: دروس و دورات : دروس
طباعة

  : دروس و دورات : دروس  
استماع تحميل PDF
  بلوغ المرام - الصلاة 7  


الدرس الخامس عشر- كتاب الصلاة

باب صفة صلاة النبي r

بسم اللـه والحمد للـه والصلاة والسلام على رسول اللـه وعلى آلـه وصحبه ومن والاه، مازال الحديث متصلاً في الشرح الميسر لبلوغ المرام للحافظ ابن حجر- رحمه اللـه-، وهذا هو أوان الحديث عن صفة صلاة النبي r وسوف أشرح- بإذن اللـه عز وجل- هذه الأحاديث وما فيها من الألفاظ بعد العرض الإجمالي لصفة صلاة النبي r كما صحت بها الأحاديث عنه صلى عليه وآلـه وصحبه وسلم، وأُريد بهذا أن نجمع الأفهام فإننا إذا أردنا أن نشرح حديثاً واحداً فهو حديث  يطول ويتشتت فيه الذهن في متابعة درجات صفة صلاته r أو عرضها على حسب الترتيب، فحفاظاً على هذه الذهنية وهذا الاستمرار والترتيب سوف أعرض صفة صلاة النبي r على طريقة الفقهاء، وهي عرض الحكم وما دل عليه من كلامه أو فعلـه صلى اللـه عليه وآلـه وصحبه وسلم.

افتتح الصلاة بتكبيرة الإحرام، وهي مدخل العبد إلى الصلاة، فقد صح عن النبي r في حديث أخرجه أبي داود في سننه بسند صحيح من حديث علي t أنه قال: "مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلـها التسليم"، وكان r يرفع يديه مع تكبيرة الإحرام على هيئته العادية، أي: طبيعة اليد والكف كيف تكون، كان رسول اللـه r عند التكبير يرفعها على هيئتها العادية، فلا هي مضمومة الأصابع، ولا هي مفرجة، وإنما هو الأمر بينهما كما هو حال الإنسان في وضع يده الطبيعية، فلا يضمها بتكلف  ولا يفرق بينها أيضاً بتكلف، فقد صح عنه r أنه كان يرفعها ممدودة الأصابع لا يفرّج بينها ولا يضمها"، أخرجه أبو داود، وقولـه لا يفرِّج بينها ولا يضمها"، يدل على أنها على وضعها المعتاد.

وكان r يجعلـهما حذو منكبيه لحديث أبي حميد الساعدي المذكور في هذا الباب باب صفة صلاة النبي r، وهو في صحيح البخاري، "أنه كان يجعلـهما حذو منكبيه"، "وأحياناً يرفعهما حتى يحاذي بهما فروع أذنيه"، هذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً ولكنه من حديث مالك بن الحويرث t.

ويضع المصلي يده اليمنى على يده اليسرى، لحديث وائل بن حجر t، وهو في صحيح مسلم، وجاء أيضاً من حديث قبيث بن الحارث الكندي أنه قال: مهما رأيت أني نسيت لم أنس أني رأيت رسول اللـه r وضع يده اليمنى على اليسرى- يعني في الصلاة-، رواه مالك، إذاً حديث..... وحديث وائل بن حجر الكندي رضي اللـه عنهما أجمعين، حديث وائل في صحيح مسلم وأيضاً الحديث الآخر.

يضع باطن كفه الأيمن على ظاهر كفه الأيسر، وعلى الرسق والساعد، فتكون منتصف اليمنى على مفصل الرسق، وذلك لحديث وائل ابن حجر أيضاً، أنه وصف صلاة رسول اللـه r وقال في وصفها: ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسق والساعد" رواه أبو داود وسنده صحيح، وصح عنه أيضاً r في حديث آخر: أنه قبض باليمنى على اليسرى"، وهذا الحديث لم يتيسر لي تتبع رواياته ولكن ذكره الألباني في "صفة الصلاة" وصححه، وقد جمع أبو يوسف- رحمه اللـه- وهو صاحب أبو حنيفة- رحمه اللـه-، جمع بين الحديثين حديث القبض باليمنى على اليسرى، والحديث السابق الذي ذكرناه قبل قليل وهو حديث وائل بن حجر الذي أخرجه أبو داود في سننه، جمع بين الحديثين ورأى أن يكون القبض على الرسق، بدل أن يقبض اليد اليمنى على اليسرى على أطراف، فإنه يقبضهما على قول أبي يوسف جمعاً بين الحديثين يقبض اليمنى على الرسق، وقد قال بعض العلماء أن ظاهر حديث وائل بن حجر لا يدل على ما ذهب إليه أبي يوسف- رحمه اللـه- وجمع من الحنفية من المتأخرين وغيرهم وذلك لأنه قال: "ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسق والساعد" فقال: وضع، والراوي عالم بكلام العرب، وأما الحديث الآخر قال: قبض باليمنى على اليسرى"، ولكنه ما قبض على الساعد ويستطيع أن يقول على الساعد، أو جزء منها على الساعد وجزء منها على الكف أو أن يقول على الرسق ويكفي ويغنيه ذلك عن أن يقول على الكف وعلى الساعد، وهذا هو الأقرب- واللـه أعلم-، أن لـها صفتان:

الصفة الأولى: القبض باليمنى على اليسرى.

والصفة الثانية: كفه اليمنى على ظاهر كفه اليسرى، والرسق والساعد.

ويكون موضعهما على الصدر وقد صح ذلك عن بعض التابعين- رضي اللـه تعالى عنهم-، ودل عليه حديث وائل بن حجر قال: رأيت النبي r يصلي ويضع يده على صدره إحداهما على الأخرى" أخرجه أبو داود وسنده صحيح، وقد استدل بعضهم وهم بعض التابعين على ذلك بقول اللـه عز وجل: (فصلِ لربك وانحر)، وهذا لا أعرف فيه دلالة لكن اللـه عز وجل جمع في كتابه بين الصلاة وبين النسك: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للـه رب العالمين لا شريك لـه وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)، فقولـه: (فصلِ لربك وانحر)، الصلاة هي الصلاة، والنحر هو النحر، وإن كان النحر أيضاً ليس هو الصدر فبعضهم يضع يده تحت حلقه، ولكن غاية ما ورد في حديث وائل بن حجر t في سنن أبي داود أنه كان يضعها على صدره، الصدر يكون من أعلى البطن وهي من التقاء عظام القفص الصدري إلى أسفل الترقوة، والترقوة هي العظام المجتمعة تحت ذقن الإنسان، فما فوقه يسمى نحر، فالإنسان يجوز لـه أن يضعها في أعلى صدره أو في وسطها أو في أسفل الصدر، وأما ما ورد في أحاديث أخرى أنه وضعها على صرته وصححها بعض المنتسبة إلى مذهب الإمام أحمد- رحمه اللـه- فلا أرى أنه قد ثبت فيها حديث، والأصل في ذلك أن يعمل بسنة النبي r الثابتة، لذلك اختلفت الروايات عن الإمام أحمد عن القول أنها تحت السرة أو على السرة أو فوق السرة وأنا أرى أن فوق السرة أنها الأقرب إلى الصحيح، ولذلك اختار الإمام أحمد فوق السرة، واستدل لـه ابن قدامة في "المغني" بحديث وائل بن حجر هذا، ولكنه لم يقل على البطن، لأن فوق السرة هو البطن، ولكنه لا تكون فوق صدره حتى ترتفع، وأيضاً- واللـه أعلم- لا يعتبر معارضة لو صح بها الخبر ولا أعرفها صحيحاً إلا إذا ثبت ولا أعرفه ثابتاً فإن ثبت ذلك فإن كل ما فوق السرة يعتبر سنة، وينتظر به صحة الحديث- واللـه عز وجل أعلم-.

فإذا كبر الإنسان ووضع يده إحداهما على الأخرى على صدره، بقي أن يعرف أين يرمي ببصره؟ جاء عن ابن سيرين- رحمه اللـه- أنه قال: إن النبي r كان يقلب بصره في السماء فنزلت هذه الآية: (والذين هم في صلاتهم خاشعون)، قال: فطأطأ رأسه"، هذا الحديث رواه الإمام أحمد- رحمه اللـه-، وسعيد بن منصور في سننه، وزاد سعيد: وكانوا يستحبون في الرجل أن لا يجاوز بصره مصلاه"، ويسمى هذا الخبر مرسلا لأن ما نسبه ابن سيرين إلى النبي r، وهو من التابعين فيكون هذا الحديث مرسلاً، والحديث المرسل في أصح أقوال أهل العلم هو من الأحاديث الضعيفة، التي لا تثبت عن النبي r فلا يدرى التابعي إن كان أخذها من صحابي أو عن تابعي مثلـه، أو ممن هو في طبقة التابعين ولا تعرف ثقته أو عدالته، لذلك كان قول المحققين والجمهور أن المرسل من أنواع الأحاديث الضعيفة، ولكن يعضد به غيره وقد يستفاد منه في بعض المفاهيم ولكن لا يكون ثابتاً بنفسه- واللـه عز وجل أعلم-.

