الدرس السابع- كتاب الطهارة
الحمد للـه والصلاة والسلام على رسول اللـه وعلى آلـه وصحبه ومن والاه، وبعد:
هذه جملة من أحاديث بلوغ المرام في آداب قضاء الحاجة ذكر ابن الحافظ ابن حجر- رحمه اللـه تعالى- في أول هذا الباب.
الحديث الأول:
حديث أنس بن مالك- رضي اللـه تعالى عنه-: "أن النبي- صلى اللـه عليه وسلم- كان إذا دخل الخلاء، وضع خاتمه" رواه أصحاب السنن الأربعة، وفي سنده كلام وقد ضعفه الإمام ابن القيم- رحمه اللـه تعالى عليه-.
وقد أخذ بعض أهل العلم من هذا الحديث مشروعية عدم إدخال شيء ذكر في اسم اللـه عز وجل إلى الخلاء- أقول هذا في المشروعية- وقد اختلفوا بعد ذلك في تحريم الدخول أو كراهته، ولا أعرف في ذلك حديثاً ثابتاً يُستند إليه، وقد جاء أيضاً في سنن الترمذي: "أن النبي- صلى اللـه عليه وسلم- إذا دخل الخلاء حول خاتمه" حولـه أي: وضع نقش محمد رسول اللـه إلى داخل كفه،والحديث أيضاً ضعيف، بما أن الأحاديث ضعيفة فينظر في أصل الحكم.
ما هو حكم إدخال شيء فيه اسم اللـه عز وجل، سواءً كان ذلك مصحفاً أو كتاباً أو كانت أوراقاً يوجد فيها اسم اللـه عز وجل؟
مما لا شك فيه هو أن لا يُدخل المسلم في الخلاء شيئاً من هذا، ولكن مدار المسالة على تعظيم ذكر اللـه عز وجل، أو- عياذاً باللـه عز وجل- على تحقيره، لكن نفرض أنه لم يرد أحاديث أو أنها ضعيفة كما رأينا، مدار المسألة هو في تعظيم ذكر اللـه عز وجل، وتحقير ذكر اللـه عز وجل أيضاً سواءً كان كتاباً أو سنة، أو كلاماً فيه كتاب أو سنة، وتحقير الشيء وتعظيمه لم يرد في حده حد لا في كتاب اللـه ولا في سنة رسولـه- صلى اللـه عليه وآلـه وصحبه وسلم، فالمرجع فيه إذاً إلى ما يعرفه الناس بعاداتهم أنه تحقيرٌ أو تعظيم، وفي نحو هذه المسألة مال الإمام ابن تيمية- رحمه اللـه- في كتابه "الصارم المسلول في الرد على شاتم الرسول" إلى شتم اللـه- تعالى اللـه عز وجل وتقدس- وشتم رسولـه- صلى اللـه عليه وسلم-، قرر ابن تيمية القاعدة بوضوح "أنما لا يُعرف لـه حد في الكتاب ولا في السنة فمرجعه إلى عادات الناس، فما يُعرف أنه شتم وسخرية واستهزاء، فهو شتم وسخرية واستهزاء" هذا كلامه في قضية الشتم، نعود فنقول: إن قضية إدخال شيء فيه ذكر اللـه إلى الخلاء يُنظر فيه إلى ما يعرفه الناس تحقيراً، ومثل ذلك الاستناد على كتب العلم، الاستناد إليه بالظهر أو وضع المصحف- جل كتاب اللـه- أمام الرجل والقدم وغيرها من الصور والأحوال كلـها قاعدتها واحدة، ومدارها مدار واحد وهو قضية التحقير لم يرد لـه حد في الكتاب والسنة ولا في لغة العرب أيضاً، فيعود الأمر فيه إلى عادة الناس وما يعرفونه تعظيماً أو تحقيراً، فنحن بعد أن عرفنا القاعدة لا أُريد أن أخوض في القضايا التفصيلية، لكن في تصوري أن تحقير كتاب اللـه عز وجل أو تحقير شيئاً فيه ذكر اللـه عز وجل، ليس في إدخالـه للخلاء وهو مطبق ومحفوظ وداخل الجيب ولكن التحقير فيما يراه الناس من يأتي ويضع القرآن على الجدار أو يقرأ فيه وهو في الخلاء، أو يضعه دائماً في الخلاء ويفتحه في هذا المقام... إلخ.
