: دروس و دورات : دروس
طباعة

  : دروس و دورات : دروس  
استماع تحميل PDF
  بلوغ المرام - الطهارة 8  


الدرس الثامن- كتاب الطهارة

باب  التيمم- الحيض

بسم اللـه والحمد للـه والصلاة والسلام على رسول اللـه وعلى آلـه وصحبه ومن والاه في حصة هذا اليوم من شرح بلوغ المرام شرح أحاديث التيمم وباب الحيض.

التيمم: مأخوذ من القصد، فكأنه القصد والعمد إلى مطهر من المطهرات الشرعية، وهو في الاصطلاح ما سيأتي بيان صفته وأحكامه، وهو رخصة وعزيمة، نقول بأنه رخصة وأنه عزيمة كما قالـه الشوكاني، وابن دقيق العيد وغير واحد من أهل العلم،

ولكن ما معنى أن يكون رخصة وأن يكون عزيمة في الوقت نفسه، لا سيما وأن بعض العلماء يذكر أن الرخصة خلاف العزيمة، العزيمة ما أمر اللـه عز وجل بفعلـه أمراً جازماً، والرخصة هي التسهيل في لغة العرب، وهي في الاصطلاح: تخفيف الأحكام الواردة في الكتاب والسنة.

كيف توجه أن تقول إن التيمم رخصة وعزيمة؟

لماذا كانت رخصة؟ لأنه تخفيف، لأن عادم الماء نوعان:

عادم حكمي وعادم حقيقي، فالعادم الحقيقي: هو الذي لا يجد الماء، أين الماء؟ لا يجد الماء، لا يرى ماءً، هذا عادم للماء عدماً حقيقياً.

وهناك عادم  للماء عدما حكمياً: وهو أنه في حكم عادم الماء، وهو المريض، فالمريض في حقه رخصة، وهي في حق عادم الماء عزيمة، يعني لا يقول أنا مرخص، ليس هناك ماء فأنا لي رخصة أن لا أتوضأ وأن لا أتطهر، وأن لا أصلي، لا، هي عزيمة في حقه إذا وجد الماء فيجب عليه أن يتوضأ، فإن لم يجد فيجب عليه أن يتطهر بطهارة التيمم، فهي إذاً تكون عزيمة وتكون رخصة، فإطلاق أنها عزيمة مطلقاً، أو أنها رخصة مطلقاً غير صحيح، فهي عزيمة في حال ورخصة في حال آخر.

ذكر المصنف- رحمه اللـه- جملة من الأحاديث في باب التيمم، منها حديث جابر بن عبد اللـه في البخاري: "أوتيت خمساً لم يعطهن نبيٌ قبلي- ذكرها مختصراً- وهي كما في الصحيح: "نصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبعث في قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل فعنده مسجده وطهوره"، لن نقف عند هذه العبارات ولكنه من خصائص هذه الأمة، وهي أن النبي r نصر بالرعب وأحلت لـه الغنائم وكانت الغنائم لم تحل لنبي قبلـه r بل كانت توضع ثم تأتي نار فتلتهمها إن كانت مقبولة عند اللـه عز وجل، وأُعطي النبي r الشفاعة وهي عند علماء أهل السنة هي الشفاعة العظمى وليست الشفاعة الصغرى فالشفاعة الصغرى قد جعلـها اللـه عز وجل لكثير من خلقه من الأنبياء  والملائكة الصحابة، بل إن الإنسان ليشفع لصديقه وقريبه كما جاء ذلك في صحيح البخاري، الشفاعة العظمى التي اختص بها النبي r هي في كونه يشفع للناس في أن يفصل بينهم في الحساب، فإنهم يوقفون عن الحساب في عرصات يوم القيامة فيجد الناس من الشدة ما يجدون كما ذكر في الحديث فتكون الشفاعة لنبينا محمد صلى عليه وآلـه وصحبه وسلم، ثم عموم وشمول هذه الرسالة العظيمة حيث كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعث النبي r إلى الثقلين الإنس والجن فهي دعوة عالمية.

وذكر أيضاً حديث علي بن أبي طالب t: "وجعل التراب لي طهواً" رواه أحمد وهو حديث صحيح.

في هذين الحديث:

المسألة الأولى: مشروعية التيمم.

الثانية: في قولـه r: "وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً"، وقولـه: "وجعل التراب لي طهوراً"، وفي رواية: "وجعلت تربتها لي طهوراً"، هل يختص هذا بالتراب أم أنه يشمل جميع ما وجد على ظهر الأرض فقيل:

القول الأول: أنه يختص بالتراب واستدلوا على ذلك بقول اللـه عز وجل: (فتيمموا صعيداً طيباً بوجوهكم وأيديكم منه)، فمن هنا للتبعيض فلا بد من وجود شيء يلتصق على اليد، فهو من الأرض، والرمل يكون لا يلتصق والسباخ لا تلتصق، والملح لا يلتصق وهكذا، واستدلوا أيضاً بحديث حذيفة: "وجعلت تربتها"، وحديث علي: "وجعل التراب لي طهوراً"، كل هذه الألفاظ تدل على أن الحكم متعلق بالتراب ولا يتعلق بغيره، هذا هو القول الأول ومجمل أدلتها.