لذلك لم أجد حديثاً ثابتاً عن النبي r أن الإنسان ينظر إلى موضع سجوده، ولكن ما ثبت في ذلك قولـه r: "لينتهين أقوامٌ أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لتخطفن أبصارهم"، رواه مسلم، هذا في النهي عن رفع البصر إلى السماء، وقد جاء في مسند الإمام أحمد والنسائي وأبي داود عن عبد اللـه بن الزبير قال: كان رسول اللـه r إذا جلس في التشهد وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى على فخذ اليسرى وأشار بالسبابة، ولم يجاوز بصره إشارته"، وهو صحيح، هذا في موضوع النظر أن الإنسان إذا كان قاعداً ويشير بالدعاء وستأتي قريباً إن شاء اللـه قضية الإشارة والدعاء في موضعها إن شاء اللـه عز وجل، أن موضع النظر في هذه الحالة هو كما ورد في حديث عبد اللـه بن الزبير رضي اللـه  تعالى عنهما، ما لم يكن هذا في دعائه وقعوده وإشارته بالسبابة وما لم يكن رفعاً ببصره إلى السماء فكيف تكون حالـه في أثناء الصلاة؟ ما هي القاعدة في التعرف على ما ينبغي أن يفعل المصلي فيما لم يرد فيه الحديث؟

ووضع القدم في الصلاة هي وضعها الطبيعي فلا نقول نفرج بينها ولا نجمع بينها، القاعدة هنا هو أن يكون الإنسان على وضعه الطبيعي ووضع الإنسان الطبيعي هي أن تكون مفرجة قليلاً، وأن تكون متوازية، لأن الإنسان إذا فرج بينهما تعب وإن ضم بينهما تعب، فالوضع الطبيعي أن تكون الرجلان متوازيتين، وكذلك إذا ما ثبت في موضع السجود فأنت لا ترفع بصرك إلى السماء فيكون الوضع الطبيعي في الإنسان القاعد أن يكون بصره إلى أمامه، وإن كان عامة الفقهاء قد استحبوا النظر إلى السترة، والكثير منهم قد استحبوا النظر إلى موضع السجود، واللـه عز وجل أعلم.

فنقول أن القاعدة هنا أن الإنسان ينظر إلى وضعه الطبيعي دون أن يتكلف فلا يرتفع إلى السماء فيقع في النهي، ولا يرفع أيضاً رفعا غير طبيعي فنقول أيضاً أن هذا ليس وضع الإنسان في الوضع العادي فلماذا التكلف؟ ولا يطأطئ بصره إلى حضنه، كل هذا تكلف وليس هذا وضع الإنسان عند جلوسه أو عند قيامه، والأصل أيضاً في حال الإنسان لا من ناحية النظر ولا من ناحية موضع القدمين ولا من ناحية أيضاً- وهذه مسالة أخرى- قضية إغماض العين أو فتح العين، فلا أقول إغماض العين هي الأصل تحصيل الخشوع- كما يقول بعضهم-، والأصل هو فتح العينين لأن الأصل في الإنسان هو أن تكون عيناه مفتوحتين، هذا هو الأصل وينبغي أن تكون عليه ولذلك اختاره ابن تيمية- رحمه اللـه- في الـهدي أن تكون العينان مفتوحتين، ولكن أيضاً اختار تحصيل الخشوع لا يكون إلا بتغميض العينين فلـه إغماضهما، كأنه يرى أن الأمر ليس فيه نهياً فيكون إغماضه للمصلحة عمل صحيح، ولكن الأصل في موضع القدمين والأصل في حال العينين، والأصل أيضاً في اتجاه البصر هو أن يكون الإنسان على وضعه المعتاد دون تكلف بطأطأة ودون تكلف برفع للبصر، واللـه عز وجل أعلم.