هذه صور تختلف فيها نظرات الناس في هذه المسألة فقد يرون شيئاً فيه تحقير واضح وإهانة بينة، وقد يكون أشياء ليس فيها تحقير واضح ولا إهانة بينة، وهناك من المسائل ما هو بين بين وهكذا.
لذلك أفتى شيخنا عبد العزيز بن باز- رحمه اللـه- في مسألة المصحف، أنه إذا خشي عليه من السرقة، أو الضياع أو حتى النسيان، يقول: أنك تدخل به إلى الخلاء، وهذا كأنه تأصيل منه، واللـه أعلم، أو كأنه بناء على هذا التأصيل أن قضية الدخول بالذكر إلى الخلاء ليست في حد ذاتها محرمة بوصفها في الكتاب والسنة، وإنما لعلـه رجع إلى هذا المعنى، فقضية نسيان المصحف ليس بمشكلة؛ ولكن المشكلة بأن يكون هذا محرماً فيدخل فيه في الخلاء، وفي بيت اللـه عز وجل، وقد يقع أيضاً في نفس مسلمٍ آخر بأن هذه إهانة ويراها من نفسه أنها إهانة وقد يتوجه عليه من الحكم والأحكام ما لا يتوجه إلى غيره في هذه المسألة.
ولا شك أن ملاك الأمر هنا الورع والحذر والتوقي ما استطاع المسلم إلى ذلك سبيلاً.
الحديث الثاني:
حديث أنس بن مالك رضي اللـه عنه: أن النبي- صلى اللـه عليه وسلم- كان إذا دخل الخلاء قال: "اللـهم إني أعوذ بك من الخُبث والخبائث"، رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
الخُبُثْ: جمع خبيث، وهم الشياطين، والخبائث: جمع خبيثة، وهنّ إناث الشياطين.
وقيل: - وهي الرواية المشهورة والضبط المشهور- "اللـهم إني أعوذ بك من الخُبْث، وهي الصفة، والخبائث، قيل ما يستخبث، وقيل أيضا: الخبيثات والمقصود بها الجان أو غيره.
فعلى هذين الضبطتين المقصود هو الاستعاذة من المستخبثات سواءً كانت من الجن أو كانت من المستخبثات التي يستخبثها بنو آدم والتي تكون في الخلاء وكلـها تدور على معنى واحد.
وفي هذا الحديث من الفائدة، مشروعية هذا الذكر عند دخول الخلاء.
الحديث الثالث:
حديث أنس أنه قال: كان يدخل الخلاء فأحمل الإداوة، فأحمل أنا وغلامٌ نحوي إداوة من ماء وعنزة، قال: فيستنجي بالماء". الإداوة هو إبريق الطهور، الحديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
هذا الحديث، في قولـه: "أنا وغلام نحوي" قيل بأنه ابن مسعود، فلا يكون قولـه"نحوي" أي: في مثل سني وعمري، وإنما يقصد "نحوي" أي: في خدمة النبي- صلى اللـه عليه وسلم-، إن كان هو ابن مسعود فبينهما فرق شاسع في السن.
والعَنَزَة: قيل يركز فيها ثيابه، وقيل: عنزة: يركزها ليصلي إليها.
"فيستنجي بالماء" أي: يتنظف بالماء والنجو هو النظافة، ويقال: أنه من الأضداد أيضاً، فيكون النجو هو النجاسة. فإذا استنجى أي طلب إزالة النجاسة أو طلب نظافته من النجاسة.
وهذا الحديث فيه:
الاستنجاء بالماء، أي: تطهير الموضع بالماء.
