: دروس و دورات : دروس
طباعة

  : دروس و دورات : دروس  
استماع تحميل PDF
  بلوغ المرام - الطهارة 6  


الدرس السادس- كتاب الطهارة

نواقض الوضوء

الحمد للـه والصلاة والسلام على رسول اللـه وعلى آلـه وأصحابه ومن والاه حديث هذا اليوم في بلوغ المرام للحافظ ابن حجر رحمة اللـه تعالى عليه، حديث هذا اليوم هو في نواقض الوضوء.

ذكر فيها المؤلف- رحمة اللـه تعالى عليه- في صدر هذا الباب الحديث الأول:

حديث أنس بن مالك t أنه قال: "كان أصحاب رسول اللـه r ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤوا" رواه أبو داود في سننه والدار قطني بإسناد صحيح، هذا هو حديث الباب وفي الباب حديث صفوان ابن عسال الذي أخرجه أحمد في مسنده وبعض أصحاب السنن: "أنه قال: كان رسول اللـه r يأمرنا أن لا ننزع أخفافنا إذا كنا سفرى ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم"، ساقه المؤلف- رحمة اللـه تعالى عليه- لبيان أن النوم من نواقض الوضوء، فاختلف العلماء- رحمة اللـه تعالى عليهم- باعتباره ناقضاً على أقوال:

القول الأول: أنه ناقض مطلقاً في نفسه، فإذا قلنا أنه لا ينظر إلى احتمال وقوع الحدث أو عدم احتمالـه، ومطلقاً لا ينظر إلى كون الإنسان مضطجع أو قام أو قاعد، واشتهر هذا القول عن الإمام ابن حزم- رحمة اللـه تعالى عليه-.

القول الثاني: أنه ليس بناقض مطلقاً.

القول الثالث: أن الناقص إنما هو نوم المستلقي دون القاعد المتمكن.

القول الرابع: أن الناقض هو النوم الذي يسلب الإدراك وهذا هو الراجح.

وقد أخر المؤلف- رحمه اللـه- حديثين يتعلقان بناقض الوضوء أحدهما حديث معاوية t، أن النبي r قال: "العينان وكاء السّهِ (أي الدبر) فإذا نامت العينان استطلق الوكاء، فمن نام فليتوضأ"، أخرجه أحمد وسنده حسن.

وحديث ابن عباس رضي اللـه عنهما: "إنما الوضوء على من نام مضطجعاً"، وهو حديث ضعيف، سوف نكتفي بذكرهما هنا والتعليق عليهما في موضعهما بعد أحاديث.

إذاً هذه الأقوال في المسألة أنه ناقض مطلقاً، أنه ليس بناقض مطلقاً أنه نوم المستلقي فقط دون الجالس وهذا للشافعي، والرابع أنه النوم الذي يسلب الإدراك وهذا قال به بعض أهل العلم منهم الإمام الصنعاني شارح بلوغ المرام وغيره.

فإذا نام الإنسان نوماً لم يعد يحس فيه بما حولـه فالنوم ناقض في نفسه، وإن كنا نقول الحقيقة في النقض هي أنه مظنة لوقوع الحدث لا كما يقول ابن حزم- رحمه اللـه-: إن النوم ناقض كالبول، واستدل على ذلك بدلالة الاقتران في حديث صفوان بن عسال t قال: "لكن من غائط وبول ونوم". فجعلـها في مسردٍ واحد.

ومما يؤكد ترجيح القول الرابع وهو أن النوم الذي يذهب الإدراك هو النوم الناقض حديث معاوية الذي سيأتي إن شاء اللـه بعد أحاديث وفيه أنه قال: "العينان وكاء السّهِ (أي أنه تربط الدبر حتى لا يخرج منه شيء)، فإذا نام العينان استطلق الوكاء"، أما حديث "إنما الوضوء على من نام مضطجعاً" وهو مرفوع لكنه ضعيف، في إسناده انقطاع بين قتادة وأبي خالد.

الحديث الثاني:

حديث عائشة رضي اللـه عنها، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش، فقالت: يا رسول اللـه إني امرأة أُستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: "لا، إنما ذلك عرق وليس بحيض فإذا أقبلت حيضتك فدع الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنكِ الدم ثم صلي"، رواه البخاري ومسلم، وفي رواية للبخاري: "ثم توضئي لكل صلاة".

