الرئيسة    الفتاوى   الحديث   إشكالات في قصة صفوان بن المعطل مع زوجته

إشكالات في قصة صفوان بن المعطل مع زوجته

فتوى رقم : 10448

مصنف ضمن : الحديث

لفضيلة الشيخ : سليمان بن عبدالله الماجد

بتاريخ : 28/09/1430 18:19:54

س: قرأت في كتاب فتاوى إمام المتقين ورسول رب العالمين لابن القيم، الطبعة الثانية والناشر دار المعراج الدولية في صفحة رقم 95 : أن امرأة صفوان بن المعطل السلمي قالت للرسول صلى الله عليه وسلم: إنه يضربها إذا صلت، ويفطرها إذا صامت، ولا يصلى حتى تطلع الشمس، فسأله عما قالت، فأجاب، ولكن سؤالي عن قوله: "إنا أهل بيت لا نكاد أن نستيقظ حتى تطلع الشمس، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: "صل إذا إستيقظت"
أولا: هل الحديث صحيح؟ وثانيا: ما معنى كلامه: "إنا أهل بيت لا نستيقظ حتى تطلع الشمس"؟ وجزاكم الله خيرا.

ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. الحديث رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، وصححه ابن حبان والحاكم، والحافظ ابن حجر، والألباني. وأعله بعض المحدثين كالبخاري والبزار.
وقد قال آخرون بنكارته متنا، ووجهها عندهم: أن صفوان لما رُمي بعائشة رضي الله عنها فى حديث الإفك قال: (ما كشفتُ كنف أُنثى قط)، فظاهره معارض لحديثنا هذا الذي فيه أن له زوجة.
وقد أجاب عنه ابن القيم بعدم المنافاة ؛ فقال في "إعلام الموقعين" (4/243) : (..فإنه إلى ذلك الوقت لم يكشف كنف أنثى قط ، ثم تزوج بعد ذلك ) اهـ . وبنحوه قال ابن حجر في "الفتح" .
وما طعن فيه بعض العلماء من كون صفوان قد جُعل مع الساقة الذين يكونون خلف الجيش ، وأن هذه الحال التي شكا منها تتنافى مع تلك الوظيفة لخطرها ففيه نظر؛ لأن وظيفة السائق ليست خطرة؛ كخطر وظيفة الحارس والربيئة ، ووظيفة السائق هي جمع ما يسقط من أمتعة الجنود ، وحتى لو كانت وظيفة خطرة فإن مرضه إنما هو حال النوم لا حال اليقظة .
وفيه دليل على أن تقدير أسباب رفع الحرج راجع إلى الإنسان نفسه ، وأنه لا صحة للقول بأن سبيل ضبط ذلك أن يُعتبر ما يتحمله أواسط الناس ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يحْمِله على ما عليه أكثر الناس ، ولأن اعتبار ضابط أواسط الناس يؤدي إلى تكليف الضعيف بما فيه مشقة وحرج ، وهذا خلاف الأدلة التي بينت أن الحرج مرفوع ؛ كما أنه يقتضي أن يُخفَّف عن القوي الشديد مع قدرته ، وهذا خلاف أصول الشريعة .
والضابط الذي دل عليه القرآن ظاهر في قوله تعالى : "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" ؛ فالتكليف مبني على وسع النفس التي وُجه إليها الخطاب ، وليس وسع غيرها .
وإلى هذا ذهب جمع من المحققين منهم أبو إسحاق الشاطبي حيث قرر في "الموافقات" (1/314) أن المكلف في تقدير الحرج والمشقة فقيه نفسه ، وانتصر لهذا القول ، وبين دليله .
وقد قال بعض أهل العلم بخصوصية هذا لصفوان ؛ لأن القول بموجبه يؤدي إلى تذرع الناس بمثل ما تذرع به صفوان ؛ فيكون سدا لباب الحسبة .
فالجواب عن ذلك أن يقال : إن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل ، ويقال أيضا : إن الحديث هو أصل الأصول ؛ فلا نرده بما استقر في الأذهان من فهم قد لا يكون موافقا لفقه الكتاب والسنة .
كما أنه لا تعارض بين نصيحة مثل هذا المتخلف عن الصلاة وبين تصديقه إذا اعتذر بذلك ؛ فنبدأ بالنصيحة كما فعل صلى الله عليه وسلم ، وإذا اعتذر بما يكون له عذر عند الله في الأخذ بالرخصة وكلناه في عذره إلى الله .
ويقال من وجه آخر : إن هناك فرقا بين مقام الناصح والمفتي من جهة ، وبين مقام المحتسب الرسمي والسلطان من جهة أخرى ؛ فليس للناصح والمفتي أن يتقصيا على الناس ، ولا أن يتحققا منهم ، وإنما يكلانهم إلى ديانتهم ، ويأخذان بظاهر أمرهم ، وأما السلطان والمحتسب فلهما ـ دون إيجاب ـ إذا رأيا ضرورة أن يتحققا ؛ حفظا للنظام العام ، وقد تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع صفوان بطريقة الأوليَن ؛ لأنه لم يحتج إلى الثانية . والله أعلم.