الحديث الرابع:
حديث المغيرة بن شعبة- رضي اللـه تعالى عنه- أنه قال: قال لي النبي- صلى اللـه عليه وسلم-: "خُذ الإداوة " قال: فانطلقت حتى توارى عني ثم قضى حاجته". رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
وهذا الحديث فيه مشروعية الاستتار والبعد عند قضاء الحاجة، وفيه عظيم حياء النبي- صلى اللـه عليه وآلـه وصحبه وسلم-، ويُبين قلة حياء كثير من الناس الذين إذا أراد أن يتوضأ ولا يستتر عن الناس بل قد يأتي إلى الميضأة،- وهي مكان الوضوء- فيقضي حاجته فيها ويظهر سوءته وعورته، وبعضهم أيضاً مع الأسف الشديد يذهب حياءه بالكلية حين يُنكر عليه فيقول: أنا رجل، وهذا قد مُسخ منه الحياء نسأل اللـه السلامة والعافية.
الحديث الخامس:
حديث أبي هريرة رضي اللـه عنه، عن النبي- صلى اللـه عليه وسلم- أنه قال: اتقوا اللعّانين، قيل: وما اللعانان يا رسول اللـه؟ الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلـهم"، رواه مسلم في صحيحه، وفي حديث معاذ: "اتقوا الملاعن الثلاث، البراز في الموارد، وقارعة الطريق والظل" رواه أبو داود وضعفه بعضهم، وفي سنن أبي داود أيضاً عن ابن عباس- رضي اللـه عنهما- :"أو نبع الماء" أي: وأن تقضوا حاجاتكم في نبع الماء.
وعن ابن عمر- رضي اللـه عنهما- أن النبي- صلى اللـه عليه وسلم- نهى عن قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة وضفة النهر الجاري"، وفي سنده أيضاً كلام.
وهذه الأحاديث ما صح منها وما لم يصح كلـها تدل على عدم جواز قضاء الحاجة في أي موضع يتأذى فيه المسلمون وإنما ذكرت هذه- واللـه أعلم- للأمثلة ولكونها أكثر الأشياء مما يتأذى المسلمون بقضاء الحاجة فيها وسُميت باللاعنين وفي رواية باللعّانين وفي رواية الملاعن الثلاثة، سُميت بذلك لكون قضاء الحاجة فيها سبب من أسباب اللعن، ليس لعن اللـه عز وجل وإنما سبب لعن الناس، أنهم يقولون: ما أقبح فلان، اللـهم افعل به... إلى آخر ما يقولون، كل هذا بسبب أنه قضى حاجته في مواقع جلوسهم أو طريقهم.
حتى لو لم ترد هذه الأحاديث فكف الأذى واجب، فيجب على المسلم أن يكف أذاه عن الناس، وقد قال النبي- صلى اللـه عليه وسلم-: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إلـه إلا اللـه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" وأيضاً أن اللـه سبحانه وتعالى قد حرم الضرر والإضرار بالمسلمين في طرقهم وأماكنهم وفي أنفسهم.
الحديث السادس:
حديث جابر بن عبد اللـه بن حرام- رضي اللـه تعالى عنهما- وفيه أنه قال: "إذا تغوط الرجلان فليتوارَ كل واحدٍ منهما عن صاحبه، ولا يتحدثا، فإن اللـه يمقُتُ ذلك"، أحرجه أحمدٌ في مسنده، وهذا الحديث أيضاً في إسناده مقال، وهو أيضاً من آداب قضاء الحاجة أن لا يتحدث الإنسان فيها حديث المستأنس أو حديث المسترسل، وإنما يتحدث إذا لزم الأمر كأن يجيب عن سؤال، أو يقول نعم أو لا، أو يشير بعبارة عاجلة لا تعتبر حديثاً، وهذه يحتاجها الناس لا سيما إذا أطال الإنسان في بيت الخلاء فلا يُمنع ذلك- واللـه أعلم- وإنما هي من الآداب العامة لم يرد فيها النهي عن الحديث مطلقاً، أو أن النهي الوارد وإنما هو عن الكلام كتجاذب أطراف الحديث، وأما رد الكلام بنعم أو لا، أو الإجابة عن سؤال سريع عاجل فليست منها- واللـه أعلم-، وبالجملة فالحديث ضعيف، ولكن لا شك أن عقلاء الناس وأدباءهم يجمعون على أن هذا من الممقوتات، وهو أن يقضي الإنسان ثم يتجاذب مع صاحبه أطراف الحديث.