أحكام الاستحاضة ستأتي في باب الحيض إن شاء اللـه عز وجل ولذلك لن نتعرض لـهذه القضية، وإن كان هذا يسميه الفقهاء للمستحاضة أنه تكون مميزة أي تميز الدم مثل دم أحمر طوال الشهر ويكون أسود على شكل الحيض لمدة خمسة أيام أو سبعة أيام فهي تميز دم الحيض عن دم الاستحاضة هذه يسمونها المميزة، والثانية هي التي تبني على عادة نفسها في الوقت فهي لا تميز الدم ولكن تقول عادتي من يوم اثنين من الشهر أو من يوم ثلاثة من الشهر إلى يوم عشرة من الشهر، هذه يسمونها المعتادة، الثالثة: أن تتحيض على عادة نسائها وسيأتي إن شاء اللـه تفصيل أحكام الصور الثلاث وأحكام الاستحاضة فيما يتعلق بالصلاة وما يتعلق أيضاً بالاستحاضة وما يشبه الاستحاضة وهو سلس البول وكلام العلماء فيه، ولكن مراد المؤلف من إيراده في باب نواقض الوضوء أن الحيض والاستحاضة أنه من نواقض الوضوء لذلك قال النبي r: "فاغسلي عنك الدم ثم صلي ثم توضئي لكل صلاة". وهذا باتفاق وهو أن دم الحيض والاستحاضة أنه ناقض للطهارة فإذا وقع ورؤي بطلت الطهارة الصغرى ووجبت الطهارة الكبرى بالنسبة للحيض.

الحديث الثالث:

حديث علي بن أبي طالب t أنه قال: كنت رجلاً مذّاءً، فاستحييت أن أسال النبي r، فسألت المقداد أن يسأل النبي r، قال فسألـه؟ قال: "فيه الوضوء"، رواه البخاري ومسلم، وفي رواية: قال كنت رجلاً مذّاءً فاستحييت أن أسال رسول اللـه r ، لمكاني من ابنته"، فهي ابنته ولم يرد أن يقول بأنه كثير المذي، وابنة النبي r تحت علي بن أبي طالب.

هذا الحديث فيه من الفوائد:

الأولى: وجوب الوضوء من خروج المذي وهذا محل إجماع، أنه إذا خرج المذي ولو نقطة واحدة أنه تجب إعادة الوضوء.

الثانية: أن المذي نجس في قول أكثر أهل العلم وذلك من أجل ما تضمنه الأمر بالغسل في رواية أخرى وهي صحيحة: "توضأ واغسل ذكرك".

الثالثة: أن وجوب غسل الذكر، وقد زاد بعضهم في بعض الروايات: قال فأمره بغسل ذكره "وأنثييه وأن يتوضأ" رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح، انتهى الكلام على حديث المذي.

الحديث الرابع:

حديث عائشة رضي اللـه عنها، "أنه قبّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ" أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وإسناده جيد، وفي هذا الحديث أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء وهو قول جمهور أهل العلم وخالف في ذلك الشافعي رحمه اللـه فقال: إن لمس المرأة يبطل الوضوء، وهو لا يقول بذوات المحارم، يقول من تحل لـه الزواج منها، ومن باب الأولى المرأة المزوجة ويخرج هذا الكلام ذوات المحارم اللاتي يحرم الزواج منهن، هذا عند الإمام الشافعي واستدل بقول اللـه عز وجل: (أو لامستم النساء)، وأيد استدلالـه هذا بالقراءة السبعية الأخرى: (أو لمستم النساء)، ورد على ذلك الجمهور بأن المراد من قولـه: (أو لامستم النساء) أن المراد به الجماع لأن الملامسة لا تكون إلا من اثنين، يريدان الفعل، صيغة المفاعلة تأتي ويراد بها حركة من اثنين مريدين قاصدين مثل: المشاركة والمضاربة والمصارعة المطارحة وغيرها، ومنها الملامسة، وأما الإجابة عن القراءة السبعية: (أو لمستم النساء)، فمما هو مقرر في قواعد التفسير  أن القراءات تكون بعضها مؤيد لبعض وبعضها مفسر لبعض فلما أن جاءت القراءة الأخرى بلفظ الملامسة دل على أن المراد هو الجماع لوجود المعنى الزائد في لفظ الملامسة، هذه وجوه ووجه آخر أننا عند النزاع في تفسير كتاب اللـه عز وجل فالمقدم كلام اللـه في تفسير كتابه وقد قال اللـه عز وجل: (أو لامستم النساء) هذا من تفسير القرآن بالقرآن، الثاني تفسيره بالسنة والنبي r ثبت عنه كان يلامس ويقبل ويخرج ويصلي ولا يتوضأ، ولمس رجل عائشة أو لمسته عائشة فلم يتوضأ r، وتفسيره بتفسير الصحابة وقد قال كل من ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي اللـه تعالى عنهم أجمعين، بأن: (أو لمستم النساء) أن معناها الجماع فصح بذلك أن مذهب الإمام الشافعي هنا مرجوح وأن الراجح هو مذهب جمهور العلماء وهو أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء بحال، المحارم وغير المحارم، المحارم لم يقل بالنقض أحد، حتى الشافعي فإنه لا يرى أن لمس المحارم ينقض الوضوء، السلام على الأم أو على الأخت أو البنت أو على العمة أو الخالة والجدة هذا الشافعي يقول بأنه لا ينقض الوضوء.

