الدرس الرابع عشر- كتاب الصلاة
باب المساجد
الحمد للـه والصلاة والسلام على رسول اللـه وعلى آلـه وأصحابه ومن والاه، ومن اهتدى بهداه.
ثم ذكر المصنف- رحمه اللـه تعالى- في كتابه بلوغ المرام بعض الأحاديث الواردة في أحكام المساجد، وذكر فيها الحديث الأول: وهو حديث عائشة رضي اللـه عنها: أمر رسول اللـه r: "ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب"، قال: رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصحح إرسالـه- أي الترمذي- رحمه اللـه-، وقد وصل وإن كان مرسلاً من رواية الترمذي وصل من وجه آخر صحيح فهو حديث صحيح.
وفيه من الفوائد:
الأمر بتنظيف المساجد وتطييبها.
وفيه أيضاً أن المسجد لا يكون وقفاً بمجرد بنائه إذا كان صاحبه لم ينو ذلك، فلو أن إنساناً تبرع بمنفعة أرضٍ أو منزلٍ ثم بناها مسجداً وقال: هذه ينتفع بها الناس مدة حياتي أو ينتفعون بها ما لم أبع هذا البيت أو هذه المزرعة أو هذه الأرض كان ذلك سائغاً ولم تصبح وقفاً، حتى لو بناه كهيئة المساجد،
يعني الحديث كما ترون دل على مشروعية اتخاذ المساجد في المساكن، ومع ذلك ما رتب النبي r عليها أحكام الوقفية وإلا لنبه بقولـه وهي وقف للـه عز وجل، هذا وجه المأخذ أو الاستدلال من هذا الحديث، ولكن أيضاً يقال: هل ما أفدناه من هذا الحديث يعارض ما ذكره الفقهاء في كتب الفقه من أن الوقف يكون بالفعل كما يكون بالقول هل نقول أيضاً أن ما جاء في حديث عائشة يقضي على ما ذكروه فيكون غير صحيح أو يكون هناك توجيه آخر أو هناك أحوال للمساجد تختلف أحكامها باختلاف هذه الأحوال؟
ما ذكره الفقهاء صحيح لا إشكال فيه بأن الوقف يكون بالقول كما يكون بالفعل، ولكن ما دل عليه حديث عائشة أو ما استخرج العلماء- رحمة اللـه تعالى عليهم- فيه من حديث عائشة- رضي اللـه تعالى عنها- فهي إذا علمنا نية المُوقف، ولكنه يكون وقفاً بالفعل وإن لم يقل الموقف ذلك إذا مات عنه- على سبيل المثال-، لو أن إنساناً بنى مسجداً، عنده أرض جيدة، موقع جيد، ثم بناها مسجداً ثم توفي وجاء الورثة يقولون هذا المسجد ليس وقفاً والدليل على ذلك أن مورثنا لم يوقف هذا هو الصك وهذه هي وثيقة المنزل وليست وقفاً فنقول الآن ليس عندنا موقف لنسألـه ولا نأخذ نيته ولا نديّنه على ما أراد حين بنى هذا المسجد فيقضى على الورثة في هذه الحال إذا ادعوا بهذا المسجد بأنه قد صار وقفاً بالفعل، إلا أن تأتوا لنا ببينة تشهد عليه بعد بنائه لـه أو قبل بنائه لـه أنه إنما أراد بيع منفعة الأرض فقط، فإن أحضروا بينة كان بها وإلا مضى عليهم ما أمضاه مورثهم، ولكن نقول إذا جاء إنسان في طرف مزرعة أو طرف بيت أو طرف أرض كبيرة وقام بوضع مسجد مؤقت أو مسجد دائم ثم قال لم أنو أن يكون هذا الموقع وقفاً وإنما أردت أن ينتفع الناس بها مدة حياتي أو مدة ملكيتي لـهذه الأرض.
هذه الفائدة- أعني فائدة أن المسجد لا يكون وقفاً بمجرد البناء- قد ذكرها الصنعاني- رحمه اللـه في شرح البلوغ بشكل موجز.
ثم ذكر حديث أبي هريرة t قال: قال رسول اللـه r: "قاتل اللـه اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وفي رواية لمسلم: "قاتل اللـه اليهود والنصارى".