الحديث السابع:
حديث أبي قتادة الأنصاري- رضي اللـه تعالى عنه-، أن النبي- صلى اللـه عليه وسلم- قال: "لا يمس أحدكم ذكره بيمينه، وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء"، أخرجاه في الصحيحين.
هذا الحديث أيضاً فيه من آداب الطهارة أن الإنسان لا يمسك ذكره بيمينه وإنما يمسكه بشمالـه، فاليمين وضعت للأكل والشرب والسلام ومكارم الأمور وأما اليسرى فوضعت لغير ذلك، بل إن من خيانة الناس أن يمس الإنسان شيئاً من الأذى بيمينه ثم يعود فيصافحهم.
وفيه أيضاً من الآداب ما أشار إليه الحديث وهو أن لا يتنفس في الإناء، بل يشرب ثم يبعد الإناء فيتنفس خارج الإناء، وهذا أيضاً فيه فوائد أدبية فالناس يكرهون من يتنفس في آنيتهم ولا يشربون بعده، وفيه أيضاً ما ظهر في الوقت الحاضر من كون التنفس وهو الزفير الذي يخرج من الجسم هذا رجيع ما يقع من الدم في هواء الدم وهو ثاني أكسيد الكربون وهذا قد يؤثر في هذه المياه بإذن اللـه عز وجل.
الحديث الثامن:
حديث سلمان- رضي اللـه عنه- قال: لقد نهانا رسول اللـه- صلى اللـه عليه وسلم- أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم"،
هذا الحديث فيه جملة من الفوائد منها:
النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول، وقد تعددت أقوال العلماء في حكم استقبال القبلة بالغائط والبول:
القول الأول: قال بعض العلماء: بأنه يحرّم استقبال القبلة واستدبارها في البنيان وفي الصحراء، على التحريم وليس على الكراهة.
القول الثاني: وقال بعضهم: إنما يكره في الصحراء وأماكن الفضاء دون البنيان.
القول الثالث: وقال بعضهم إنما يحرم الاستقبال دون الاستدبار.
القول الرابع: إنما يحرم الاستدبار دون الاستقبال.
القول الخامس: وقال آخرون بأن الاستقبال والاستدبار مباح وأن النهي عن ذلك منسوخ، لحديث جابر بن عبد اللـه بن حرام- رضي اللـه تعالى عنهما- أنه قال: رأيت رسول اللـه- صلى اللـه عليه وسلم- قبل أن يموت بعام مستقبل القبلة مستدبراً بيت المقدس"، وهو حديث حسن، فأخذوا من قولـه: "قبل وفاته بعام" أن هذا كان آخر الأمرين، وآخر الحالين لأنها نسخت بذلك حديث سلمان وغيره من الأحاديث الواردة في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها.
القول السادس: أن النهي عن الاستقبال والاستدبار ثابت في السنة فأما استقبال القبلة فورد فيه حديث جابر بن عبد اللـه بن حرام- رضي اللـه تعالى عنهما- أخرجه الإمام أحمد في مسنده بسند حسن "أنه رأى النبي- صلى اللـه عليه وسلم- قبل أن يموت بعام مستقبلاً القبلة مستدبراً بيت المقدس".
