: دروس و دورات : دروس
طباعة

  : دروس و دورات : دروس  
استماع تحميل PDF
  بلوغ المرام - الطهارة 5  


الدرس الخامس-  كتاب الطهارة
باب المسح على الخفين

إن الحمد للـه نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ باللـه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده اللـه فلا مضل لـه ومن يضلل فلا هادي لـه وأشهد أن لا إلـه إلا اللـه وحده لا شريك لـه وأشهد أن محمداً عبده ورسولـه:

هذا باب المسح على الخفين من كتاب بلوغ المرام من أدلة الأحكام وقد صدره المؤلف رحمة اللـه تعالى عليه بحديث:

المغيرة بن شعبة الذي جاء في الصحيحين قال فيه رضي اللـه عنه: كنت مع النبي صلى اللـه عليه وسلم فتوضأ فأهويت لأنزع خفيه فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" قال فمسح عليهما.

هذا الحديث فيه:

المسألة الأولى: مشروعية المسح على الخفين، وقد جاء خبره عن نحوٍ من ثمانين من أصحاب النبي صلى اللـه عليه وآلـه وصحبه وسلم، فهو من الأحاديث المتواترة، لذلك كان حكم إنكار مشروعية المسح على الخفين هو من إنكار الأمور القطعية، وقد أوردها علماء الأمة في كتب السنة وهي التي تعنى بمسائل الدين الكبار أوردوها فيها لكونها صارت شعاراً لأهل البدع- أعني إنكار المسح على الخفين- وعلى رأسهم الرافضة الذين لا يرون ذلك رغم أن أمة محمد- صلى اللـه عليه وسلم- كلـها قد قالت بمشروعية المسح على الخفين. 

المسألة الثانية: ظاهر الحديث- قد يدل- على عدم جواز إدخال الرجل الأولى في الجورب- يعني بعد غسلـها- حتى تغسل الثانية، وذلك لأن النبي- صلى اللـه عليه وسلم- علل أمره بالترك بكونه- صلى اللـه عليه وسلم- قد أدخلـهما طاهرتين، هي مسألة الإنسان يتوضأ فإذا بلغ الرجل اليمنى بعض الناس ينشف الرجل اليمنى قبل أن يغسل الأخرى ثم يُدخل الجورب، ثم يغسل الأخرى ثم يُدخل الجورب، يعني الآن الرجل الأولى أُدخلت وهي غير طاهرة، تقول نعم أولا، هي طاهرة أم غير طاهرة؟ إن قلت طاهرة فهو صحيح وإن قلت غير طاهرة فهو صحيح أيضاً،فالطهارة لـها معنينان: أولاً: معنى يعني أنت إذا وقفت عند الرجل الأولى ولم تغسل الثانية وذهبت هل الطهارة صحيحة ولم تغسل الرجل اليسرى تصلي؟ أنت لم تتطهر غسل أعضاء غسل فقط لم تتطهر الطهارة الشرعية، إذاً حين أدخلتها أنت لم تدخلـها وقد أخذت الطهارة الحكمية، لا الطهارة الحسية، فالطهارة حسية، والثانية الطهارة الحكمية، وهي غير طاهرة حكماً وإن كانت مغسولة، لذلك ذهب كثير من أهل العلم إلى عدم جواز هذه الصورة وأن على الإنسان أن يغسل الرجلين أولاً ثم يلبس الخفين، وذهب آخرون منهم الإمام ابن تيمية- رحمة اللـه تعالى عليه- إلى أن هذا غير مقصود وأن المرء لو غسل رجلـه اليمنى ثم ولبست جوربها ثم غسل الثانية ولبست جوربها فطهارته صحيحة، وذلك لأن الحكم باعتبار الحال واعتبار المآل، باعتبار الحال يعني هذا قصد عن المطلوب- كما يقولون- إذا قلت لي أن هذه الرجل لم تطهر الطهارة الحكمية أقول مآلـها إلى الطهارة، وليس مقصود النبي- صلى اللـه عليه وسلم- "أدخلتهما طاهرتين" هذا المعنى الذي أردته، فعليك الدليل إن كان هذا المراد، فأنا لا أحكم بأن الرجل اليمنى غير طاهرة حتى أغسل اليسرى فحين غسلت اليسرى فإن طهارتي وأدخالي لـها إدخال صحيح وطاهرتي صحيحة، ومن هذا المنطلق أخذ الإمام ابن تيمية باختياره في هذه المسالة وأن الطهارة صحيحة لا شيء فيها، ولكن ينبغي الاحتياط فيحتاط الإنسان ولا يدخل رجلـه اليمنى في الجورب أو في الموق أو في الخفين إلا بعد أن يكون قد غسل الثانية احتياطاً وخروجاً من الخلاف. وإلا لو كان هذا مراداً لبيّنه النبي- صلى اللـه عليه وسلم- والناس يحتاجون إليه ولبينه الصحابة رضوان اللـه عليهم وما ورد هذه القضية إلا في الأعصار المتأخرة بعد أصحاب النبي- صلى اللـه عليه وسلم-.