وفي الصحيحين من عائشة رضي اللـه عنها: "كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً"، وفيه: "أولئك شرار الخلق"،.
هذان الحديثان دلا على أمور عدة:
الأول: أن العمل عند الأمم السابقة عند اليهود والنصارى على أنهم كانوا يبنون على قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، لا نقول أنها وحي من اللـه ولا أنها إقرار من الشريعة، غاية ما في الأمر أن اللـه عز وجل قد أخبر بذلك، وذكر أن من أسباب بناء المساجد على القبور هي تعظيمهم للصالحين والأنبياء "كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً"، وفي هذا المعنى قول اللـه عز وجل في سورة الكهف في قصة أصحاب الكهف: (قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً)، وجاءت هذه الشريعة العظيمة كما دلت عليه هذه الأحاديث بمنع بناء المساجد على القبور، هذا على القول بأن هذا كان من عملـهم وكان سائغاً، ولكن هذا لا يظهر لأن النبي r حين قال: "قاتل اللـه اليهود والنصارى"، لم يكن ليحكم عليهم بالمقاتلة ولا بالذم والعيب على أمرٍ قد أقرتهم عليهم فيه الشريعة، والصحيح أن هذا كان موجوداً وكان ممقوتاً في دين اللـه عز وجل ولكنهم كانوا يخالفونه، وإلا لما قال فيهم النبي r : "قاتل اللـه اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، ولم يقل فيهم أيضاً "أولئك شرار الخلق"، فلا يسوغ أن يقول ذلك وشريعتهم تقر هذا، أنا أقول ذلك لأن هناك من وجه آية الكهف بأن هذا كان سائغاً في الملل الماضية، ثم انظر إلى سياق الآية حين قال اللـه عز وجل: (قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً)، لم يكن هذا قول العلماء ولا الصالحين ولا العباد فضلاً أن يكون قولاً لأنبياء اللـه عز وجل، وإنما كان هذا قول الذين غلبوا على أمرهم.
ومنع إقامة المساجد على القبور أو وضع القبور في المساجد أيضاً مبناها أو حكمتها عند أكثر أهل العلم هي سد ذرائع الشرك على الوجوه، وإن كان كثير من الأعاجم يحتج بمسجد النبي r وأنه قد أقيم على قبره مسجد أو أن قبره أدخل في المسجد، وهذا لا حجة فيه فإنما أقامه الملوك ولم يقمه الخلفاء فأول من أدخلـه هو عبد الملك بن مروان- رحمه اللـه وعفا عنه- ولم يكن هذا من عمل الخلفاء الراشدين ولا من عمل العلماء المهديين وإنما من عمل الملوك الذين لا حجة في قولـهم وعملـهم، ونسأل اللـه عز وجل المسؤولين إلى إخراج قبر النبي r من المسجد حتى لا يكون فتنة للناس.
ثم ذكر حديث أبي هريرة t قال: بعث النبي r خيلاً فجاءت برجل فربطوه بسارية من سواري المسجد"، قال: الحديث متفق عليه، وهذا ذكره في معرض أحكام المساجد وحكم دخول الكفار إلى بيوت اللـه عز وجل، وهذا الرجل الذي أتي به هو ثمامة بن أثال التميمي t حين كان مشركاً فإنه جلبه وربط بسارية من سواري المسجد، وساقه المؤلف تأييداً لمذهب الإمام الشافعي وهو إمام شافعي- أعني ابن حجر- في تقوية مذهب الإمام الشافعي- رحمه اللـه- في جواز دخول الكفار إلى جميع المساجد عدا المسجد الحرام، لذلك اختلفت أقوال العلماء- رحمة اللـه تعالى عليهم- في دخول الكافر إلى المسجد على أقوال أربعة:
القول الأول: الجواز مطلقاً في كل مسجد بلا استثناء بما فيها المسجد الحرام ومسجد النبي r، وهذا هو قول الحنفية- رحمة اللـه تعالى عليهم-.
الثاني: وذهب المالكية إلى المنع مطلقاً، فلا يجوز للكافر ولا المشرك أن يدخل أي مسجدٍ وأي بيت من بيوت اللـه عز وجل.
الثالث: وذهب الشافعية إلى الجواز ولا يستثنى عندهم إلا المسجد الحرام، لقول اللـه عز وجل: (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا).