الحديث الخامس:

حديث أبي هريرة t: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيء فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" هذا الحديث صحيح، وفي الحديث بناء الحكم على الحال الأولى، أي استبقاء الحالة السابقة ولا يترك حكم الحال السابقة إلا بدليل قطعي أو غالب على الظن، أنا استبقي الطهارة لأن الأصل الطهارة حتى يأتيني دليل قطعي أنني قد أحدثت أو يغلب على ظني ليس بالضرورة أن يكون دليلاً قطعياً، وقد ذهب الجمهور إلى هذا الحكم وأنه عام في موضوع الحدث أنه لا يستثنى منه شيء، يعني ما فائدة ذكر هذه الاعتراضات؟ سبب ذكرها أن المالكية- رحمة اللـه تعالى عليهم- يرون أن ما كان من الحدث- الشك في الحدث- داخل الصلاة يطبق عليه هذا الحديث، ما كان من الشك في الحدث والإنسان  يصلي يقول المالكية يطبق عليه هذا الحديث، فلا يترك الصلاة حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً، أما إن كان خارج الصلاة كان في المسجد مثلاً أو في الطريق إلى المسجد أو بعد الوضوء وقبل الدخول في الصلاة فالمالكية يقولون إن عليه الرجوع والوضوء من جديد ومن ثم أداء الصلاة، وهذا ليس عليه دليل يعتمد عليه ولا يعول عليه، وذلك أن المالكية استدلوا على تصحيح قاعدتهم تلك بأن الأصل عندهم أن الذمة مشغولة بوجوب أداء الصلاة، ونحن نسلم لـهم هذه المقدمة، نقول ذمتك مشغولة بوجوب أداء الصلاة صحيحة، فأداؤك للصلاة مع شك في الوضوء نقض لـهذا الأصل الأول وهو انشغال ذمتك بأداء الصلاة الصحيحة، يعني المالكية يقولون بأن ذمتك مشغولة حتى تؤدي هذه الصلاة فإذا أديت الصلاة برئت ذمتك وانزاح شغل هذه الذمة ويجب عليك أن تستبقي هذا الأصل وهي أن ذمتك مشغولة فإذا طرأ على الطهارة شك فعليك أن نتطرح هذه الطهارة وتلغي حكمها وتعيد الوضوء وذلك لأن هذه الذمة مشغولة بأداء هذه الصلاة، وهذا كلام جميل لا بأس حتى لو سلمنا بهذه المقدمة ولكن الحديث هنا حديث عبد اللـه بن زيد المازني وحديث الباب الذي معنا وهو حديث أبي هريرة t وغيرها من الأحاديث دلت على أن الإنسان إذا طرأ عليه الشك مجرد الشك- وهو استواء الطرفين عند الأصوليين- ليس الشك هو الغالب، أنا أحدثت أو لم أحدث خرج مني شيء أو لم يخرج، فالأصل أنه لم يخرج استبق الطهارة الأولى وقد دل هذا الحديث على تصحيح قاعدة الجمهور "فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" حتى يتيقن أو يغلب عليه الظن.

الحديث السادس:

حديث طَلْق بن عدي t، أنه سأل النبي r عن الرجل يمس ذكره في الصلاة فقال: أعليه الوضوء قال: "لا، إنما بضعة منك"، رواه الأربعة أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وهو حديث صحيح.

الحديث السابع:

وهو يتعلق به حديث بُسرة بنت صفوان بن نوفل رضي اللـه تعالى عنهما، أن النبي r قال: " من مس ذكره فليتوضأ"، رواه الأربعة أيضاً وهو حديث صحيح.