القول الثاني: أنه يشمل كل ما على وجه الأرض من التراب والحجارة والسباخ، والرمال مما يكون على وجه الأرض في مكان الصلاة، فأنت في أرض سبخة فصعيدك الأرض السبخة، وأنت في أرضٍ ملح فصعيدك ما على وجهها أو تيممك ما على وجهها من الملح، وكذلك بقية ما يوجد على وجه الأرض، واستدلوا بقولـه r: "الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين"، وسيأتي هذا الحديث قريباً إن شاء اللـه، قالوا الصعيد في لغة العرب هو كل ما صعد على وجه الأرض، وسُمي الصعيد صعيداً لأنه قد صعد وجه الأرض فوجد فوقها فهو صعيد، واستدلوا أيضاً على ذلك- وهو استدلال ابن القيم في زاد المعاد-: بأن النبي r في غزوة تبوك كان في حرٍ شديد وكانوا في قلة من الماء وكانوا يتيممون وكانوا يقطعون المفاوز الكبيرة جداً بين الرمال التي تدركهم فيها صلوات كما هي الحال واقعة بين المدينة وبين تبوك وما كان النبي r يحمل التراب في رحلاته تلك حتى يتيمم به، وهذا هو الراجح- واللـه أعلم- أن الصعيد هو كل ما  تصاعد على وجه الأرض، وجاء أيضاً ظاهر هدي النبي r ليؤكد هذا الـهم لظاهر الآية وأنه قال: "جعلت تربتها لي طهوراً" وترابها فهذا لغلبة الحال- واللـه أعلم- هذا هو اختيار ابن تيمية وابن سعدي وغيرهم من العلماء.

المسألة الثالثة: في حديث حذيفة: "وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء"، فهذا القيد قد دلت عليه الآية حين قال اللـه عز وجل: (فلم تجدوا ماءً)، ولكن اختلف العلماء في دلالة هذا الحديث وهذه الآية هل يشمل الحضر والسفر التيمم لعدم الماء، وليس التيمم للمرض هذه مسألة أخرى؟

فذهب الإمام الشافعي- رحمه اللـه- إلى أن التيمم مشروع في السفر فقط لدلالة الآية، أن الوصف الوارد في الآية للسفر فقط.

وذهب مالك وغيره إلى أنه عام، فمتى ما عدم الماء في سفر كان الإنسان أو حضر جاز لـه التيمم، وهذا هو الصحيح وعليه مذهب الإمام أحمد  وغيره.

المسألة الرابعة: كيف يعرف وجدان الماء ويعرف فقده؟

بما يعرف الناس في عاداتهم فقداناً ووجداناً، وهذه قاعدة عظيمة ذكرها شيخ الإسلام ابن يتمية- رحمه اللـه- في الفتاوى في المجلد التاسع عشر ذكر لـها عشرات الأمثلة مما تطبق عليها في الشريعة، وإن كان بعض الفقهاء قد فصل في هذا تفصيلات دقيقة قد لا تدعو الحاجة إليها لأن الأعراف تختلف والأزمنة تختلف والأحوال تختلف والأوضاع تختلف، يعني ذكروا في هذا حدوداً وقيوداً ليس علـيها إثارة من كتاب أو سنة والصحيح أن هذا يرجع فيه للعرف، بخلاف ما ذكره ابن حزم- رحمة اللـه تعالى عليه- في الطرف الآخر فإنه قال: إذا لم يجد الماء في المكان الذي هو فيه، يعني نظر في رحلـه إذا لم يجد ماء فيتيمم، يكون في الرحل يكون على بعد نصف كيلو هذا لم يجد ماءً، وهذا غير صحيح ومخالف لأصول الشريعة فيما يتعلق بحقائق الأسماء وهي أن ينظر فيها إلى الحد الشرعي ثم اللغوي ثم العرفي، وينظر في ذلك إلى مجموعة أشياء، ينظر إلى مكان الماء وينظر إلى حال المسافر وحال السفر، بعض الناس مثلاً مسافر نزهة بدل أن يذهب إلى هذا البلد يذهب إلى البلد الذي فيه ماء، بدل ما يذهب يرجع إلى المحطة القريبة ليبحث عن الماء، فحال الإنسان في سفره لـها أثر، الأسفار أنواع، حالة الناس في الغنى الفقر لـها أنواع، بعض الناس لو يرجع يتأثر يفتقر، عنده تجارة عنده أشياء معينة يتأثر هذا ما وجد الماء وإنسان عنده غنى لا يتأثر إذا رجع أو تأخر يوما أو يومين أو شهراً أو شهرين، فهو سيان، ومكان الماء أيضاً بعداً وقرباً وأثره في ذلك، الوقت الذي يقضى في هذا نسبة إلى السفر أيضاً لـه أثر في ذلك في النظرة العرفية، وقت الصلاة أو نهايته لـه أيضاً أثر في النظرة العرفية، فرق بين أن يكون في أول الوقت وهو يطمع أن يجد مورد ماء أو يجد محطة وقود أو يجد قرية في هذا القبيل والوقت فيه سعة، فالأحوال والأوضاع والأزمنة تختلف في وجدان الماء فمتى ما عد الإنسان في ظاهر الأمر جاز لـه التيمم سفراً كان ذلك أو حضراً.