ثم يستفتح بعد التكبيرة بما جاء في حديث أبي هريرة t قال: كان رسول اللـه r إذا كبر، سكت بين التكبير والقراءة، قال: فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول اللـه! أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة أخبرني ما تقول، قال: أقول: "اللـهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللـهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللـهم أغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد"، رواه البخاري ومسلم، وظاهر الحديث أنه في الفرض، لأن نوافل النبي r كانت أكثر صلاته في بيته وهذه رواية أبي هريرة t، هذا غير أن ورد في سنن أبي داود بسندٍ جيد: أن هذا كان في صلاة الفريضة، صراحةً، فيكون هو الدعاء المقدم من أدعية الاستفتاح لثبوتها للفريضة وصحة الحديث وكونها في الصحيحين، ومن صيغ الاستفتاح حديث أنس t قال: كان النبي r إذا افتتح الصلاة كبر ثم قال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للـه رب العالمين لا شريك لـه وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللـهم أنت الملك، لا إلـه إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعها إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق فلا يهدي لأحسنها إلا أنت، وأصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كلـه في يديك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، استغفرك وأتوب إليك" وهو في الصحيح. وهناك صيغة أخرى حسنه بعضهم وهو حديث جيد، "سبحانك اللـهم وبحمدك وتعالى جدك ولا إلـه غيرك"، وقد صح ذلك من فعل عمر بن الخطاب t بسندٍ صحيح كما أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" وغيره، هذه صيغ ثلاث للاستفتاح شرعها النبي r للعباد وفيها معانٍ عظيمة في توحيد اللـه عز وجل وتعظيمه وتوقيره والثناء عليه، فحري بالمسلم إذا أراد الخشوع في هذه العبادة أن يستفتح بمثل هذه الاستفتاحات العظيم عل اللـه عز وجل أن يفتح علينا وعليه أبواب رحمته.

ثم يقرأ البسملة سراً على ما تظاهرت به الأحاديث عن النبي r أنه كان يقرأها سراً في أصح الأقوال.

ثم يقرأ الفاتحة وجوباً في السرية والجهرية إماماً ومنفرداً لقولـه r: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، ولحديث عبادة بن الصامت t قال: كنا خلف رسول اللـه r في صلاة الفجر، فثقلت عليه القراءة فقال: "لعلكم تقرؤون خلفي؟" قلنا: نعم، قال: "فلا تفعلوا إلا في فاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، أخرجه أحمد والبخاري في جزء القراءة وصححه أبو داود وصححه البخاري- رحمه اللـه-، وكذلك الترمذي والدار قطني والحاكم والبيهقي، قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير": ومن شواهده ما رواه أحمد من طريق خالد الحبذاء عن أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب رسول اللـه r قال: قال رسول اللـه r: "لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ"، قالوا: إنا لنفعل، قال: "لا، إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب"، قال ابن حجر: وإسناده حسن.

هذا في الفاتحة أما في غيرها من سائر القرآن فلا يجوز للمأموم أن يقرأ وإمامه يقرأ، سواء كان الإمام يقرأ الفاتحة أو يقرأ غير الفاتحة، إلا الفاتحة فإنها من أعمدة الصلاة وأركانها.