إذاً عندنا حديثان وظاهرهما التعارض وعلى هذا الأساس اختلفت أقوال أهل العلم على أقوال:

الأول: أن مس الذكر ينقض الوضوء، وهو قول كثير من أهل العلم ورجحوا في ذلك حديث بُسرة بنت صفوان: "من مس ذكره فليتوضأ"، لكونه أصح من حديث طلق بن علي، ولكون بُسرة حدثت به في المدينة والمهاجرون والأنصار متوافرون ولم يدفعه منهم أحد، هذا هو القول الأول ودليلـه.

الثاني: وهو للحنفية واختيار ابن تيمية أن مس الذكر لا ينقض الوضوء وهو الراجح، وهو أيضاً قول المالكية، الحنفية والمالكية واختيار ابن تيمية، وقد ذهب المالكية بالأخص إلى أن التوضؤ من مس الذكر مستحب، ولعل هذا- واللـه أعلم- منبني على أن عندنا نص يأمر بالوضوء من مس الذكر: "من مس ذكره فليتوضأ"، هذا أمر وعندنا حديث آخر يصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، ويُجاب عما ذكره الآخرون القائلون بأن مس الذكر ينقض الوضوء بأننا لا نرجع إلى الترجيح إلا بعد عدم إمكان الجمع، أما وقد أمكن الجمع فلا نرجع إلى الترجيح، وأما كون بسرة حدثت به في المدينة والصحابة من المهاجرين والأنصار متوافرون ولم يدفعه منهم أحد، فالجواب: أنهم لم يدفعوه لأنهم ربما فهموا من هذا الحديث أن هذا الأمر للاستحباب، فهي لم تفت به ولم تقل بأن دلالته على الوجوب وأنه ناقض للوضوء حتى نقول أنهم لم يعارضوه، والمتأمل في حديث طلق بن علي يدرك هذا جلياً، فالنبي r عندما قال: "من مس ذكره فليتوضأ" هذا في الحالات المفتوحة، وهو على الاستحباب ولكنه حينما كان في الوقت الحرج وهو في وقت أداء الصلاة لأنه قال: الرجل يمس ذكره في الصلاة، قال: "إنما هو بضعة منك"، يعني يقول توضأ والوضوء مستحب قال: "لا، إنما هو بضعة منك"، ولكن لما كان الأمر ظاهره فيه السعة فإنه حملـهم على المستحب والأفضل وهو: "أن من مس ذكره فليتوضأ"، وهذا هو التحقيق في هذه المسألة- واللـه أعلم-.

الحديث الثامن:

حديث عائشة رضي اللـه عنها: "من أصابه قيئٌ أو رُعاف أو قلسٌ أو مذيٌ فليتوضأ، ثم ليبني على صلاته"، رواه ابن ماجة وضعفه أحمد رحمه اللـه والبيهقي والبوصيري، لأجل إسماعيل بن عياش وروايته عن الحجازيين ضعيفة وقد رواه عن الحجازيين.

القيء معروف والرُعاف معروف، والقلس: هي ما يقع عند الجشاء، يتجشأ الإنسان ثم تنقلب المعدة ثم يخرج من عند المريء شيء قليل جداً من الماء أو من بقايا الطعام، قليلة جداً يسيرة ولكنها ليست بقيء هذه تسمى قلس، فعندنا القيء فالحديث ضعيف فلا دلالة على أنه ناقض للوضوء، والجمهور على أنه غير ناقض وهذا هو الأصل، والأصل في النواقض في كل شيء عدم النقض، وأما الرُعاف فلا يعتبر ناقضاً أيضاً لأن الدم ليس بنجس وخروجه من غير موضع السبيلين لا ينقض الوضوء، وأما المذي فقد تقدم الكلام عليه وأنه ينقض الوضوء بإجماع العلماء.

مسألة: هل يبني على الصلاة عند وجود ناقض، انتقض الوضوء؟

الحديث تعرض لـهذه المسالة كما في لفظ الحديث قال: "فليتوضأ ثم ليبني على صلاته".

ذهب بعضهم إلى أنه يبني إذا انتقض وضوؤه يذهب ويتوضأ ويرجع ويصلي دون أن يشتغل بأشياء أخرى مبطلة للصلاة، ولكن يعارض هذا الفهم قولـه r: "إذا فسى أحدكم في الصلاة فلينصرف ثم ليتوضأ وليعد صلاته"، رواه أبو داود عن طلق بإسناد حسن، فالمعنى الوارد في الحديث غير  صحيح، أن الإنسان إذا انتقض وضوؤه يذهب ويتوضأ ويبني على ما تقدم.