عن ابن عمر- رضي اللـه عنهما-:"أنه قال: رأيت النبي- صلى اللـه عليه وسلم- يقضي حاجته مستدبراً القبلة مستقبلاً بيت المقدس"، رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
فعندنا النهي- القاعدة الأصولية التي تقول: "أن النهي إذا عارضه فعل النبي- صلى اللـه عليه وسلم- فإنه ينتقل من إرادة التحريم إلى إرادة الكراهة" وهذا هو الصحيح وهذا هو الذي يجمع فيه الأدلة فلا يجب أن نقول بالنسخ مع إمكان الجمع"، وأن الإمام الشوكاني- رحمه اللـه- قد ذهب في ذلك إلى أن الأمر العام للأمة لا يُعارض الفعل الخاص بالنبي- صلى اللـه عليه وسلم-، يقول: هذا خاص بالنبي- صلى اللـه عليه وسلم- وهذا عام للأمة، فيكون حراما على الأمة ويكون جائزاً للنبي- صلى اللـه عليه وسلم.
واختيار الشوكاني- رحمه اللـه- في هذه القضية وهي قد خالفه فيها جمهور الأصوليين فهم يقولون: أن الأصل في أفعال النبي- صلى اللـه عليه وسلم- هي الاقتداء، فلا يجوز أن نهمل نصاً من النصوص مع إمكانية الجمع لا سيما أن النهي وإن قلنا ليس مشتركاً لفظياً- بمعنى مشترك يعني أنه يُراد به على السواء، يراد الكراهة ويراد به التحريم، وليس مشتركاً لفظياً بهذه المسألة، وإنما النهي في الأصل هو التحريم، ليست دلالة التحريم قطعية، فإذا ورد نص يدل على مخالفة هذا النهي صرفه من التحريم إلى الكراهة. وهذا هو قول الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني- رحمة اللـه تعالى عليه-.
الذين قالوا إن النهي للاستقبال فقط أو أنه للاستدبار فقط، بعضهم أخذ بحديث ابن عمر وبعضهم أخذ بحديث جابر، لكن لا يجوز أن نُهمل نصاً ونُعمل نصاً آخر فكل النصوص تُعمل، فإذا كان النهي من قبل ثم فعلـه، فهذا يدل على الكراهة وفعلـه لبيان الجواز.
ثم ذكر المؤلف رحمه اللـه حديث أبي أيوب الأنصاري في الصحيحين، "لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائض ولا بول ولكن شرقوا أو غربوا"، وهو يؤكد معنى حديث سلمان- رضي اللـه عنه- وهي نهي أيضاً حديث سلمان نهي وحديث أبي أيوب نهي أيضاً وهذه الأحاديث تصرف النهي إلى الكراهة.
فوائد هذا الحديث:
جواز استقبال النيرين (الشمس والقمر)، فهناك من قال من الفقهاء وهي مذكور في "زاد المستقنع" أنه لا يستقبل في حاجته الشمس ولا القمر تكريماً لـهما.
أخذوا من هذا الحديث جواز استقبال النيرين، لماذا؟
خاصة في مقام النبي- صلى اللـه عليه وسلم- تجاه الكعبة، يعني إذا قال: لا تستدبرها، يجعل الدبر إلى القبلة، أو لا تستقبلـها يجعل القبل إلى القبلة، فلا بد أن تكون الشمس في الشرق أو في الغرب، فمعناها أن النبي- صلى اللـه عليه وسلم- لا بد أن يتجه إلى الشرق أو يتجه إلى الغرب، فقه منها بعض العلماء أن ما شاع عند بعض الفقهاء أن تحريم استقبال النيرين غير صحيحة من دلالة هذا الحديث.
ثم ذكر حديث عائشة- رضي اللـه تعالى عنها- في سنن أبي داود: "من أتى الغائط فليستتر"، وفيه أيضاً مشروعية وتأكيد الاستتار عند قضاء الحاجة، وفي حديث عائشة: كان النبي- صلى اللـه عليه وسلم- إذا خرج من الغائط قال: "غفرانك"، رواه أحمد وأبو داود والترمذي بإسنادٍ صحيح، وفيه مشروعية قول هذا الذكر عند الخروج من الخلاء، وبعض المحدثين يُضعف حديث "الحمد للـه الذي أذهب عني الأذى وعافاني"، فالأمر مداره على صحته فإن ثبت كان مشروعاً أن يُقال عند الخروج من الخلاء، وإن لم يثبت لم يكن مشروعاً.