ثم ذكر حديث عمار وهي صفة التيمم، قال: بعثني رسول اللـه r في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة ثم أتيت النبي r فذكرت لـه ذلك فقال: "إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه"، أخرجاه في الصحيحين.

هذه صفة التيمم وفيه مسائل:

الأولى: هل دل الحديث على تقديم مسح اليدين على الوجه؟ ما هي صفة التيمم؟ هل هي أن يضرب ضربة واحدة بالتراب ثم يمسح  وجهه ثم يمسح يديه، وهنا قال: "ضرب بيديه ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه"، فجاء الوجه متأخراً، فقيل: بأن الواو هنا تقتضي مطلق العطف ولا تقتضي الترتيب أن هذا وقع بعد هذا، وهذا صحيح فإنه قد وقع في البخاري أنه قال: "ثم" على الترتيب، وسواءً قلنا بثبوت هذه أو تلك فالعبرة على ثبوت النص وإن كان الروايات التي ورد فيها اللفظ صحيح بـ"ثم"، قد جاء فيها الترتيب على هذا الوجه: أن يضرب ضربة على التراب ثم يمسح بوجهه وظاهر كفيه".

الثانية: هل تكفي ضربة واحدة أم تكفي ضربة لليدين وضربة للوجه؟ الصحيح أنها ضربة واحدة للوجه والكفين والأحاديث الواردة في غير ذلك أحاديث ضعاف وسيأتي الحديث عليها إن شاء اللـه عز وجل، والأصل في ذلك أن مبنى العبادات على التوقيف، فلا يشرع فيها إلا ما شرعه اللـه عز وجل.

الثالثة في الصفة: هل لا بد من الضرب أن يضرب ضرباً بصوت مسموع أم يكفي أن يضع اليد فقط؟

فذهب الشافعي- رحمه اللـه- إلى أن وضع اليد يكفي وأي أمرٍ تعلق فيه التراب فهو مجزئ عنده، وذهب آخرون إلى أن صفات تيمم النبي r كانت بضربات أو بضربة فيوقف فيها على النص، وهذا هو الصحيح.

الرابعة في الصفة: نفخ اليدين: فقد جاء في البخاري أيضاً من حديث عمار بن ياسر t قال: فضرب كفيه ونفخ فيهما" بعد أن ضرب نفخ ثم أتى ببقية الصفة, فقيل هذا النفخ أنه عبادة، وقيل أنه قد يعلق غبار كثير لا يحتاج إليه فنفخ لأجلـه ولا يقصد به العبادة، مثل خلاف العلماء في صفة الاستراحة هل هي عبادة أم أنها وافقت فقط، وهذه مسألة مترددة- والعلم عند اللـه عز وجل-.

مسألة أخرى في غير الصفة: التيمم يرفع الحدث الأصغر والجنابة، ولكن اختلفوا في رفع التيمم للحدث الأكبر في الحيض والنفاس، ولكن خلاف قديم وضعيف روي عن ابن عباس وابن عمر رضي اللـه عنهما أنه لا يرفع حدث النفاس والحيض والصحيح أنه بدل عن الغسل وعن الوضوء وهذا قول جماهير العلماء لا أعرف فيه خلافاً عند المتأخرين.

ثم ذكر المصنف حديث ابن عمر رضي اللـه تعالى عنهما، وفيه: "التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين"، وهذا الحديث ضعيف ضعفه جمع من المحدثين، والكلام في الضربتين مبني على صحة الحديث والحديث لا يصح، وأما إلى المرفقين فقيل بأنها قد ثبتت موقوفة عن ابن عمر- رضي اللـه تعالى عنهما، وحتى لو صحت فهذه من اجتهاده t،فاجتهاده كاجتهاد أبي هريرة في الغسل إلى المناكب، وكاجتهاد ابن عمر في تتبع أماكن صلاة النبي r، واجتهاد ابن عمر في إدخال الماء إلى  باطن عينيه، هي من الاجتهادات التي لا تقابل بالنص فالأصل في هذا أن يُمسح على ظاهر الكفين فقط.

ثم ذكر حديث أبي هريرة t، "الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق اللـه وليمسه بشرته"، رواه الدار قطني والبزار وغيره، وهو حديث جيد.

وفيه قولـه: "وليمسه بشرته"، هل قولـه "وليمسه بشرته"، يعني يمس الماء بشرته من أجل الطهارة من الأحداث المستقبلة أو الطهارة من الأحداث الماضية؟ وما معنى قولـه: "الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق اللـه وليمسه بشرته"، هل المقصود الحدث الماضي الذي كان قبل وجود الماء أنه لا بد من رفعه عند وجود الماء أو أن المقصود أن يمسه بشرته إذا أراد الوضوء مستقبلاً؟

ذهب بعض العلماء إلى الأول وذهب آخرون إلى الثاني، فقالوا: بأن الماء إذا وجد في الوقت بطلت طهارة التيمم وما بني عليها من عبادات، فإذا مثلاً  دخل وقت الظهر فلم يجد الماء فتيمم ثم وجد الماء قبل أن يدخل وقت العصر وقد تيمم من جنابة أو من حدث أصغر فإنه يغتسل أو يتوضأ إن كان من حدث أصغر، ثم يأتي بالصلاة، لكنه قول ضعيف مرجوح، والذي دلت عليه الأدلة كما سيأتي تفصيلـها إن شاء اللـه على أن المقصود أنه فيما يستقبل من الطهارات.