المسألة الثالثة: هنا قال "فأهويت لأنزع خفيه"، الحكم معلق بالخف، فأسماء الخفاف ونحوها كالأمواق، وما يسميه الناس الجِزَم، والجوارب، والتساخين، كل هذه لـها حكم واحد والمراد بها تخفية الرجل، وهذه الخفاف ونحوها يستفاد تحديدها من العرف في كل وقت، فما سُميَّ خفاً أو نحو الخف أو موقاً أو نحو الموق، فهي التي نيطت به الأحكام وربطت به هذه الأدلة، وهذا القاعدة الكلية في الشريعة تريحك في قضايا متعددة، مثل قضايا الخفاف المرقعة، والمخرقة، والشفافة، الأحكام معلقة بالاسم فمادام هذا الاسم موجوداً فهذه الأحكام منوطة به فلذلك حتى وإن كان مُخرقاً، حتى وإن كان شفافاً، فمادام يمسى خفاً أو يُسمى موقاً، أو يُسمى جورباً، أو جزمةً، أو حذاءً، جاز المسح عليه، وما ذكروه لا يُعارض هذه القاعدة، يعني يقولون: القدم إذا كانت مكشوفة بالكامل فحقها الغسل، وإن كانت مغطاةً بالكامل فحقها المسح، قالوا: فما ظهر بالتخرق أو بالشفافية فحقه الغسل فلا يجوز المسح عليه، وهذه حجة عقلية لا سيما وأن مسألة المسح على الخفاف مسألة تعبدية يراد بها الرمز والمعنى، حين خفف اللـه عز وجل علينا أن نخلع جواربنا وأحذيتنا جعل اللـه سبحانه وتعالى لـها رمزاً تعبدياً لا نعقل معناها كما قال علي بن أبي طالب رضي اللـه تعالى عنه: "لو كان الدين بالرأي- يعني ليس معقولاً هذا شيء مرموز لا ندري كنهه ولا الحكمة التفصيلية منه ولكن نعلم إن اللـه عز وجل قد جعلـه بدلاً عن الغسل- لذلك كان يقول: "لو كان الدين بالرأي، لكان مسح أسفل الخف أولى من مسح أعلاه". لأن أسفل الخف هو الذي يصيبه الأذى والقذر، هذه من حيث قاعدة الأسماء في الشريعة وهي مهمة،(كل اسمٍ جاء في الشريعة مطلقاً فيحمل على الحقيقة الشرعية،فإن لم توجد فالحقيقة اللُغوية أو نبقى على الحقيقة اللُغوية، فإن لم توجد فالحقيقة العرفية) وهذا الفقه- أعني ربط أحكام الجورب باسم الخف بأي صفة كان يؤكد مقاصد الشريعة في التخفيف، فما هو المقصود إذا كان الخف شفافاً أو مخرقاً؟ أليس الأذى يقع بالبرد، أليس الأذى يقع بالخلع والمشقة، كل هذه الأشياء الموجودة في الخف الساتر هي موجودة في الخف الشفاف أو المرقع، والقول بالمسح على الشفاف هو قول الإمام الشافعي- رحمه اللـه- وهي رواية أخرى لبعض المذاهب، واختار القول بالمسح على الشفاف الشيخ ابن عثيمين- رحمه اللـه-، وكما قال بعض التابعين: "وهل كانت خفاف الأنصار والمهاجرين إلا مخرقة مرقعة"، كانت خفافهم هكذا، بل كانوا من المسغبة والفقر والحاجة ما يجعل وجود هذه الخفاف أمراً عادياً طبيعياً، فلو أنهم مع كثرة ما يوجد فيها من الخروق لم يقل النبي- صلى اللـه عليه وسلم- للصحابة ولا كلمة واحدة، والصحابة ما قالوا للتابعين ولا كلمة واحدة عن الخفاف المرقعة، كل هذا يدل على أن المسح على الخف المرقع والشفاف أيضاً أنه مسح صحيح. 