وأما الاستدلال بقول اللـه عز وجل: (فإذا قرئ القرآن فاستمعوا لـه وأنصتوا لعلكم ترحمون)، فليس فيه دلالة فهذا عام في الأمر بالإنصات للقرآن، وجاء حديث عبادة بن الصامت في سنن أبي داود وفي جزء البخاري في القراءة ليخصص هذا العموم، (فإذا قرئ القرآن فاستمعوا لـه وأنصتوا لعلكم ترحمون)، عموم وهذا خاص، والعام يحمل على الخاص عند جمهور الأصوليين والمحققين منهم، وقد حكى الإمام أحمد- رحمه اللـه- على أن هذه قد وردت في الصلاة، حكى الإجماع على أن قول اللـه عز وجل: (فإذا قرئ القرآن فاستمعوا لـه وأنصتوا لعلكم ترحمون)، وهذا لا يؤثر، حكاية الإجماع هذه لو صحت لا تؤثر؛ لأنه نقول أيضاً يجب على الإنسان إذا سمع القرآن أن ينصت على العموم، إلا في الفاتحة فإنه لا يلزمه الإنصات، وكذلك الحديث الوارد عن النبي r: "وإذا قرأ فأنصتوا"، فقالوا: هذا أمر بالإنصات عند القراءة ويشمل الفاتحة، هذا أيضاً عموم، وحديث عبادة خاص، وكذلك حديث جابر بن عبد اللـه رضي اللـه تعالى عنهما، في مسند أحمد وغيره، أن النبي r قال: "من كان لـه إمام فقراءة الإمام لـه قراءة"، قالوا: فالإمام يحمل القراءة عن المأموم فلا تجب عليه وتكون هذه الأخبار مخصصة، وهذا كلـه ليس لـه معنى عند ورود النص وهو حديث عبادة وهي في صلاة الفجر وهي جهرية وقال فيها: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن"، "ومن كان لـه إمام"، يقال عموم أيضاً، من كان لـه إمام فقراءة الإمام في غير الفاتحة لـه قراءة، فلا يقرأ يقول أريد أن أحصل الأجر، نقول هذا الحديث يقضي عليك بوجوب السكوت، "من كان لـه إمام، فقراءة الإمام لـه قراءة"، فلذلك ذهب بعضهم إلى دعوى النسخ، وذهب بعضهم إلى تضعيف الأحاديث الصحيحة وسنده كالشمس صحة، وقد صححه الحافظ ابن حجر وقبلـه البخاري، كذلك أبو داود وغيره من أهل العلم- رحمة اللـه تعالى على الجميع-، فبعضهم قال بالنسخ، وبعضهم قال بالافتراض، وبعضهم قال لا يعقل أن الشريعة تأمر الإمام أن يقرأ والمأموم أن يقرأ، وكل هذه من أفهام العقول، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تعارض بها سنة رسول اللـه r، لذلك كانت سنة أهل الحديث في هذه المسألة وعلمائهم- رحمة اللـه تعالى على الجميع- هو الأخذ بها، والأخذ بهذه السنة وعدم تجاوزها إلى نحاتة الأذهان ونتيجة إعمال العقول في كلام اللـه وكلام رسولـه صلى اللـه عليه وآلـه وصحبه وسلم، لذلك كان هذا رأي شيخنا العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمة اللـه تعالى عليه-.

فإذا قرأ الفاتحة أمّنْ الإمام وأمّنْ المأموم على الصحيح من أقوال أهل العلم، خلافاً لمالك- رحمه اللـه- فإنه لا يرى للإمام أن يؤمن، وقولـه هنا مرجوح لما ثبت في الأحاديث عن النبي r بالتأمين، وليس بعد التأمين سكتات وإنما هي كما قال الإمام ابن القيم- رحمه اللـه- بقدر ما يتراد بها النفس وليست سكتة لقراءة الفاتحة كما هو مشهور منتشر عند كثير من الفقهاء وعند عامة الناس، لذلك لا يشرع من حيث التعبد أن يسكت الإمام ليقرأ الناس، مادام أنها ما ثبتت عن النبي r أنها سكتة لأجل القراءة، وإنما هي سكتة يسيرة فالإنسان بعد أن يحبسه النفس يحتاج إلى سكتة يسيرة جداً تعد باللحظات ثم يقرأ بالسورة التي تليها، والمأموم يقرأ والإمام يقرأ من غير فاتحة، وأرى لـه- واللـه عز وجل أعلم- أن يقرأ الفاتحة مع الإمام وهو يقرأ الفاتحة، ولا حرج، الإمام يقرأ الفاتحة وهو يقرأ الفاتحة ولكن ليس بالضرورة التتبع معه، الإمام يقرأ (الحمد للـه رب العالمين) وهو يقرأ (الحمد للـه رب العالمين)، يقرأ وحده والإمام يقرأ وحده أيضاً، وبهذا يتحصل قضية قراءة الفاتحة ويتحصل لك أيضاً أن تتابع الإمام في قراءة جديدة غير الفاتحة، يعني أن تقرأ الفاتحة والإمام يقرأ الفاتحة هذا سهل، هي فاتحة هنا وهناك، ولكن ليس من المناسب أن يقرأ الإمام سورة جديدة غير الفاتحة وهو يقرأ سورة أخرى، ولعل المناسب في هذا- واللـه أعلم- أن يقرأ الإنسان، لو قرأها في أثناء الفاتحة فهي حسن تحصيلاً للمصلحتين الشرعيتين وهما متابعة الإمام في القراءة الجديدة، والقيام بواجب الركنية الواردة في حديث الفاتحة كما أمر اللـه عز وجل.