الحديث التاسع:

حديث جابر بن سمرة t، أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "لا،" قال: أفنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم"، هذا حديث الباب، وفي الباب، حديث البراء بن عازب t: أن النبي r: "توضؤوا من لحوم الإبل"، هذا أمر خلاف حديث الباب فإنه جاء في صياغ الجواب وسؤال، فدلالة الوجوب فيه ضعيفة، أما هذا الحديث فقال: "توضئوا من لحوم الإبل"، رواه أبو داود وصححه الإمام ابن خزيمة.

ومن هنا اختلف أقوال العلماء على أوجه:

الأول: قول أحمد وإسحق والبيهقي من الشافعي بالنقض وأن الإنسان لو أكل من لحم الإبل فقد انتقض وضوؤه.

الثاني: وذهب الجمهور إلى عدم النقض، ورأوا أنه منسوخ بحديثٍ رواه أصحاب السنن من حديث جابر t: "آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار"، لاحظ مما مست النار، قالوا فهذا عموم شامل للحم الإبل وهو حديث صحيح، ولكن لا دلالة فيه لأنه كما قال غير واحد من أهل العلم: بأن هذا النص عام ترك الوضوء مما مست النار عام، وحديث الإبل خاص، ولا يقال بالنسخ حتى مع معرفة التاريخ، لا سيما إذا أمكن الجمع، وأجاب آخرون من الجمهور بأن الوضوء المقصود "توضؤوا من لحوم الإبل" هو مطلق الغسل لما فيها من الدسومة ولكن هذا فيه تكلف وبعد.

فالصحيح إذاً أن لحم الإبل ناقض للوضوء- واللـه عز وجل أعلم.

لا يدخل في لحم الإبل المرق، فإذا شربت مرقة طبخت بلحم الإبل فهذا ليس بلحم.

بل ذهب بعض أهل العلم وبعض المفتين المعاصرين إلى أن الكبد لا تدخل والعوالق وغيرها- واللـه أعلم-.

الحديث العاشر:

حديث أبي هريرة t: "من غسل ميتاً فاليغتسل، ومن حملـه فليتوضأ"، رواه أحمد وضعفه جمع من المحدثين ولكن لـه طرق يقوي بعضها بعضاً فهو حديث جيد.

هذا الحديث فيه من الفوائد:

الأولى: مشروعية الاغتسال من غسل الميت والوضوء من حملـه.

الثانية: اختلفوا في الوجوب، فقال بعضهم بوجوبه، وقال آخرون بعدم وجوبه، وقال آخرون بالاستحباب، لحديث ابن عباس رضي اللـه عنهما: "ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه"، رواه البيهقي وصححه الحاكم ووافق الذهبي وحسنه الحافظ ابن حجر، وهذا الحديث إذاً صارف للأمر الوارد في حديث الباب حديث أبي هريرة: "من حمل ميتاً فليغتسل"، صرفه حديث ابن عباس رضي اللـه عنهما: "ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه"، ويؤيد ذلك قول ابن عمر رضي اللـه عنهما: "كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل"، صححه ابن حجر، وهو يؤيد هذا المعنى المذكور.

والراجح أنه على الاستحباب لوجود الحديث الصارف.

الحديث الحادي عشر:

حديث عبد اللـه بن أبي بكر عن محمد بن حزم عن أبيه عن جده عمرو بن حزم: أنه كان في كتاب رسول اللـه r الذي بعثه إلى عمرو بن حزم وهو واليه في نجران وكان عمره سبعة عشرة عاماً حين كان والياً: "ألا يمس القرآن إلا طاهر" رواه النسائي.

هذا الحديث أخذ منه:

القول الأول: بعض العلماء أنه لا يجوز مس القرآن إلا من طاهر من الحدث الأكبر والأصغر، من قال لا يمس القرآن إلا متوضئ ومن كان على جنابة أو كان على غير وضوء من الحدث الأصغر فلا يحل لـه أن يمس المصحف.

القول الثاني: أنه يجوز أن يمس المصحف ولكن يستحب لـه أن يتوضأ.

سبب الخلاف هو في دلالة لفظ طاهر وما فيها من الاشتراك اللُغوي في مصلح العرب، وفي اصطلاح أهل الشريعة:

 فالطاهر يطلق ويراد به من ليس عليه جنابة.