وعلى هذا جاء اختلاف العلماء هل التيمم رافع للحدث أو مبيح للصلاة؟

فمن قال بأنه رافع للحدث فهو يحل محل الوضوء فإذا على هذه الصلاة كانت صلاته صحيحة، ومن قال بأنه مبيح للصلاة فقط فإنه يقول بأنه يترتب عليها أحكام كثيرة منها: أنه سيتوضأ لكل صلاة، فهي أباح هذه الصلاة فلا يبيح غيره، وهذا مرجوح وغير صحيح، والمحققون من أهل العلم على أنه رافع للحدث وليس مبيحا للصلاة، ولكن يفترق عن الماء أنه إذا وجد بطلت طهارتك ووجب الوضوء، لا يقول يستمر على طهارته، وهو متيمم وجاء الماء فيقول أنا على تيمم، لا.

وقد استدل القائلون بأنه مبيح وليس برافع بحديث عبد اللـه بن عمرو رضي اللـه عنهما، أنه سألـه النبي r: "صليت بأصحابك وأنت جنب"، رغم أنه تيمم سماه جنباً، قالوا إنه لم يرفع الحدث فالحدث باقٍ.

واستدل الآخرون بأنه بدل وقد قال النبي r: "الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين"، حديث أبي هريرة t، والبدل يقوم مقام المبدل في جميع أحكامه وأحوالـه، وأما: "صليت بأصحابك وأنت جنب"، فهذا يبنى أيضاً على الغالب، فإن الغالب في الناس هو التطهر بالماء، فكأن من لم يتطهر بالماء فكأنه باقٍ على جنابته، ويكفي أنه وصفه بأنه وضوء المسلم، وهذا عليه المحققون من أهل العلم كالإمام ابن تيمية والإمام الصنعاني وغيرهم من أهل العلم.

حديث أبي سعيد الخدري t أنه قال: خرج رجلان في سفر وليس معهما ماء فتيمما صعيداً طيباً، فصليا ثم وجدا الماء- أي في الوقت- فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول اللـه r فذكرا ذلك لـه فقال للذي لم يعد: "أصبت السنة وأجزأتك صلاتك"، وقال للآخر: "لك الأجر مرتين"، رواه أبو داود وهو حديث جيد.

وهذا الحديث فيه: أن من وجد الماء في الوقت فإنه لا يعيد رداً على بعض العلماء الذين يقولون: أنه إن وجد في الوقت أعاد.

وهذا يدل أيضاً على أنه رافعٌ للحدث لا مبيح للصلاة.

ثم ذكر حديث ابن عباس: "إذا كان بالرجل الجراحة في سبيل اللـه والقروح، فأجنب  فخاف أن يموت إن اغتسل: يتيمم"، أخرجه الدار قطني وغيره وفي سنده كلام، ولكن معناه صحيح، أن هذا من حالات الرخص التي رخص اللـه عز وجل فيها لعباده، ودل عليه حديث صاحب الشجة، في التيمم وسيأتي الكلام عليه إن شاء اللـه.

ثم ذكر حديث علي أنه قال: انكسرت إحدى زندي فسألت رسول اللـه r فأمرني أن أمسح على الجبائر"، رواه ابن ماجه وضعفه جمع من المحدثين.

ثم ذكر حديث جابر بن عبد اللـه رضي اللـه عنهما، في الرجل الذي شُجّ فاغتسل فمات، أنه قال: "إنما يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقةً، ثم يمسح عليها ثم يغسل سائر جسده"، وهذا الحديث رواه أبو داود وقد ضعفه جمع وصححه جمع آخر ، قالوا في سنده- فيما أذكر- الزبير بن خريق، وحديثه ضعيف، وقالوا بأنه يعتضد بطرق أخرى وأحاديث أخرى ولكن بعض هذه الأحاديث ليس فيها ذكر التيمم، وبعضها ليس فيها ذكر المسح، فهي قد ذكر بعد الافتراض، ولذلك ذهب ابن حزم بعد أن ضعّف هذا الحديث، ذهب إلى أنه يغسل سائر جسده ويترك موضع الجرح الذي يتأثر بالماء، واستدل على ذلك بأن اللـه عز وجل قال: (فاتقوا اللـه ما استطعتم)، فهذا قدر ما يستطيع وهذا قدر ما لا يستطيع، فيجب عليه أن يؤدي ما يستطيع ويترك ما لا يستطيع، لذلك كان أقوال العلماء في الجبائر، إذا قلنا الجبيرة هي الجبيرة واللفافة على الجرح واللصقة وحتى لصقة العضلات عند التهابها كلـها تعتبر من جنس الجبائر، فقال بعض العلماء: بالغسل في رفع الحدث الأكبر والأصغر- أي في الغسل والضوء-، وسقوط ما عدا ذلك وهذا قول ابن حزم رحمه اللـه، وقيل بالمسح مع الغسل، فهو يغسل ما يستطيع ثم يعصبها على طهارة أو غير طهارة ثم يمسح عليها دون أن يتيمم وهذا رأي ابن تيمية- رحمه اللـه- في أحد قوليه، لأني رأيت أن لـه قولا آخر في موضع آخر.