الحديث الثاني:

حديث علي بن أبي طالب رضي اللـه عنه: "لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلاه، وقد رأيت رسول اللـه- صلى اللـه عليه وسلم- يمسح ظاهر خفيه"، رواه أبو داود في سننه بإسناد جيد.

فيه من الفوائد:

الأولى: أن المسح على ظاهر الخف فقط.

الثانية: أن المسح يكون بأي صفة يصدق عليها اسم المسح، دون التزام هيئة معينة حتى ورود دليل صحيح يعتمد عليه، إذا قال: كيف أمسح؟ هل أفرج بين الأصابع، أو أمسح من نصف القدم إلى أصل الساق، أو من أطراف الأصابع إلى نصف القدم، أو متعرجاً، أو بالطول؟ نقول أولاً: لا تلتزم هيئةً ولا كيفية تداوم عليها من غير دليل.

التفريج بين الأصابع فيه دليل لكنه ضعيف، إذاً هذه القاعدة قاعدة عامة نحتاج لـها في جميع أبواب الفقه، وهذه قررها الإمام الصنعاني- رحمه اللـه- في شرحه للبلوغ وقال إن المسح شيء يعرف عند الناس ويعرف في لغة العرب، فما وقع به المسح وصدق عليه اسم المسح فهو المسح الذي أراده اللـه وأراده الرسول- صلى اللـه عليه وآلـه وصحبه وسلم-.

الثالثة: ورد في رواية لحديث المغيرة بن شعبة عند البيهقي: "أنه وضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ووضع يده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح بهما مرة واحدة". بعض الناس يأخذ الماء ثم يمسح الأول ثم يمسح الثاني، وبعضهم يريد أن يختصر  ثم يمسح مرة واحدة، هذا ورد في حديث المغيرة في البيهقي ولكن إسناده ضعيف، كما وردت صفة أخرى أيضاً في حديث جابر بن عبد اللـه بن حرام- رضي اللـه تعالى عنهما- "أنه يمسح بيده من مقدم الخف إلى أصل الساق" من أولـه إلى آخره، ولكن هذا الحديث أيضاً ضعيف، ضعفه الإمام الحافظ بن حجر، بل إنه قال إن إسناده ضعيف جداً، وحديث المغيرة قال النووي إن فيه انقطاع، إذاً نحن قررنا القاعدة في قضية ما يصدق عليه المسح لغةً وعرفاً، وتتبعنا ما قدرنا عليه من الأحاديث ووجدناها ضعيفة في صفة المسح.

الرابعة: ما هو الحد الأدنى من المسح؟ نعود فنقول القاعدة أيضاً أمامنا ما يصدق عليه المسح لغةً وعرفاً، فمثلاً إذا أتيت بيدك ووضعت أطراف أصابعك على ظهر قدمك فهذا يسمى لمس وليس مسح، وإذا مسكت أصبعاً واحداً ومررته هذا يسمى خط وليس مسح، المسح يقع باليد وتكون بباطنها، فالمسح يكون بباطن  اليد على ظاهر الرجل. ما هو القدر المجزئ في المسح؟ أقل ما يصدق عليه المسح فهو مسح، فلا يلزمك أيضاً أن تأخذه من مقدم القدم إلى أصل الساق، فإذا انبسطت يدك على ظاهر رجلك ثم سحبتها قيل لك بأنك مسحت فهذا هو أدنى حدود المسح التي يصدق عليها مسحاً بالنظر الظاهر وفي عرف الناس وظاهر اللغة.

الحديث الثالث:

حديث صفوان بن عسّال، كان النبي- صلى اللـه عليه وسلم- يأمرنا إذا كنا سفرى ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائطٍ وبولٍ ونوم"، رواه النسائي وحسنه الإمام البخاري.