الرابع: وذهب الحنابلة إلى المنع في الحرمين كليهما، أي مسجد النبي r والمسجد الحرام، واختلفت أقوالـهم فيما سوى ذلك من المساجد، ففي رواية بجواز ذلك عند الحاجة كما كان ذلك في قصة ثمامة بن أثال، وعدم جواز عند عدم الحاجة.
وقد أجاب الحنفية- رحمة اللـه تعالى عليهم- على من استدل بقول اللـه عز وجل: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، إنما هو نهي عن الحج وليس نهياً عن الدخول إلى المسجد، وهذا هي سياق الآية كما هو واضح حين أمر النبي r عليا t أن لا يحج إلى البيت مشرك وأن لا يطوف به عريان، وذلك لأن أنساكهم فيها خلط من الشرك والكفر باللـه عز وجل فمنعوا من الحج لـهذا السبب، والذي عليه العمل الآن والفتوى هو منع دخول الكفار إلى مسجد النبي r بل وحرمه وهي من مفردات مذهب الإمام أحمد- رحمه اللـه- وهي عدم جواز دخول الكافر إلى حرم المدينة، وإلا فقول الجمهور هو جواز دخول الكافر المدينة بل وحتى مسجد النبي r واستدلوا لذلك بحديث ثمامة بن أثال.
فمن مفردات مذهب الإمام أحمد- رحمه اللـه- القول بعدم جواز دخول الكافر إلى حرم المدينة ومسجدها- واللـه عز وجل أعلم.
ثم ذكر حديث أبي هريرة t، أن عمر بن الخطاب t مر بحسان ينشد في المسجد فلحظ إليه فقال: قد كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك"، متفق عليه.
وهذا الحديث أيضاً فيه شيء من أحكام المساجد وهي جواز إنشاد الشعر في المسجد، ولكن جاء في صحيح ابن خزيمة وسنن الترمذي بسندٍ جيد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي r نهى عن تناشد الأشعار في المسجد"، فهو حديث جيد، وقد حمل ذلك على النهي عن تناشد أشعار الفحش والبذاءة وأشعار الجاهلية، ويلوح هنا لي في لفظ هذا الحديث في قولـه: "تناشد"، التناشد تفاعل يكون بين اثنين أو بين مجموعة بين بعضها البعض، فكأنه نهي أن تكون المسجد مكاناً للمقاولات، والمعارضات الشعرية وأن يتخذ المسجد مسرحاً كما تتخذ أسواق العرب مثل عكاظ ومجاز ومجنة وغيرها من الأماكن التي يتناشد فيها الأشعار، فيتواعد الشعراء مثلاً في المسجد هذا يرد على هذا وهذا يجيب على هذا، وهذا يعارض قصيدة هذا وهذا يجيب، وهي يسميها الشعراء في الوقت الحاضر "بالرد" يجتمع شعراء وحولـهم أناس ثم يرد هذا على هذا ويرد هذا على هذا سواء كان ذلك بالحكم والآداب، أو أحياناً بالبذاءة والفحش والسب والشتيمة، كالذي يقع في بعض الأعراس لتسلية الحاضرين لـهذا العرس، وهذا النوع من الشعر هو التناشد الذي دل عليه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أياً كان فأي شيء فيه تناشد أشعار وتعارض بين الشعراء فلا ينبغي أن تكون في بيت اللـه عز وجل وهذا غاية ما دل عليه الحديث، وحسان دل على مطلق قول الشعر في بيت اللـه عز وجل، سواء كان خطيباً أو واعظاً أو إماماً ووعظ ببيت من الأشعار فلا حرج في ذلك إن شاء اللـه.
وعن أبي هريرة t قال: قال رسول اللـه r: "من سمع رجلاً ينشد ضالةً في المسجد فليقل: لا ردها اللـه عليك، فإن المساجد لم تبن لـهذا"، روه مسلم.
فيه منع نشدان الضالة في المسجد.
وعنه أيضاً t أن رسول اللـه r قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لـه لا أربح اللـه تجارتك"، رواه النسائي والترمذي وحسنه وهو حديث صحيح.