الثاني أنه يغسل ويمسح ويتيمم على ما جاء في حديث صاحب الشجة في سنن أبي داود، وعلى ذكر هذا الحديث أيضاً فقد صححه الألباني- رحمه اللـه- بذكر الأفعال الثلاثة المسح والغسل والتيمم، قال بأنه حسن، ولكن في القلب شيء لأن تحسينه كان مبنيا على الشواهد والشواهد ذكر فيه المسح والبعض الآخر لم يذكر وبعضها ذكر فيها التيمم والبعض الآخر لم يذكر، فقضية ثبوت حسن هذا الحديث مع اختلاف المعاني فيه نظر، ولكن يبقى لـه قدره تحسين الألباني- رحمه اللـه- فأرى أن الإنسان لو فعل ذلك احتياطاً، فهو احتياط صحيح وليس احتياطاً مذموماً، فمن كان عنده جرح واضطر أن يجعل عليها لفافة أو عصابة أو خرقة أو لصقة أو شيئا من هذا القبيل فحسن لو تيمم قبل أن يضعها، ثم يربط العصابة، ثم يمسح بعد ذلك، هذه صفة الجمع بين هذه الصفات الثلاث، التيمم حتى يدرك الطهارة جميع الجسم عن طريق الطهارة الشرعية غير معقولة المعنى، ثم إذا تطهر الموضع بالتيمم فيعصبه خروجاً من الخلاف بمن قال بأن وضع الجبيرة لا بد أن يكون على طهارة وإن كان هذا قولاً مرجوحاً، لأن الجبيرة لا توضع بالاختيار كالجوربين والخفين، وهذا أيضاً اختيار المحققين من أهل العلم كابن تيمية وابن القيم والصنعاني وغيرهم من أهل العلم.

فأقول والأمر إن شاء اللـه مريح سهل ويسير، من رأى أن أحاديث وردت وفيها كلام في تصحيحها وتضعيفها ثم احتاط فليس احتياطه بدعة وليس احتياطه أيضاً من باب الوسوسة، ولا من جنس غير المشروع بل هو من جنس المشروع إن شاء اللـه لا سيما مع ورود الأخبار والخلاف في صحته، ولم يرد لي شيء في هذه المسالة عدا أن أقول إن الاحتياط جيد في هذه المسالة- واللـه عز وجل أعلم-.

ثم ذكر حديث ابن عباس رضي اللـه عنهما: "من السنة ألا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة، ثم يتيمم للصلاة الأخرى"، هذا أثر عن ابن عباس ولـه حكم الرفع، ورواه الدار قطني ولكنه ضعيف في سنده الحسن بن عمارة وهو ضعيف، والأصل كما قلنا أنه رافع للحدث يستبيح به الصلاة الحاضرة وغير الحاضرة، وإذا تيمم به لفريضة جاز لنافلة، وإذا جاز لنافلة فهو لفريضة وهكذا- واللـه أعلم-.

باب الحيض

وذكر فيه جملة من الأحاديث أسردها جملة ثم أذكر بعض أحكام الحيض تسهيلاً لعرض هذه الحديث،

ذكر حديث فاطمة بنت أبي حبيش وفيه: أنها سألت أنها تستحاض، فقال: "إن دم الحيض أسود يُعرِف- أي ذو رائحة-، أو يُعرَف- والمعنى واحد- قال: "فإذا كان ذلك فامسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي"، رواه أبو داود والنسائي وسنده صحيح.

حديث أسماء بنت عميس، "ولتجلس في مركن- أي في حوض- فإذا رأت صفرة من الماء تغتسل للظهر والعصر غسلاً واحداً، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلاً واحداً، وتغتسل للفجر غسلاً واحداً، وتتوضأ فيما بين ذلك"، هذا سيأتي في آثار الاستحاضة وليس في ضبط الحيض.

حديث حمنة بنت جحشة، أنها قالت: كنت أُستحاض حيضةً كثيرة شديدة، فأتيت النبي r فاستفتيته فقال: "إنما هي ركضة من الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام ثم اغتسلي، فإذا استنقأتِ فصلي أربع وعشرين أو ثلاثة وعشرين- هذا الطهر مقابل الحيض-، وصومي وصلي فإن ذلك يجزيك،- هذه صورة-، وكذلك فافعلي بكل شهر كما تحيض النساء- لاحظ أنه هنا قال: "تحيض النساء"، أحالـها إلى عادات النساء-، قال: "فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر، ثم تغتسلي حين تطهرين وتصلي الظهر والعصر جميعاً، ثم تؤخري المغرب وتعجلن العشاء، ثم تغتسلن فتجمعن بين الصلاتين فافعلي،- أي افعلي ذلك-، قال: "فتغتسلين مع الصبح وتصلين"، قال: "وهي أعجب الأمرين إلي"،رواه الترمذي وأبو داود وأحمد وحسنه الإمام البخاري، وهو حديث جيد.

