرج؛ لقوله تعالى: "ما جعل عليكم في الدين من حرج"، ولتحتمل هي ما قد يحدث لعلاقتها مع زوجها من ضرر أو انفصام.
ولا يقال هنا: إن في هذا تسليطا للمرأة على زوجها إذا جعلنا تقدير هذه الأمور إليها ـ كما يردده كثير من العامة وبعض الخاصة ـ فإن الجواب عن ذلك أن يُقال: إن الحياة الزوجية مشاركة بين الزوجين، ولا يجوز لأحدهما أن يبخس الآخر حقه فيها، وقد قال الله تعالى: "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة" فالأصل هو تساوي الزوجين في الحقوق والواجبات، والدرجة المذكورة في الآية هي القوامة التي تقتضي الحفظ والرعاية والنفقة ، وتقتضي كذلك طاعة المرأة لزوجها في جميع أمور الزوجية عدا ما فيه معصية أو حرج أو مخالفةٍ لمقتضى شرطها عليها ، أو مخالفةِ عُرف سائد هو في الحقيقة شرط ضمني يجب الوفاء به .
ووجوب طاعة الزوجة لزوجها ـ فيما عدا الأحوال المستثناة ـ درجةٌ زائدة فُضِّل الرجل بها على زوجته ؛ لأن الأمور لا تستقيم إلا بمدير واحد ، لا أنه يجب عليها طاعته مطلقا .
ومن المقرر عند أهل العلم أنها إذا خالفته في هذه الأمور المستثناة لم تكن آثمة ولا ناشزا ، ولا يحل له أن يمنعها بسبب ذلك نفقة ، ولا أن يهجرها في فراش ولا في غيره ، وإذا ضارها أو خالعها بسبب ذلك كان آثما مستحقا للعقوبة .
الخامسة: يحرم على الزوج أن يمنع زوجته مما يكون برا واجبا لوالديها بالمعروف ؛ ما لم يتحقق بذلك ضرر ظاهر في إفسادها عليه ، أو الخوف على عرضها في بيت أهلها ، وليحسن تقدير ذلك ، وليحتمل هو الأضرار المترتبة على المنع من احتمال فساد حياتهما الزوجية ؛ إذا شق ذلك على زوجته ؛ فترخصت بترك طاعته .
* * *
وقد أخطأ في ذلك فريقان ، وكل فريق يستدل من كلام الأئمة ما يؤيد به توجهه ؛ من وجوب الطاعة مطلقا ، أو تقديم أمر الوالد على الزوج .
وقد رأيت بالاستقراء أن كلام هؤلاء الأئمة لم يخرج عن اعتبار هذه القواعد ، ولكن قد يُجيب الواحد منهم بجواب مطلق ، وهو إنما استحضر الحال المعينة ؛ فتكون بمنزلة حوادث الأعيان ، التي يكون الحكم خاصا بهذه القضية وأمثالها دون غيرها .
فمن كلام الأئمة والفقهاء في ذلك:
قول الإمام مالك رحمه الله فيما جاء في "التاج والإكليل": ( .. سئل مالك عن الرجل يتهم ختنته بإفساد أهله ، فيريد أن يمنعها من الدخول عليها؟ فقال: ينظر في ذلك ، فإن كانت متهمة منعت بعض المنع ، لا كل ذلك ، وإن كانت غير متهمة لم تمنع الدخول على ابنتها).
فقول مالك (بعض المنع) توسط وموازنة بين المصالح والمفاسد ، وقوله : (وإن كانت غير متهمة لم تمنع الدخول على ابنتها) توجيه منه للزوج ، ولا إلزام فيه على الزوجة بقبولهما في بيته ؛ دون مراعاة المصالح والمفاسد ، التي قد تقتضي المنع أو الجواز .
وقول ابن قدامة في "المغني" : ( .. ولكن لا ينبغي للزوج منعها من عيادة والديها وزيارتهما ؛ لأن في ذلك قطيعة لهما وحملا لزوجته على مخالفته، وقد أمر الله بالمعاشرة بالمعروف، وليس هذا من المعاشرة) أهـ .