وفي هذا الحديث منع البيع والشراء في المسجد، لكن بقي قضية المساومة، أولاً العرض أن يعرض عليه البيع، المساومة: أن يقول سعرها كذا، قال لا سعرها كذا، هذا جزء من المبايعة والمشاراة فهي أيضاً ممنوعة، أن يعرض سلعته، فالمقصود هو البيع والشراء أو ما يؤدي بالضرورة أو بالأغلب إلى البيع والشراء مثل المساومة، وعرض السلع، بقي شيء الآخر وهي الإعلان عن البيع في المساجد مثل بعض الملصقات أحياناً بعض التسجيلات الإسلامية والـهيئات الخيرية تقول هناك سوق خيري وتعلن عنه هذا الأولى أن لا يكون مادام هناك دعوى للبيع والشراء ولكنه ليس بيعاً ولا شراءً ومنعه مطلقاً فيه نظر ولكنه فيه شيء من شواغل الناس عن ذكر اللـه وعن الصلاة وعبادة اللـه عز وجل والأولى أن يكون هذا في لوحات خارج المسجد إذا لزم الأمر لا سيما للمنظمات والـهيئات والجمعيات والخيرية حتى وإن كانت دعوة للبيع والشراء فهذا فيه مصلحة وخير وكونها أيضاً خارج المسجد يخرج من الإشكال فيكون الإعلان خارج بيت اللـه عز وجل.
ثم ذكر حديث حكيم بن حزام t في إقامة الحدود في المساجد لقولـه r: "لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها"، الحدود معروفة حد الزنا وحد الخمر، وحد القذف، هذه كلـها حدود، "ولا يستقاد فيها"، السين والتاء إذا دخلت أفادت الطلب، والاستقادة هنا هو طلب القود وهو القصاص، المقصود أن لا يقتص فيها، هناك حدود هي حقوق اللـه عز وجل، والاستقادة هو إقامة القود أو القصاص على المقتص به سواءً كان قتلاً أو كان جرحاً، إذا لزم الحكم بالقصاص في الجراحات فلا تقام في بيوت اللـه عز وجل.
هذا الحديث رواه أحمد وأبو داود بسندٍ ضعيف- كما قال المصنف-، ولكن المصنف أيضاً قال في "التلخيص الحبير": بأنه لا بأس بإسناده، وهو حديث جيد إن شاء اللـه.
وفيه منع إقامة الحدود والقصاص في بيوت اللـه عز وجل.
وحديث عائشة رضي اللـه عنها قالت: أصيب سعد يوم الخندق فضرب رسول اللـه r عليه خيمة في المسجد ليعوده من قريب"، متفق عليه.
وهذا الحديث فيه جواز النوم والمكث في المسجد.
وعن عائشة رضي اللـه تعالى عنها قالت: رأيت رسول اللـه r يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد"،متفق عليه.
هذا الحديث فيه جواز اللعب في المسجد، وقد جاء في مسند الإمام أحمد- رحمه اللـه- بسندٍ جيد: حين نهرهم عمر t نهر الحبشة الذين يلعبون بالحراب والدرق، قال لـه النبي r: "دعهم يا عمر، لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة، وأنني بعثت بحنيفية سمحة"، وهذا الحديث في مسند الإمام أحمد وسنده جيد.
فاللعب الذي على هذا النحو وفيه تقوية وفيه نفع وفائدة، وفيه أيضاً لـهو مباح جائز باللعب بالحراب والدرق، هو جائز وأمثالـه من المسابقات والمناضلات أن تقام في المسجد بشرط أن لا يتضرر المسجد بهذه الألعاب كأن يكون فيها ما يؤثر على تربته أو يؤثر على جدرانه، وهكذا كانت بيوت اللـه عز وجل في صدر الإسلام كانت مجالاً للتربية ومجالاً للدعوة ومجالاً للتأثير، ومجالاً أيضاً للفروسية والتعود على الحرب والقتال، ومجالاً للـهو المباح الذي لا إسراف فيه ولا ابتذال، وقد أخذ من هذا الحديث جواز نظر المرأة الأجنبية للرجال الأجانب، فعائشة رضي اللـه تعالى عنها كانت تنظر إليهم وما منعها النبي r، حتى في بعض الروايات قالت: كنت أضع ذقني على كتف رسول اللـه r وأنظر من خلفه، قالت: حتى والرسول r يقول: "دونكم يا بني أرفدة"، هذه عبارة تقال للحبشة، "دونكم" يعني العبوا بهذه الأسلحة وكأنه يحثهم، وكأنه قد آنسه مشاهدة ألعابهم تلك، قالت عائشة: فكنت أنا التي أمل. يعني هي التي تمل من كثرة ما ترى من هذا اللعب، وكان النبي r قد بقي وهو ينظر إليهم تأليفاً لقلوبهم على هذا الدين.