 والطاهر يطلق ويراد به من ليس عليه حدث أصغر.

والطاهر يطلق ويراد به من ليس عليه نجاسة، يعني جسمه ليس فيه نجاسة.

والطاهر يطلق ويراد به الطهارة المعنوية وهي طهارة المؤمن.

فهذه أربعة احتمالات إذا قلنا طاهر تحتمل هذه الأشياء.

في كتاب عمرو بن حزم: "أن لا يمس القرآن إلا طاهر"، قلنا رواه النسائي وفيه اختلاف كبير في تصحيحه ولكن تلقته الأمة بالقبول وقد صحح الحديث غير واحد من أهل العلم، فالحديث صحيح إن شاء اللـه، أو نقول ثابت لأن بعضهم حسنه.

فأي هذه الاحتمالات نحمل هذا الحديث عليه، الذي ظهر لي- واللـه أعلم- وهو اختيار الإمام الشوكاني- رحمة اللـه تعالى عليه-  وغير واحد من أهل العلم بأن المقصود هي طهارة الإيمان وأن النجاسة هي نجاسة الشرك والكفر، ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة t: أنه لقي النبي r فحاص عنه- يعني مال عنه- فلما أن لقيه مرة أخرى قال: "ما منعك يا أبا هريرة؟" قال: كنت جنباً أو قال كنت نجساً، فقال: "إن المؤمن لا ينجس". هذا وجه.

 والوجه الثاني: أن هذه الأحاديث قد وردت في مثل أحاديث تنهى عن أن يمسك الكفار بالمصاحف، كقولـه r: "لا تسافروا بالمصاحف- أو بالقرآن- إلى أرض العدو فإني لا آمن أن ينالـه العدو"، وهو حديث صحيح.

الوجه الثالث: أن هذا الكتاب أُرسل إلى نجران وفيه نصارى، فأرسلـه إلى عاملـه وهو عمرو بن حزم الشاب الذي ولاه النبي r على نجران وكأنه أراد أن يذكره ألا يمس القرآن إلا طاهر.

الوجه الرابع: أن اللـه عز وجل قال: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا...) فلا يمسون المصاحف أيضاً.

الوجه الخامس: أنه لم يرد في الشريعة وصف المؤمن حين يكون على حدث أكبر أو أصغر أنه نجس.

فصح بذلك- واللـه أعلم- أن هذا المشترك اللفظي بين هذه الأشياء الأربعة لا يجوز على أن نحملـه على الحدث الأصغر كما قال بعضهم، ولا على الحدث الأكبر كما قال البعض الآخر. لأنه لم يرد وصف المسلم والمؤمن بأنه ينجس أو أنه يكون غير طاهر، كما أنني أيضاً حين التأمل أن لفظ الطاهر يطلق على المسلم، يعنى لا يطلق على المسلم حين يكون على الطهارة الشرعية الاصطلاحية المعروفة. يقال لـه أنت على طهارة ولكن لا يقال أنت طاهر، وإنما يقال أنت على طهارة أنت على وضوء ولم يرد في كتاب اللـه ولا سنة رسولـه r ولا على ألسنة الصحابة أنه يقال أنا طاهر وأنت طاهر، ولكن يقول أنا متطهر ويقول أنا على وضوء ويقول أنا على طهارة.

فقولـه r: "وأن لا يمس القرآن إلا طاهر"، وهي لا تطلق في المصطلح الشرعي على من تطهر من الحدث الأكبر أو الأصغر، فمعناه أن المشترك هذا يراد به طهارة الإيمان وعكسها نجاسة الكفر والشرك، مع وجود القرائن والدلائل الأخرى، ومما يقوي ذلك أن النبي r قد بعث إلى هرقل عظيم الروم وكان مما كتب: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا اللـه ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون اللـه...) الآية، وهي آية كاملة وهي جزء من كتاب اللـه عز وجل، وإن أجابوا عليها بقولـهم أن هذا ليس مصحف وهذا اعتراض صحيح ولكن تبقى الأدلة الأخرى- في نظري- ليست لـها معارض فيكون الأرجح والأقرب أن مس المصحف لغير المتوضئ جائز- واللـه أعلم-.

الحديث الثاني عشر:

حديث أنس t: احتجم رسول اللـه r ولم يتوضأ"، رواه الدار قطني وضعفه.

الحديث صيغ لبيان هل الدم ناقض للوضوء أو غير ناقض؟

فيها أقوال:

الأول: أنه ليس بناقض وهذا قول الشافعية.