الحديث الأخير في الحيض والاستحاضة واختلاطهما، حديث أم حبيبة بنت جحش،- يعني أن بنات جحش كن أصحاب استحاضة، كن معدودات من النساء العشر اللاتي عندهن استحاضة شديدة، وفيها أنها شكت للنبي r، شكت الدم، فقال: "امكثي قدر ما تحبسك حيضتك،- ضابط احفظ هذا الضابط-، ثم اغتسلي"، قال: فكانت تغتسل لكل صلاة، رواه مسلم، وسيأتي أحكام الغسل وأحكام الوضوء، وفي البخاري: "وتوضئي لكل صلاة"،.

هذه الأحاديث الأربعة قد دلت على أمارات- أي علامات، هي يأتيها دم متصل فكيف تفصل الحيض من الاستحاضة حتى تعطي هذه حكمها وهذه حكمها؟ باختصار كلام العلماء في ذلك هي أنها تنظر إلى الأمارة، العلامة، فالعلامات ثلاث:

أن تنظر إلى تمييزها للدم: فإذا كانت تميز الدم، أحمر فاتح ثم جاء الدم الأسود تعرف حيضها بذلك، والتحيض بالتمييز دل عليه حديث عائشة رضي اللـه تعالى عنها: "إن دم الحيض أسود يُعرِف، أو يعُرَف"، كلـها واحدة سواء قلنا: يُعرِف ذو رائحة، أو يُعرَف فالمرأة تعرفها، إذاً دل على الأمارة الأولى وهي التمييز.

الأمارة الثانية: عادتها في الوقت والمقدار إن كانت معتادة، كم مقدار ما كانت تحيض قبل أن يختلط عليها الحيض بالاستحاضة؟ كانت تحيض خمسة أيام، متى؟ في أول الشهر الـهجري، إذا خمسة أيام تبدأ من واحد وتنتهي في خمسة، لأن ليس عندها تمييز، هي لا تميز الآن.

الأمارة الثالثة: كما تحيض النساء: قال: "فافعلي في كل شهرٍ كما تحيض النساء"، لكن من هن النساء عند أهل العلم؟

النساء يقول العلماء: هي أمها وابنتها وخالتها وعمتها ومن هي في سنها من قريباتها، لا تقبل عمتها التي بلغت الستين ولا ينظر إلى الصغيرة التي لم تبلغ الحيض، ينظر إلى من هي في سنها كما قال الإمام الصنعاني- رحمه اللـه-، والحيض ذكره ابن تيمية ضمن العوائد والأعراف في قاعدة "الأسماء في الشريعة، كل اسم ليس لـه حد في الشريعة أو اللغة فمرجعه إلى العرف" ذكر من ضمن ما ذكر الحيض، في "المجلد التاسع عشر"، فإذاً هي عادة نسائها قال: "فكذلك افعلي في كل شهر كما تحيض النساء".

إذاً هذه هي المفرقات وما دل عليه الحديث من مسالة الحيض والاستحاضة.

1- من أحكام الاستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة لحديث عائشة في شكوى أم حبيب ورواه البخاري: قال: "وتوضئي لكل صلاة".

2- أن الغسل مستحب، على ما دل عليه حديث حمنة بنت جحش قال لـها: "اغتسلي"، وسهل لـها ذلك عن طريق الجمع الصوري بين الصلاتين حتى يكون أسهل لـها، هذا عن الاستحباب وكونها اغتسلت لكل صلاة هذا اجتهاد منها كما وجهه المفتي سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز- رحمة اللـه تعالى عليه- بأن هذا كان منها اجتهاداً أو حرصاً على أمر النبي r على الاستحباب الوارد في حديث حمنة وغيرها، إلا فهو لم يأمرها إلا بالوضوء لكل صلاة وهذا الذي عليه الفتوى عند المفتين في الوقت الحاضر.

3- جواز وطئها من غير كراهة، ولو أثناء خروج الدم.

وقد أجملتها ولم أقف عند كلمة فيها ولكن هي أصول وقواعد الحكم في قضايا التمييز بين الحيض والاستحاضة وفيه أيضاً من أحكام الغسل وذكرت الراجح وإن كان هناك خلاف في قضية الاغتسال لكل صلاة، وإن كان هذا هو الأقرب- واللـه عز وجل أعلم-.

حديث أم عطية: "كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً"، رواه البخاري، وهذا لـه حكم الرفع عند كثير من المحدثين، ومفهوم ذلك اعتبار الصفرة والكدرة المتصلة بالدم فإنها من جنسها، إذا كانت تحيض والدم مستمر ينزل، ثم فور تغير الدم من دم لون الحيض خرج بعده مباشرة متصلاً به صفرة وكدرة، تقول أم عطية  رضي اللـه عنها: "كنا لا نعد الصفرة  والكدرة بعد الطهر شيئاً"، كأنها إن كانت متصلة كانت معدودة ، وهذا هو الأقرب- واللـه أعلم- وهذا هو الذي عليه الفتوى الآن: "أن الدم إذا انقطع ثم تقطع الدم بألوان مختلفة مرة أصفر مرة أشهب ومرة حمرة يسيرة، فإن هذا لا تلتفت إليه المرأة فإنها تصوم وتصلي ولكنها تتحفظ من ذلك وتتوضأ لكل صلاة خرج منها هذا فهو خارج من السبيلين فهو ناقض للطهارة بالإجماع.