في هذا الحديث أيضاً قالت عائشة رضي اللـه عنها: فاقدروا قدر الجارية الصغيرة المحبة للـهو. يعني إذا كانت المرأة صغيرة حتى وإن كانت مزوجة فإنها تراعى، هكذا أرادت رضي اللـه عنها وأرضاها.
نقول أخذ من ذلك جواز نظر المرأة الأجنبية للرجال الأجانب، وخالف في ذلك بعض الأئمة منهم الإمام النووي فقال: يحرم على المرأة مطلقاً أن تنظر إلى الرجل بشهوة أو بغير شهوة، وعليه أيضاً آخرون غير النووي، وذهب الجمهور إلى الجواز واستدلوا على ذلك بهذا الحديث وحديث فاطمة بنت قيس حين أمرها النبي r بالاعتداد في بيت أم شريك فقال: "لا تفعلي تلك امرأة يغشاها أصحابي، ولكن اعتدي في بيت أم مكتوم تضعين ثيابك ولا يراكِ"، وأما حديث "أفعمياوان أنتما"، فهو ضعيف ولا يثبت عن النبي r.
فقول الجمهور هو جواز النظر وقد اشترط الجميع- أي جميع العلماء- شرطاً وهو أن لا يكون النظر بشهوة، وهو الذي يحرم أن ينظره الرجل إلى محارمه والرجل إلى الرجل، والمرأة إلى المرأة، والرجل إلى الغلام وغيرها من الأحوال، فكل نظرة بشهوة فهي محرمة أيّاً كانت، وهذا لم يختلف قول أهل العلم في هذه المسألة.
وعن عائشة رضي اللـه عنها، أن وليدة سوداء كان لـها خباء في المسجد، قالت: فكانت تأتيني فَتَحَدَّثُ عندي"، متفق عليه.
هذه لـها قصة ذكرها شرّاح الحديث، أن هذه الوليدة كانت تخدم عند قوم فخرجت بنت لـهم صغيرة وعليها رداء أحمر فجاءت حدياة- وهي الحدأة التي تأكل الفئران والفطيس-، فجاءت حدأة وظنتها لحماً فنزلت على هذا الرداء على هذا البنت وخطف الرداء وطارت به، فلما فقدها أهلـها – أي أهل البنت الصغيرة- اتهموا هذه الجارية السوداء بأنها سرقت هذا الوشاح الأحمر، فكان من رحمة اللـه عز وجل لـها وإرادة الـهداية لـها أن جاءت هذه الحدأة مرة أخرى ثم أسقطته عليهم وهم يهمون بضربها، فنزل هذا الوشاح فعلموا أنها بريئة، وعلمت أن اللـه عز وجل قد برأها حين أعاد هذه الحدأة وجاءت بهذا الوشاح، فجاءت إلى النبي r وأشهرت إسلامها وشهدت أن لا إلـه إلا اللـه وأن محمداً رسول اللـه، تقول عائشة: وكانت إذا جاءتني كل مرة تقول:
|
ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا
|
|
ألا إنه من دارة الكفر نجاني
|
فكانت تردد هذا البيت قالت: فسألتها عنه فذكرت هذه القصة.
وهذا الحديث أخذ منه العلماء جواز المبيت في المسجد.
وعن أنس t قال: قال رسول اللـه r: "البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها"، متفق عليه.
وفيه الكلام على أن في المسجد محرم لأنه سماه خطيئة، "وكفارتها دفنها" لا يعني أن يبادر الإنسان إلى البصاق من غير حاجة ثم يدفنها فيكون الأمر كأن لم يكن، لا، المقصود أنه إذا فعل ذلك وفعل الخطيئة فكفارتها هو أن يدفنها، وإلا في الحديث تنبيه ألا يكون المسجد موضعاً للبصاق، ولا موضعاً لمثل هذه القاذورات، ولا ما يكرهه الناس.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر t أنه قال: "وجدت في مساوئ أمتي النخاعة تكون في المسجد لا تدفن".