ثم ذكر حديث ابن مسعود- رضي اللـه تعالى عنه-: أن النبي- صلى اللـه عليه وسلم- أتى الغائط قال: فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، قال: فوجدت حجرين ولم أجد ثالثاً، فأتيته بروثة، فأخذهما وألقى الروثة، وقال: "هذا رِكْسٌ"، رواه البخاري.
هذا الحديث فيه مشروعية الاستنجاء بالأحجار، وأخذ منه بعض الفقهاء أن الاستنجاء بثلاثة أحجار غير واجبة، وأيدوه بحديث أبي هريرة: "ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج عليه". رواه أبو داود وقد ضُعِّف.
حديث أبي هريرة، أكدوا به هذا المعنى وأن الإتيان بثلاثة أحجار لا يجب، ولكن اتفق العلماء في قضية الاستنجاء بالأحجار على الإنقاء وهذا شرط عند الجميع، لا أقول آخذ ثلاثة أحجار ثم يستعملـها الإنسان استعمالاً خفيفاً سريعاً ثم يقول أنا أتيت بالسنة والأذى قد بقي هذا غير مشروع باتفاق العلماء، لكن نقول إذا أنقى بحجرين وذهب الأثر فهل يلزمه حجر ثالث هذا محل الخلاف.
قالوا: بأن هذا الحديث أنه حين أتاه بحجرين وروثة ألقى الروثة وأخذ الحجرين، حتى أنه بحث عن حجر ثالث فلم يجد "طلبت ثالث فما وجدت"، هم جاءوا بأن النبي- صلى اللـه عليه وسلم- قد وجد عنده جحراً فأكمل بها الأحجار الثلاثة أو الاثنين فلا يكون فيه الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار.
والقائلون بالثلاثة أحجار أكدوا مذهبهم وهو مذهب الشافعي- رحمه اللـه- أكدوا مذهبهم بحديث سلمان الفارسي- رضي اللـه عنه- في صحيح مسلم: "أمرنا أن لا نكتفي بدون ثلاثة أحجار"، وهذا يؤكد من قال بأنه لا بد من ثلاث أحجار منقيات.
هل يقوم مقامها المناديل؟
.... فإذا جاء بثلاثة مناديل فلعلـه يقوم مقامها إن شاء اللـه بل قد يجزئ عنها، وهذا اختيار الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين- رحمه اللـه-.
ثم ذكر حديث أبي هريرة- رضي اللـه عنه-: أن رسول اللـه- صلى اللـه عليه وسلم- نهى أن يُستنجى بعظم أو روث، وقال: "إنهما لا يطهران"، رواه الدار قطني بإسنادٍ فيه كلام، حديث أبي هريرة من طريق آخر: أن رسول اللـه- صلى اللـه عليه وسلم- قال: "استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه"، رواه الدار قطني وفيه مقال، ويُغني عنه حديث ابن عباس- رضي اللـه عنهما- الذي جاء في الصحيحين: أن النبي- صلى اللـه عليه وسلم- مر بقبرين وقال "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة بين الناس، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول" وفي رواية: "لا يتنزه من البول"، كما صح في مستدرك الحاكم أيضاً من أحاديث الباب: "أكثر عذاب القبر من البول"، وهو حديث جيد، وكل هذه الأحاديث تدل على أهمية الاستبراء من البول سواءً كان ذلك بالتطهير أو أن يتخير مكان البول أو أن لا يجعل الرشاش يتطاير هنا وهناك كما يفعل أصحاب العجلة عند قضاء الحاجة، فالإنسان حتى لا يقع- أعاذنا اللـه وإياكم- في عذاب القبر أن يستنزه وأن يستتر منه، يقول العلماء: ورد أن يستنزه ويتنزه ويستتر والمقصود أنه يمتنع إذا وقع وأن يضع حاجزاً، وفيه أن يستنزه ويتنزه أي: أن يتنظف نظافة كاملة ولا يعجل البول حتى ينتهي وهكذا.