الأسئلة:

1- في مسألة الجهر بالبسملة ألم يرد في صحيح مسلم حديث أنس t قال: صليت خلف رسول اللـه r وأبو بكر وعمر وكلـهم كان يجهر بسم اللـه الرحمن الرحيم"، وعليه فالمذهب ما رجحه ابن القيم وابن تيمية بما ورد في حديث الجهر وما ورد في حديث السر فيجهر تارة ويسر تارة ولكن إسراره أكثر من جهره؟

هذا صحيح ولا يمنع ولكن ما هو الـهدي الغالب في هدي النبي r الـهدي العام والغالب الساحق هو أنه ما كان يجهر وأما الوارد في الجهر في هذه الأحاديث فهي على سبيل القلة والندرة وعلى سبيل التعليم- واللـه أعلم-، وإلا لو كان هذا هو الأصل في هدي النبي r لتناقلته الرواة ولتناقلـه أصحاب النبي r ولثبت الخبر عنه كما كان حرصهم- رضي اللـه عنهم- في هذا المقام، وهي مسألة يسيرة ولا ينبغي أن تكون مجال نزاع بين المسلمين، لا شك في ذلك ولا جدل، ولكن ينبغي أن يؤخذ بهذا بالـهدي العام للنبي r، الـهدي العام هو الترك، وهو الأصل في هديه r في صفة الصلاة، وما ورد من هذا فهو يفعل أحياناً على وجه القلة كما ورد أحياناً على وجه القلة، كما فصل هذا في الكلام في ضوابط السنة والبدعة فيما مضى.

فالناس بين جافٍ وغالٍ، فتجد من لا يجهر أصلاً ولو من باب التعليم إذا كان يحتاج أن يخبرهم أن البسملة من سنة النبي r، وبعض الناس أيضاً يجفو من جهة ويغلو من جهة أخرى فتجده لا يتركها أبداً لا في الفاتحة ولا في غير الفاتحة، هذا غلوٌ وجفاء، واللـه أعلم.

2-  إذا قال المأموم دعاء الاستفتاح وانتهى منه فهل يسكت أم ماذا يفعل إذا كانت صلاةً جهرية؟

الصحيح- واللـه أعلم- أنه لا يجمع بين الاستفتاحات هذا جرى بحثه بين أهل العلم، فبعضهم يقول إنه يجمع والجمع يحتاج إلى دليل، ولكن إن كبره وهللـه ووحده كما ورد في أحاديث أخرى فهو حسن، حتى يقرأ الإمام، بعض الأئمة يطيل مثلاً هو يقرأ "اللـهم باعد بيني وبين خطاياي" أن اخترت هذه المرة أنك تقرأ ما ورد في حديث أبي سعيد الخدري "سبحانك اللـهم وبحمدك"، فتقرأ المشروع الوارد ثم تسبحه وتكبره وتهللـه كما ورد هذا في أحاديث أخرى عن النبي r.

3- ما الإجابة عما صح عن ابن عمر رضي اللـه عنهما أنه كان يرفع يديه في الصلاة، في التكبيرات غير تكبيرة الإحرام إلى صدره، وفي رواية إلى ثدييه، مع حرص ابن عمر على تطبيق السنة، فهل يقال بسنية هذا؟

إن ثبت هذا من فعلـه ولا يعارض به سنة النبي r.

4- إذا قرأ الشخص الفاتحة منفرداً أو في صلاة سرية هل يؤمن؟

إذا أردنا البحث فالأصل أن يفعل الإنسان ما كان يفعلـه النبي r في صلاته "صلوا كما رأيتموني أصلي"، هذا الأصل، فإذا كان هذا هو الأصل فللمأموم أن يفعل ما يراه وفق فعل النبي r.

6- ألا يكون من الأجوبة في قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية هو أن يقرأ الإنسان الفاتحة في السكتة الثانية للإمام وهي التي تكون قبل الركوع والتي لا تفعل إلا نادراً في المساجد؟

السكتة التي قبل الركوع كما حققه الإمام ابن القيم في "الـهدي" ما ثبت أنها طويلة فلذلك لا يعتمد عليها في قراءة الفاتحة، وقراءة الفاتحة فيها خشوع وترسل، فلا يمكن أن تقرأ الفاتحة بخشوع وترسل في السكتة الثانية وهي ما قبل الركوع، وسيأتي إن شاء اللـه الكلام عليها.

واللـه عز وجل أعلم وصلى اللـه وسلم على نبينا محمد.



 


حقوق النشر والطبع © 1427هـ فضيلة الشيخ سليمان الماجد . جميع الحقوق محفوظه

Copyright © 2006 www.salmajed.com . All rights reserved

info@salmajed.com