فكلامه موافق لما ذكر ، وليس إلزاما لها بالعيادة مطلقا ، ولا أنها تترك الموازنة بين المصالح والمفاسد .
وقول المرداوي في "الإنصاف" : ( .. الصواب في ذلك : إن عرف بقرائن الحال أنه يحدث بزيارتهما أو أحدهما له ضرر فله المنع وإلا فلا ) أهـ.
فهذا توجيه بأن للزوج ذلك ديانة ؛ أي أنه لا يأثم بذلك ، ولا يعني أن الزوجة تأثم إذا خالفته ؛ فلها تقدير المصالح والمفاسد في ذلك .
وقول ابن تيمية : ( قوله‏ : "‏فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ‏"‏ ‏، يقتضي وجوب طاعتها لزوجها مطلقًا من خدمة، وسفر معه، وتمكين له، وغير ذلك ..‏ فإن كل طاعة كانت للوالدين انتقلت إلى الزوج، ولم يبق للأبوين عليها طاعة، تلك وجبت بالأرحام، وهذه وجبت بالعهود ) أهـ .‏
فكلامه هنا في الخدمة والسفر والإقامة والتمكين ، وهي التي لا يُنظر فيها إلى أمر الوالدين ، ولم يتعرض للحقوق الواجبة للوالدين ، ولا ما فيه حرج ومشقة عليها .
وفي "مجموع الفتاوى" له : ( وسئل رحمه الله عن امرأة تزوجت، وخرجت عن حكم والديها، فأيهما أفضل‏:‏برها لوالديها، أو مطاوعة زوجها‏؟‏ فأجاب‏ :‏ الحمد رب العالمين، المرأة إذا تزوجت كان زوجها أملك بها من أبويها، وطاعة زوجها عليها أوجب .. فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه سواء أمرها أبوها أو أمها أو غير أبويها باتفاق الأئمة‏ ) ..‏
.. ( وإذا أراد الرجل أن ينتقل بها إلى مكان آخر مع قيامه بما يجب عليه وحفظ حدود الله فيها ونهاها أبوها عن طاعته في ذلك، فعليها أن تطيع زوجها دون أبويها؛ فإن الأبوين هما ظالمان، ليس لهما أن ينهاياها عن طاعة مثل هذا الزوج، وليس لها أن تطيع أمها فيما تأمرها به من الاختلاع منه أو مضاجرته حتى يطلقها، مثل أن تطالبه من النفقة والكسوة والصداق بما تطلبه ليطلقها، فلا يحل لها أن تطيع واحدًا من أبويها في طلاقه إذا كان متقيًا لله فيها‏ .‏..‏ ) أهـ .
فكلامه هنا في إدارة الزوج لأموره الزوجية ؛ كالذي تقدم في كلامه السابق .
وبالجملة فأمر الزوج ليس أولى ولا أعلى من أمر الله ، الذي لا تجب طاعته إلا في حال القدرة والسعة ، لا حال الضيق والحرج ؛ رحمة لعباده ومنة عليهم وفضلا .
ثم ليعلم الزوجان أن هذه إنما هي أحكام جملية ، وليس للزوجة أو الزوج أن ينتظرا وجود أحكام تفصيلية لكل ما يعرض لهما في حياتهما الزوجية ، لأنها إنما تُبنى على المودة والرحمة ، وتدار بالحكمة ، وتُحفظ بالتغاضي والعفو .
ولو تطلب الزوجان هذه الأحكام التفصيلية لعاشا حياتهما في جدل وخصام لا ينتهيان ؛ وحتى لو وُجدت هذه الأحكام التفصيلية لتنازعا في تطبيقها على الواقعة ؛ فلا خيار عن معالجة المسائل المشكلة بقواعد الأخلاق . والله تعالى أعلم .