وفيه أيضاً حديث سراقة بن مالك- رضي اللـه عنه- أنه قال: علمنا رسول اللـه- صلى اللـه عليه وسلم- في الخلاء، أن نقعد على اليُسرى، ونُنصب اليُمنى" رواه البيهقي، وهو حديث ضعيف وضعف شارح بلوغ المرام الإمام الصنعاني- رحمه اللـه-.
ثم ذكر الحديث التالي وهو حديث عيسى بن يزداد، عن أبيه قال: قال رسول اللـه- صلى اللـه عليه وسلم-: "إذا بال أحدكم فلينثر ذكره ثلاث مرات"، رواه ابن ماجه بسندٍ ضعيف، ويسميه الفقهاء النثر أن يمسك بذكره من أصلـه حتى يجعل موضع المثانة ينثرها ثلاثاً حتى تتوقف القطرات، ويسمونه النتر، والمقصود هو إذا كان الإنسان يحتاج إذا احتاج إلى النثر فعلـه لإخراج ما بقي من البول، وحديث عيسى هذا فيه مقال، ولكن المقصود هو الاستبراء من البول، والتنزه من البول والاستتار من البول، فإذا كان يحصل من غير ضرر، والأطباء المعاصرون لا يقولون بأنه يضر، فإذا كان يحصل من دون ضرر فيكون من الاستتار من البول والتبرئ من البول ويكون إهمالـه عند بعض الناس أيضاً من إهمال البول، أجارنا اللـه وإياكم من عذاب النار وعذاب القبر.
ثم ذكر حديث ابن عباس- رضي اللـه عنهما- أن النبي- صلى اللـه عليه وسلم- قال لأهل قباء: "إن اللـه قد أثنى عليكم"، فقالوا: إنا نُتبع الحجارة الماء. أي: إذا استنجينا بالحجارة أتبعناها الماء، رواه البزار وسنده ضعيف، ولكن صح بطريق آخر عند ابن خزيمة وغيره ولكن بدون ذكر الحجارة، أنهم قالوا: "كنا نستنجي بالماء"، أي: أنهم لا يفعلون كما يفعل أهل الأرياف وأهل البوادي أنهم يستنجون بالحجارة ولكنهم يستنجون بالماء وكان ثناء اللـه عليهم بسبب استنجائهم بالماء.
ثم تنوعت أقوال العلماء- رحمة اللـه تعالى عليهم- في هذا- أعني ما هو الأفضل-، وقد اتفقوا على أن الأفضل أن من أتى الاستنجاء بالحجارة ثم أتبعه بالماء على أنه قد جاء بكمال الأمر وقد خرج من الخلاف في هذه المسألة، كما اتفقوا أيضاً أن من جاء بالماء فقد أنقى وقد أتى بالطهارة التي أوجبها اللـه عز وجل عليه، ولكنهم اختلفوا في الأفضل، والمقصود- واللـه أعلم- من إزالة النجاسات هو إزالة عينها وأثرها، فإذا كان عينها وأثرها يزول بالماء فقط دون الحاجة إلى الأحجار كفى ذلك، ولكن بقي سؤال: هل نقول جمع الحجارة مطلقاً- نقول مطلقاً- جمع الحجارة مع الماء أنه مشروع ويتعبد اللـه عز وجل الإنسان به؟ فيه بحث مبني على ثبوت حديث ابن عباس- رضي اللـه عنهما- في قصته مع أهل قباء، والأقرب أنه ضعيف ولم يصح منه إلا أنهم قالوا: كنا نستنجي بالماء، فقضية تكلف أن يكون هناك الحجارة وأن يكون معها ماء أيضاً قد يكون فيه ما فيه على هذه الطريقة، وإن كان كثيرٌ من العلماء قد قالوا: بأن الجمع بينهما هو جمع للكمال في هذه المسالة، ولـه وجه من حيث الاستبراء في إزالة النجاسة بغير مائع يعني بغير ماء ثم غسلـه بالماء هو أقرب إلى الاستبراء فلا تتناثر النجاسة ولا ترتمي هاهنا وهناك مما يؤدي إلى زيادة في قلة الاستتار من النجاسات فيكون إزالتها بمنديل أو حجارة قبل غسلـها من الماء قد يكون أنقى وأبعد عن الطهارة فإن كان كذلك يكون معنى معقولاً ليس قضية تعبدية، فيكون الجمع على هذا الأساس مستحباً.