الثاني: أنه ناقض وهذا قول كثير من أهل العلم، والراجح هو مذهب الشافعية- رحمة اللـه تعالى عليهم- وأن الدم ليس بناقض لعدة أوجه:

الوجه الأول: أن الأصل في الأعيان كلـها هو الطهارة، فنبقى على هذا الأصل حتى يدل الدليل على نقض الدم.

الثاني: حديث عباس بن بشر في صحيح ابن خزيمة وهو بسندٍ حسن، حين كان ربيئاً للنبي r ، -ربيئاً: أي حارساً - فجاء من المشركين وهو يحرس جيش النبي r، حتى أنشبه في ظهره وهو يصلي فكان يخرج السهم ويرميه ثم يأتي السهم الآخر ويرميه وهو يصلي ولم يوقظ صاحبه الذي كان يتناوب معه على الحراسة.

يقول ابن القيم وغيره من يرى عدم نجاسة الدم: وبعيدٌ أن تقع مثل هذه الحادثة الكبيرة في جيش النبي r ولا يعلمها النبي r ثم لا يأمره بالوضوء ثم لا يشتهر ذلك.

الثالث: أثر ابن عمر رضي اللـه عنهما: أنه كان يعصر بثرة في وجهه فخرج منها الدم فلم يتوضأ ولم يبطل صلاته ولم يعدها.

الرابع: أنه لازال المسلمون يصلون في جراحاتهم في المعارك ولم يرد عنهم أنهم كانوا يغسلونها في هذا المعارك.

كل هذا يدل على أن الدم الآدمي ليس بنجسٍ ولا ناقض- واللـه عز وجل أعلم-.

الحديث الثالث عشر:

حديث عبد اللـه بن عباس رضي اللـه عنهما: "يأتي أحدكم الشيطان في صلاته فينفخ في مقعدته فيخيل إليه أنه أحدث ولم يحدث فإذا وجد ذلك فلا يخرج من صلاته حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً"، هذا الحديث مضى الكلام عليه فلا نعيد ما مضى عليه الكلام، هذا واللـه أعلم وصلى اللـه وسلم عليه وآلـه وصحبه وسلم.

الأسئلة:

1- ما حكم استعمال الأطياب في التطيب والتي تحتوي على مادة الكحول وذلك بكميات كبيرة؟

الصحيح أن الخمر ليست بنجسة، هي طاهرة بدليل أنه حين حرمت كانت في إنائها وأهرقت في أزقة المدينة ولم يأمر النبي r أحداً بغسلـها، يعني الأمر بالاجتناب يقول العلماء: اجتناب كل شيء بحسبه: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه)، قال العلماء في تفسير هذه الآية: أن اجتناب كل شيء بحسبه، فالخمر بشربها، والأزلام بالاستقسام بها وادعاء علم الغيب عن طريقها، والأصنام أيضاً باجتناب عبادتها وهكذا.

2- ما حكم من مس ذكره ولكن بدون شهوة، وما وجه الدلالة بين حديث طلق t وحديث بسرة في مس الذكر؟

"من مس ذكره فليتوضأ" هذا أمر حديث طلق قال: "إنما هو بضعة منك".

3- من من أهل العلم يرى جواز مس المصحف وهو على غير طهارة؟

الشوكاني عليه رحمة اللـه، وحكاها أيضاً عن بعض أهل العلم.

4- يقول إن حديث طلق وبسرة عندي ، رواه الخمسة كما هو في كتبابي، فلم هذا الاختلاف في تخريج الأحاديث عند الناشرين؟

هذا قد يكون باختلاف الطبعات، لكن لا أدري أنا.

5- حديث عائشة فأي الحديثين نأخذ مع أن التخريج الذي عندي وعندك كما ذكر واحد لكنك لم تذكر ما حولـه دائرة علماً أنه مقر عندي في الكتاب؟

نعم، ربما نسيته أثناء التعليق، والأخيرة ليست موجودة فتراجع النسخ.

6- هل تكون المرأة الحائض طاهرة فتلمس القرآن؟

لا بأس إن شاء اللـه، والذي عليه جنابة يمس القرآن ولا شيء عليه إن شاء اللـه عز وجل.

7- ما حكم مس الذكر في الصلاة؟

لا يجوز مس الذكر في الصلاة، ولكن إن كانت لضرورة أو لسبب يقضي هذا فلا يعتبر  ناقضاً للوضوء.