ثم ذكر حديث أنس في صحيح مسلم: "اصنعوا كل شيءٍ إلا النكاح"، أي وقت حيض المرأة، وهذا يرجح قول بعض أهل العلم الذين قالوا إن الاستمتاع بالمرأة الحائض، أنه لا يكون بما فوق السرة وهو أن يستمتع بها عدا الفرج وهو أن يأتيها من فرجها.

ثم ذكر حديث عائشة رضي اللـه عنها: "كان يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض"، في البخاري ومسلم.

وهذا الحديث أخذه من استدل على أنه لا يجوز أن تباشر الحائض إلا بما فوق السرة، ولكن ليس فيه دليل، هو أمرها أن تتزر، لعلـها أن تحفظ موقع النكاح، أو موقع الجماع دون أن يكون ذلك مانعاً من الاستمتاع بما تحت السرة.

ثم ذكر حديث ابن عباس رضي اللـه تعالى عنهما، الذي رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة وصححه جمع من المحدثين منهم أحمد شاكر في شرح الترمذي، في الرجل الذي يأتي امرأته في الحيض، قال: "يتصدق بدينار أو بنصف دينار"، وهذه كفارة في الجماع روي فيها أخبار ضعيفة جداً كعتق الرقبة ولكنها غير صحيح.

ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري t، "أليس إذا حاضت  المرأة لم تصل ولم تصم"، رواه البخاري ومسلم، ساقه المؤلف- رحمه اللـه- لبيان أن من أحكام الحيض أو الحائض أنها لا تصلي ولا تصوم.

ثم ذكر حديث عائشة رضي اللـه عنها، "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي"، رواه البخاري ومسلم.

وفي هذا الحديث أيضاً من أحكام الحائض، أنه تأتي جميع المناسك بما فيها الإحرام عند الميقات والاستعداد لـه والتلبية والاستهلال بالحج أو العمرة، لا كما تفعل بعض جهلة النساء إذا جاءت ثم نفست أو حاضت امتنعت عن ذلك حياءً أو شيئا من هذا القبيل فهي تأتي بها إن كانت ستمكث في مكة إلى حين انتهاء حيضها فتأتي وتهل بالحج من الميقات ثم تأتي بجميع أعمال الحج، وكذلك أيضاً للحائض أن تبقى ثم تأتي بأعمال العمرة بعد انقضاء حيضها، فإن كانت على مرور يوم أو يومين ولا تريد أن تحبس من معها فلا بأس أن ترفض النية قبل المرور بالميقات وقبل الإحرام ولا شيء عليها ليس عليها كفارة وليس عليها أيضاً أن تعيد هذه العمرة كما يتوهم بعض العوام فإنها إذا رفضت النية قبل الميقات رفضها لـه صحيح ولا شيء عليها، ولكن إن كانت ناوية أن تعمر بعض النساء تترك الإهلال تجلس في مكة في رمضان كلـها أو عشرة أيام فتقول أجلس هكذا ثم أرجع وآخذ عمرة من الميقات، هذا خطأ الواجب عليها أن تهل بالعمرة أو الحج من الميقات وتبقى حتى تأتي بأنساكها، هنا في اختيار لابن تيمية شهير وهو أن الحائض إذا كانت ستحبس قومها فإن لـها أن تتحفظ وإن لـها أن تطوف طواف الإفاضة إذا كانت لم تطف ثم تنفر معهم، وهذا القول صحيح إذا كانت المرأة ولا سيما في الأزمان الماضية وهم في الرحال وكان البقاء يكلفهم أموالاً كثيرة ويكلفهم تكاليف كبيرة ونفقات، وكذلك أيضاً إذا سافروا فإن الطرق غير مأمونة فالقوافل كانت تسير في مجموعات، تذهب القافلة ومعها حرسها وسلاحها ومعها حملـها ومتاعها، وليس أيضاً في القديم ما يتيسر من الفنادق والنزول ولا الاتصالات وغيرها فيكون هذا الحكم موافقا للأعصار الماضية، وهو عند الحرج، ليس نصاً من الكتاب والسنة كلام ابن تيمية- رحمه اللـه- ولكنه ذكره رفعاً للحرج وهو موافق للأصول الشرعية ولا غبار عليه، ومن كانت من النساء مثل حالة النساء في الماضي فلا بأس أيضاً أن تفعل ذلك، مثل الآن حملات الحج التي تأتي من خارج البلاد والناس على ضعف وفقر، والناس تجمع طوال حياته ما يحج به ويؤدي به هذه الحجة، ثم تضطر أن تبقى أياما وهي لم تأخذ حسابها في ذلك ولا تستطيع أن تنفق على نفسها ولا أن يبقى معها أيضاً إنسان ولي لـها ومحرم ينفق على نفسه وعليها وهذا كلـه فيه مشقة لا سيما لمن هم من خارج هذه البلاد، أنا أقول إن الحكم لا يكون إلا لمن خارج البلاد حتى لو وجد في داخل البلاد من تكون هذه ظروفه فهو جائز، لكن ليس كما يفعل الناس عندهم نزهة ويدعونها تطوف الإفاضة وهي على حيض، أنا أريد أن أخرج عدم الحاجة، ومن ذلك قضية أنها تذهب وترجع وتؤدي طواف الإفاضة لا سيما مع توفر وسائل النقل والقدرة في حال كثير من الناس على الذهاب والإياب، وبالجملة أنها عند الحرجة، ولا نريد أن نضيق على الناس أيضاً، متى ما كان لـها عذر والحاجة والضيق جاز لـها أن تطوف.