وعن أنس t قال: قال رسول اللـه r: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد"، أخرجه الخمسة إلا الترمذي، وصححه ابن خزيمة وصححه الألباني.
وعن ابن عباس رضي اللـه تعالى عنهما قال: قال رسول اللـه r: "ما أُمرت بتشييد المساجد"، أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان والألباني.
والتشييد: يطلق في لغة العرب ويراد بها رفع البناء وإحكامه وتزيينه، ويطلق ويراد تزيينه بالشيد وهو الجص.
وهذا الحديث في النهي عن الزخرفة في المساجد لذريعة إلـهاء المصلي عن صلاته إذا نظر إليها، وقد قال عمر t لبعض أصحابه حين أراد أن يبني مسجداً: أكِنَّ الناس- اصنع ما يكن الناس من الحر والبرد-، أكِنَّ الناس وإياك أن تُحمِّر أو تُصفِّر فتفتنهم.
وعن أنس t قال: قال رسول اللـه r: "عُرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد"، رواه أبو داود والترمذي واستغربه، وصححه ابن خزيمة- هكذا قال المصنف-، وإسناد الحديث فيه انقطاع.
ولكن المعنى صحيح وهو تنظيف المساجد وقد مضى ما يدل عليها في الحديث الأول.
وعن أبي قتادة t قال: قال رسول اللـه r: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"، متفق عليه.
هذا الحديث فيه مشروعية تحية المسجد عند دخولـه، وقد حكى النووي- رحمه اللـه- الإجماع على أن تحية المسجد مستحبة، وقال جمهور العلماء من المذاهب الأربعة بعدم وجوبها، وذهب آخرون من العلماء إلى وجوبها منهم الإمام الشوكاني والإمام الصنعاني وكذلك شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمة اللـه تعالى على الجميع-.
وذهب الجمهور إلى أن الصوارف لحديث الأمر بالوجوب هنا هو حديث الأعرابي حديث أبي هريرة: "خمس صلوات كتبهن اللـه في اليوم والليلة"، قال الأعرابي: هل علي غيرهن؟، قال: "لا، إلا أن تطوع".
وأجاب القائلون بوجوب تحية المسجد بأن هذا الحديث لا يشمل صلاة الجنازة وهي واجبة- على الكفاية-، قالوا بأن حديث "إلا أن تطوع"، مخروم بحديث إيجاب صلاة الجنازة، صلاة الجنازة ليست واجبة على الأعيان، بخلاف تحية المسجد إن قلنا بأنها واجبة فهي واجبة على كل من دخل المسجد وأراد أن يقعد.
فيكون حديث "هل علي غيرهن؟، قال: "لا،إلا أن تطوع"، باقٍ على دلالته ولا يرد عليه إذا أورده القائلون بالوجوب، لا يرد عليه الجنازة لأنها ليست واجبة على الأعيان إنما هي واجبة على الكفاية.
لكن هناك جواب آخر على حديث "هل علي غيرهن؟، قال: "لا،إلا أن تطوع"،- نريد أن نتكلم على لسان من قال بوجوب تحية المسجد، ونريد أن نجيب على حديث "هل علي غيرهن؟، قال: "لا،إلا أن تطوع"، وهو أن هذا الحديث قد دل على ما يجب من الفرائض بمضي الوقت، ما الذي يجب بدخول الوقت؟ عدّ عليه النبي r ما يجب عليه بدخول الوقت الصلوات الخمس، قالوا: السياق يدل على أن المقصود في هذا الحديث هي سياق الواجبات التي تجب بدخول الأوقات، ولكنه ما ذكر فيه الواجبات الأخرى مثل: النذر ، الصلاة المنذورة، واجبة أم ليست واجبة؟ واجبة على عينه لا يجزئ عنه غيره إذا فعلـه، فهذه ليست متعلقة بالأوقات فهي خارجة عن الموضوع، فهذا جواب أجاب به القائلون بالوجوب فيبقى حديث الأمر بالوجوب باقياً على وجوبه وهو أنك إذا نذرت وجب عليك أن تصلي، وإذا دخلت المسجد وأردت أن تجلس وجب عليك أن تصلي، وأما حديث الأعرابي "هل علي غيرهن؟، قال: "لا،إلا أن تطوع"، فهي المقصود بها ما يجب بتجدد الأوقات، أما المنذورة فلا علاقة لـها بالوقت، وأما تحية المسجد فلا علاقة لـها أيضاً بالوقت وإنما هي لسبب آخر.