الحديث الرابع:

حديث علي بن أبي طالب: "جعل رسول اللـه- صلى اللـه عليه وسلم- ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلةً للمقيم"،(يعني المسح على الخفين) رواه مسلم في صحيحه.

هذان الحديثان فيهما وقفات:

الأولى: أن مدة المسح للمسافر ثلاثة أيام- أي اثنان وسبعون ساعة-، وأن للمقيم يوم وليلة- أي أربع وعشرون ساعة-.

الثانية: أن الجنابة تبطل طهارة المسح، فإذا أجنب الإنسان فعليه إذا أراد أن يغتسل أن يخلع الجوربين.

الثالثة: أن بقية الأحداث لا تُبطل طهارة المسح، وهي الغائط والبول والنوم، ومثلـها أيضاً الريح وبقية الخارج من السبيلين.

الرابعة: هل الأفضل هو المسح بعد حدث على خفٍ لُبس على طهارة، أو أن الأفضل هو الغسل؟ هل الأفضل للإنسان إذا بلغ موضع الرجل أن يخلع الجورب ثم يغسل رجلـه، أم أن الأفضل لـه أن يمسح ويترخص؟ قيل في ذلك ثلاثة أقوال:

القول الأول: أن الأفضل لـه أن يغسل، لأن الغسل أبلغ، ولأن الغسل أصل والمسح بدل، فإذا كان الإنسان قد تحمل مشقة النزع ومشقة البرد ثم غسل فهو أفضل.

القول الثاني: بأن المسح أفضل لأنها رخصة واللـه عز وجل يُحب أن تؤتى رخصه كما يُحب أن تؤتى عزائمه.

القول الثالث: التفصيل، فإن كان الإنسان يصيبه أدنى حرج ومشقة سواءً كان مشقة في النزع واللبس أو مشقة في البرد، فالأفضل لـه أن يمسح، وإن كان لا يجد مشقة في ذلك، بعض الناس يحب أن يخلع جواربه ويغسل يحب النظافة دائماً يفعل هذا لا يحب أن يبقى عليه الجورب كل صلاة يغسل لا يبقيها هكذا نظافة، فهذا ليس عليه مشقة فلو اختار يوماً من الأيام فقال لن أغسلـها نظافة ولكن سأغسلـها تعبداً، لا حرج، هو الآن لا يتحرج وليس عليه مشقة، كما أنه لم يغسلـها إعراضاً عن السنة وإعراضاً عن الرخصة لأنها رخصة، فهذا لا حرج فيه إن شاء اللـه وقد يكون مفضلاً في حقه.

وهذه الأقوال الثلاثة هي أيضاً ثلاث روايات عن الإمام أحمد- رحمه اللـه-.

الخامسة: هنا في حكم توقيت المسح للمسافر، وتوقيت المسح للمقيم، فمن هو المقيم، ومن هو المسافر؟

المسافر: لا يُعرف أنه مسافر بضرب مسافة معينة، ولكن المسافر كما اختاره الإمام ابن تيمية وابن قدامة، وكذلك الإمام الزركشي- رحمه اللـه-، وغيرهم من العلماء على أن العبر في ثبوت السفر واندفاعه هو العرف، لأن اسم السفر مثل قضية المسح الذي ذكرناه سابقاً والخفاف ليس لـها حد محدود في الشريعة، ولا حد محدود في اللغة، فالحكم فيها للعرف، ولكن العرف أيضاً لا يعرف أن السفر لـه مسافة محددة، أن تضرب هذه المسافة وتقول مسافر، لا، فالطرق تختلف وعورة وسهولة، فضرب المسافة خطأ يعني تحديد المسافة للسفر خطأ، أن تضرب عشرين كيلو مثلاً في طريق جبلي، جواد جبلية في عقبات جبال تهامة مثلاً  هذه عن ثلاثمائة كيلو- بلا مبالغة يعني- في بعض الطرق السريعة، إذا كان الإنسان معه دابة أو حمار أو جمل يريد أن يسافر ويذهب إلى قرية على بعد عشرين كيلو وهو يمشي على قدميه، ربما يختار الواحد أربعمائة كيلو على المشي في هذا الطريق، يقول ابن تيمية: "السفر لا يعرف بالمسافة، السفر هو مجموعة العمل الذي يُسمى سفراً.