8- ما هو الصحيح في مسألة التوضؤ من حمل الميت؟

ذكرنا أنه على الاستحباب مثل الغسل أيضاً.

9- إذا كان المذي نجساً لأن النبي r أمر بغسلـه، فلم لم يكن المني كذلك لحديث عائشة رضي اللـه عنها؟

ليس في حديث عائشة أمر بغسلـه ولكنه سلت وحك وقرص وحت فقط، والغسل الوارد فعل أنها غسلته فعل ومطلق الفعل لا يدل على الوجوب.

10- يقول: أرى كثيراً من الشباب الملتزمين بسيماهم الطيب ولكن لما تراهم في الصلاة تجدهم عدم القيام الصحيح أو الركوع أو السجود، فهل كلمة توجيهية وحتى تحث على إكمال الصلاة من جميع نواحيها؟

جزاك اللـه خيراً، هذه نصيحة طيبة.

11- هل هناك فرق في مس الذكر بشهوة أو بدونها؟

ابن تيمية فصل هذا التفصيل أن من مس بشهوة ينقض الوضوء وأن من مس بغير شهوة لم ينقض الوضوء، ولا أعرف على هذا دليلاً، فإما أن نقول ناقض أو غير ناقض، فإذا مس بشهوة ثم خرج مذي انتقض الوضوء لنزول المذي وليس لمطلق المس لشهوة.

12- ما رأيك فيمن يدخل المسجد لحضور الدرس ويجلس دون أن يصلي تحية المسجد؟

ربما يرى أن هذا وقت نهي والمسألة خلافية ولكن الراجح أنه يصلي مادامت ليست نهياً مطلقاً.

13- ما هي صفة رد السلام إذا كان الشخص في الصلاة، هل يؤشر باليد أو ينطق بينه وبين نفسه، أرجو التوضيح الصفة؟

ورد في حديث سنده جيد أنه يرفع يده إشارة إلى رد السلام.

14- ما هي الأقوال التي قيلت في نجاسة المذي؟

هذا إجماع، نقول قول الجماهير أنه نجس ولا أعرف أحداً قال بأنه ليس نجساً.

15- ما المقصود أن يبني على صلاته؟

المقصود أنه في صلاته وصلى ركعتين ثم جلس للتشهد ثم أحدث فينصرف من الصلاة ويتوضأ ويرجع إلى التشهد ثم يقوم إلى الركعة الثالثة، وهذا غير صحيح أنا أحكي لك القول الوارد.

16- أنه على القول بأنه طاهر يشمل الطهارة من الحدث الأكبر أو الأصغر فهل يدخل غلاف المصحف والورقات التي حولـه أم هي مس للآيات؟

الأحوط أنه لا يلمس إلا بطهارة ولكن الأرجح أنه لا يلزم- واللـه أعلم-.

17- هل يقال إن المقصود في حديث طلق في مس الذكر أنه بحائل حيث إنه في الصلاة ولا يتصور مس الذكر في الصلاة بغير حائل أرجو التوضيح؟

يعني هذه الملابس التي تعيش عليها الآن لكن الأولين لم يكن لـهم هذه. وهذا منذ وقت قريب فكيف بالبعيد.

18- هل يجوز أن أصلي بنية رفعة الجنابة نية فتدخل نية الوضوء؟

نعم، ولكن الأحوط وهذا ما أفعلـه لنفسي إذا توضأت لغسل الجنابة وغيرها لغسل الجمعة أن أنوي الوضوء معها، وبعض العلماء يقول لا يحتاج للوضوء مادام اغتسل غسلاً شرعياً عبادياً كغسل الجمعة أو الجنابة فإنه لا يلزم النية للوضوء.

19- ورد حديث عن أبي هريرة: "إذا أفضى أحدكم يده إلى فرجه ليس دونها حجاب ولا ستر فقد وجب عليه الوضوء"؟

هذا الحديث يضعفه بعض المحدثين لذلك أنا أضربت عنه هنا.

20- ما حكم اليسير من المذي على الثياب؟

اليسير وغير اليسير واحد إذا قلنا إنه نجس فيجب عليك أن تغسلـه، وهذا قول جماهير أهل العلم.

واللـه أعلم وصلى اللـه وسلم على نبينا محمد.

 



 


حقوق النشر والطبع © 1427هـ فضيلة الشيخ سليمان الماجد . جميع الحقوق محفوظه

Copyright © 2006 www.salmajed.com . All rights reserved

info@salmajed.com