والأولى في ذلك أن يصليها الإنسان خروجاً من الخلاف وأن لا يدعها، لما ورد فيها من الحث العظيم، ومنها حديث سليك الغطفاني في صحيح مسلم، وهو أنه دخل إلى المسجد والنبي r يخطب للجمعة، فجاء وقعد دون أن يصلي، قال: "صليت ركعتين يا سليك؟"، قال: لا يا رسول اللـه، قال: "قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما"، - قطع الخطبة وأمره وأوقف الخطبة التي نهي عن الكلام فيها، كل هذا يؤكد على قضية الوجوب لتحية المسجد.
ومن أحكامها أنه لا تفوته بالجلوس فإذا جلس ثم تذكر أو ذُكر، قام وأتى بالركعتين، ويروى عن ابن أبي ذئب قرين الإمام مالك- رحمه اللـه- في عهده، روي أنه كان يُحدِّث في مسجد رسول اللـه r فدخل يوماً فقعد دون أن يصلي فجاءه رجل من عامة الناس وقال لـه: هذا جهل بالسنة لا يحسن منك أن تدخل المسجد ولا تصلي ركعتين، فسكت، فقام وصلى ركعتين بعد أن قعد دون أن يصلي، فلما علم أنه ابن أبي ذئب الإمام أتى إليه معتذراً، فما كان منه إلا خلق النبوة- رحمه اللـه ورضي عنه- ما كان منه إلا أن قال: ماذا كان منك إلا أن أمرتنا وأطعناك- رحمه اللـه تعالى-.
وتحية المسجد تجزئ عنها كل صلاة بلا خلافٍ بين علماء المذاهب الأربعة، إذا صليت فريضة سقطت، وإذا صليت نافلة مطلقة سقطت، وهكذا.
من أحكام المساجد- ليست في هذا الباب ولكن نذكرها تكميلاً للفائدة:
من أحكام المساجد النهي عن التوطن وحجز الأماكن في المسجد، فلا يتخذ في الإنسان إعطاناً كإعطان البعير كما ورد في الحديث.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن ذلك فأجاب: بأنه يجب أن تنزع السجادة التي يضعها الإنسان حجزاً للموقع إذا فعلـه، لا سيما إذا أقيمت الصلاة والسجادة قائمة أزلـها، في الجمعة مثلاً والناس أخذوا يصطفون خلف هذه السجادة، فلك أن تنزع السجادة وتقيم في مكانها ما لم يترتب عليها مفسدة أعظم، بعض الناس يقول ينكر على الجهلة ويقول أطبق السنة، لكنه يرتب مفسدة أعظم منه، فإن كانت عادة للناس الصغير والكبير والحقير والذليل يفعلون هذه الفعلة ورأيت السجادة فارفعها لا حرج، وإن ترتب عليها فتن وحمل الأمور على غير محاملـها التي أرادها صاحبها فهنا تقدم درء المفاسد على جلب المصالح، وكذلك من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً، فإنه لا يأتي إلى بيوت اللـه عز وجل، وقد قال النبي r: "فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم"، والملائكة- واللـه أعلم- هي ملائكة المساجد، وإلا لو كان الملائكة تتأذى منها في كل وقت لحرم أكلـها أصلاً، أليس كذلك؟، لكان أكلـها حراماً لأن الملائكة عن اليمين وعن الشمال قعيد، وهناك ملائكة تكتب الحسنات وملائكة تكتب السيئات، وهناك معقبات...إلخ.
كلـها ملائكة تملأ أحوال الإنسان، فلعل هذه ملائكة خاصة بالمساجد، واللـه عز وجل أعلم.
ومن ذلك الاستطراق، استطراق المساجد، وقد صح في الحديث: "لا تتخذوا المساجد طرقاً إلا لذكرٍ أو صلاة"، ذكره الألباني وصححه.