استعمال الحبوب المانعة للحيض؟

إذا كانت لا تضرها، وإن كانت لـها مشاكل صحية فلا يجوز، أما إذا لم تضرها فلا بأس، ذكرها العلماء المتقدمون، كانوا يستعملون حبوب القهوة ويستعملون عجائن معينة توضع في ظهر المرأة لمنعها من الدورة، فلو منعت الدورة من أجل الحج والعمرة فلا حرج إن شاء اللـه عز وجل، وهذا أيضاً فتوى شيخنا عبد العزيز بن باز- رحمه اللـه-، وهي موافقة للأصول هنا ولا شيء عليها، والعبرة في الحيض والنفاس بوجود الدم، وجد الدم وجد الحكم، انتفى الدم انتفى الحكم، أما كلام بعض الفقهاء فقد جعلوا من الحيض وهو من أسهل الأبواب جعلوه من أصعب الأبواب، في قضية المبتدئة والمعتادة قضية الوقت ومراعاة المدة المعتادة، وأقل المدة وأكثر المدة كل هذا ليس لـه أثارة من علم، المدة المعتادة حتى إن كانت معتادة خمسة أيام وانقطعت عنها في أربعة أيام ليست مشكلة حيض تغير، معتادة أربعة صار ثمانية أيام لا حرج، معتادة سبعة أيام صار عشرين يوم حيض باقي على صفة الحيض وشكلـه وعادته إلا إذا كان حيضا ثم عادت دما آخر لونا آخر هذه مسألة أخرى، فالحيض هو من أسهل الأبواب ومن أصعبها، ولو كانت من صعوبتها التي يصفها بعض الفقهاء لرأيت هذا في كلام الصحابة والتابعين في أحكام الحيض الدقيقة والزيادات التي ذكرها الفقهاء- رحمة اللـه تعالى عليهم- في باب الحيض والنفاس.

ثم ذكر حديث معاذ حين قال: ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال: "ما فوق الإزار"، رواه أبو داود وضعفه، يعني ضعفه أبو داود لا حجة فيه أيضاً، ولـه علاقة في قضية ما يستمتع من به من الحائض، والعبرة بقوله r: "افعلوا كل شيء إلا النكاح"، وهو في الصحيح.

ثم ذكر حديث أم سلمة أنها قالت: أنها كانت النفساء تقعد على عهد رسول اللـه r أربعين يوماً"، رواه أبو داود والترمذي وحسنه النووي وغير واحد من أهل العلم.

ففي هذا الحديث حد النفاس وهو أربعون يوماً، وأحكامه باختصار:

أنه إن كانت عادتها أنه ينقطع أقل من الأربعين فتمشي على عادتها، عادتها خمسة وثلاثين، سبعة وثلاثين، ثم انقطع لـهذه العادة فتمضي على عادتها، فإن زاد عن ذلك فقيل أن حده ستين يوماً، كحد أقصى والصحيح أن الحد الأقصى هو أربعون يوماً كما ورد في حديث أم سلمة رضي اللـه عنها، لأنه كأنه يحدد الحد الأعلى للنفاس، وقولـها: "كن"، يدل على حكم الرفع، فلا نقول مرفوع ولكن نقول لـه حكم الرفع"المرفوع الحكمي"، فما كان أقل من الأربعين جاز لـها أن تصلي وتصوم فيما كان أقل من الأربعين، وما زاد عنها فنقف عند ما ورد في النص والحديث وهي أنها تقف عند الأربعين، ولكن لو كان للمرأة عادة معتادة فوق الأربعين، خمسة وأربعين، وخمسين، دائماً هذا نفاسها، دم متصل ولون واحد ولا يتغير، لذلك هنا- واللـه أعلم- أنها ترجع إلى عادتها ما دامت أنها دم النفاس وقد اعتادت بهذا الأمر، النفاس عادة، ولكن حديث أم سلمة كأنه يقضي على قضية تقطع الدم وعدم انتظامها فتمكث المرأة ما دام الدم مضطربا يأتي ساعة ويذهب ساعة، يأتي نصف النهار ويذهب ثاني، فهذه تمكث إلى الأربعين على ما في النص وهذا الذي عليه الفتوى أيضاً- واللـه عز وجل أعلم-.



 


حقوق النشر والطبع © 1427هـ فضيلة الشيخ سليمان الماجد . جميع الحقوق محفوظه

Copyright © 2006 www.salmajed.com . All rights reserved

info@salmajed.com