واللـه أعلم، وقد انتهى بذلك باب آداب قضاء الحاجة.
واللـه أعلم وصلى وسلم على نبينا محمد.
الأسئلة:
1- إذا أراد الإنسان صب الماء في قضائه للحاجة واحتاج لمسك الذكر فماذا يفعل؟
يمسك الذكر بيساره وليس بيمينه.
2- من المعلوم أن الدعاء عبادة والتزامها عبادة ما لم يلتزمها النبي r بدعة، فما حكم التزام دعاء- أكرمك اللـه- عند ذكر ما يستكره في الخلاء والحمام والغائط؟
يقول الناس أكرمك اللـه، وأجلك اللـه لا أعرف لـها أصلاً واللـه أعلم.
3- ما رأيك في قول بعض أهل العلم أن المقصود عند البول إخراج البول بأي طريقة كانت فلسنا متعبدين بهذا وإنما المراد هو التنزه من البول فقط؟
ماذا تقصد؟ تقصد استعمال الأحجار الثلاثة، إذا كان هذا هو المقصود فهناك من العلماء من قال لا بد من وجود الأحجار الثلاثة لحديث سلمان وبقية أحاديث الباب.
4- يقول لفظ حديث أبي أيوب يختلف عما ذكرته عندنا فعندنا "لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولكن شرقوا أو غربوا" هذه الرواية واللفظ متفق عليها بخلاف ما ذكرت فإذا اختلفت الرواية تغيرت حكمها؟
المقصود من إيراد المصنف هو جواز استقبال النيرين حين قال: "شرقوا أو غربوا" في المدينة التي يكون فيها الشرق إلى الشمس والغرب إلى القمر.
5- هناك حديث أن رجلاً سلم على النبي r في الخلاء فلم يرد عليه؟
هذا الحديث في سنن أبي داود وسنده حسن من حديث المهاجر بن قنفذ t: أنه سلم على النبي r وهو يقضي الحاجة فلم يرد السلام عليه، وكأنه وجد في نفسه فقال النبي r: "أما إني كرهت أن أذكر اللـه إلا على طهر" وهو حديث جيد. فهذا الحديث معنى كراهة ذكر اللـه عز وجل إلا على طهارة.
6- هل يكون إزالة النجاسات بالمنديل تشبهاً بالكفار؟
لا أظن ذلك، التشبه ضابطه كما ذكره ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم ضابطه أن يكون شعاراً للكفار أو مختصاً بهم، مثل استعمال مثلاً القبعة اليهودية الصغيرة أو استعمال القبعة المعروفة، حتى المسلمين لما أن ورد إليهم لباس الغرب استعملوا الطربوش التركي أو الشامي حتى لا يتشبهوا بالكفار.
7- حديث جابر وابن عمر في الاستقبال والاستدبار ثابتان ولو أعدت الحديثين ومن رواهما؟
حديث جابر بن عبد اللـه t هذا في مسند الإمام أحمد بسندٍ حسن: "أنه قال: رأيت النبي r قبل موته بعام مستقبل القبلة".
وحديث ابن عمر أنه قال: "رقيت على بيت عمتي حفصة فرأيت النبي r مستقبلاً بيت المقدس مستدبراً الكعبة. |