"لا تتخذوا المساجد إلا لذكر أو صلاة"، يعني تكون طريق معتاد، أو يكون اختصار.
ومن ذلك مرور الجنب وقد دل عليه قول اللـه عز وجل: (ولا جنباً إلا عابري سبيلٍ حتى تغتسلوا)،
هذا واللـه عز وجل أعلم وصلى اللـه على نبينا محمد.
الأسئلة:
1- توفي لي قريب ولم أعلم بموته إلا بعد أن صلوا عليه هل يشرع لي أن أذهب إلى المقبرة وأصلي عليه، وماذا لو صليت عليه في المسجد صلاة الغائب ؟
نعم لا بأس أن تذهب إلى قبره، الإمام أحمد يقول يصلى عليه إلى شهر، ولكن المقصود هو القرب، قرب العهد فإذا كان يوما أو يومين قريب العهد فيذهب ويصلي عليه وهو حسن إن شاء اللـه، ويصلي تجاه القبلة ويجعل القبر بين يديه، وصلاة الجنازة مستثناة في الأحكام في الصلاة في القبور وبين القبور، لأنها هي أصلاً صلاة جنازة وصلاة موتى، والمنهي عنه هو صلاة النافلة وصلاة الفريضة، وسائر الصلوات الأخرى.
2- ما حكم وضع إعلان عن فقد شيء في المسجد هل يشمل هذا النهي؟
نعم، هو من نشدان الضالة، ونظيرها الإعلان عن المفقودات، ولكن الحل هي أن توضع في لوحة خارج المسجد.
3- إذا كان الشخص في الصف الأول وأراد أن يتوضأ فهل يجوز لـه أن يضع شيئاً مكانه حتى لا يأتي أحد ويقف مكانه؟
لا بأس، هذه مسألة تعود إلى العرف، وإلى ما يعرفه الناس فإذا كان الإنسان يأتي صلاة الجمعة أو غير الجمعة ثم يقدم السجادة من بعد الفجر أو أحياناً قبلـه بساعة أو ساعتين ثم لا يأتي إلا قبيل دخول الإمام هذا هو المنهي عنه، ولكن إنسان جاء وبكر ثم ذهب ليقضي حاجته في دورات المياه، أو ليحضر شيئاً ضرورياً من السيارة أو شيئا من هذا القبيل ويقضي دقائق معدودة، فلا حرج فيه إن شاء اللـه، وهذا جرى عليه العمل كما هو ظاهر.
4- هل المقصود بلعب الأحباش هو العرضة المعروفة؟
هي نوع منها إذا كان هذه فيه لعب بالسيوف فهذه فيها لعب بالدرق والحراب لكن ليس فيها طبول.
5- هل يلحق بالمسجد ساحات وعموم الوقف لـه حكم المسجد؟
لا.
6- إذا قلنا بأن المراد بحديث الأعرابي هي الصلوات الواجب بدخول الوقت، فهل يكون الوتر واجباً لحديث "أوتروا يا أهل القرآن"؟
لا، هذا الحديث مما يرد عليه حديث الأعرابي، لأن الوتر مؤقت، فكأن الأعرابي يقول: هل علي غيرها؟ هل علي الضحى، هل علي الرواتب هل علي الوتر، التي يعرف لـها وقت، والرواتب لـها وقتها، الضحى لـه وقت، وصلاة الليل لـها وقت، فكان يقول هل علي غيرها؟ فقال: "لا، إلا أن تطوع"، فتكون هذه دلالة على الحنفية ومن قال بوجوب الوتر، فقولـه: "أوتروا يا أهل القرآن"، مصروف بحديث الأعرابي، الوارد.
7- هل يعتبر من الإيطان إيطان جهة معينة من المسجد الجهة اليمنى أو اليسرى؟
الجهة اليمنى ورد فيها خبر فيبنى عليه ولا حرج إن شاء اللـه.
8- ما الحكم بالنسبة للحائض أو الجنب لدخول المسجد أو الجلوس؟
قول الجمهور بأنه لا يجلس، هذا ليس فيه إشكال، وهناك من قال من علماء المذاهب الأربعة على أنه لا يمر ولا يعبر، ولكن قول العامة أنه لا يجلس ولا يمكث، لا الجنب ولا الحائض ولا النفساء.
هذا واللـه عز وجل أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد. |