 أولاً: أن يُسفر عن الأماكن، يخرج، هذا سفر. 

ثانياً: أن يقطع أدنى مسافة تُعرف سفراً ولا تُنسب إلى ضواحي البلد.

ثالثاً: أن يتزود بمثلـه.

رابعاً: أن يغيب ويبيت. هذه مجموعة إذا اجتمعت فهو سفر قطعاً، حتى وإن كانت المسافة إلى"بقيق"، أو إلى ما هو أقرب إلى أربعين، خمسين كيلو، مثل بعض الناس يذهب مندوب مبيعات يوزع مثلاً مواد غذائية على البقالات، أو مُحصل ديون، أو غيرها فهو إذا ذهب إلى بلد لا يريد أن يرجع إلا وقد انتهى من أعمالـه، فيذهب ويبيت يومين، ثلاثة، أربعة، يوزع بضاعته أو يُحصل ديونه، أو يوزع الأدوية إن كان صيدلياً ما معه ثم يرجع، لكن لو ذهب خمسين كيلو ورجع لا يعتبر مسافراً؛ لكن حين احتاج إلا أن يتزود يأخذ عدته وحاجته ويبقى يوم أو يومين، المهم أن يبيت بسبب البعد ولا يستطيع أن يذهب ويعود، وإلا بعض الناس قد يبيت بأطراف البلد لكن لم يتحقق وصف الإسفار، أن يُسفر عن الأماكن ويُبعد عن البلد، ثم المسافة أيضاً هي من شروطه، ليست المسافة شرطاً وحيداً كما يقول بعض الفقهاء أنه مجرد أن يقطع مسافة هو مسافر، لا، قد يذهب الإنسان كما قلنا سبعين كيلو ويرجع في يومه فهذا ليس مسافراً، ولكن يذهب في هذه السبعين ويبيت ويتزود فهو مسافر، وتأمل هذا في قصر أهل مكة، أهل مكة قصروا في الحج وجمعوا، المسافة التي بين أطراف مكة وبين عرفة لا تتجاوز الخمسة وعشرين كيلو، هي أقل من ذلك ومع ذلك اعتبروا مسافرين لأنهم أخذوا أقبيتهم وتزودوا، وغابوا وقطعوا مسافة ليست تعتبر من ضواحي البلد، طبعاً هذا على القول أن قصرهم وجمعهم ليس نسكاً- وهذا الراجح-، الحنفية يقولون بأن الجمع والقصر أنه نسك، لكن هذا ضعيف، ولو كانت نسكاً لبينه النبي- صلى اللـه عليه وسلم-، إذا كان السفر هو مجموعة العمل، لو أتى إنسان وضرب لـه مثلاً مائتين كيلو  وذهب ورجع في يوم، هل هذا مسافر أم لا مائتي كيلو معناه أربع ساعات ذهب الساعة الثامنة ورجع الساعة الثانية عشرة؟ على قواعد ابن تيمية- رحمه اللـه- العرفية لا يُعتبر مسافر، ولكن هذا فيه نظر لأن ابن تيمية لا يتكلم على أنها قواعد شرعية لا تتغير ولا تتبدل، يتكلم على أنها قواعد عُرفية فهذا هو رأيه في العُرف، لكن  لو أتى إنسان يضرب مائتي كيلو لا تقول مسافر إلى "الجبيل"؟ لا يختلف أهل العرف في ذلك، يختلفون في "العيون" ولكن أكثرهم لا يختلفون في "الدمام" مثلاً، من كون المسافة سفراً في حد ذاته، ولكن لا يختلفون بأن "الجبيل" من "الأحساء" أنه سفر، ويعتبر الإنسان نفسه مسافراً، بل يُورد على رأي ابن تيمية العُرفي إيرادات أخرى وهي السفر إلى أوربا يذهب الإنسان بالطائرة ست ساعات إلى فرنسا، ويرجع كما يفعل بعض رجال الأعمال يذهب يوقع عقد ويرجع، يذهب يسلم رسائل مهمة كالذي يفعلـه الدبلوماسيون يسلمها بيده ويرجع في ساعته، يخرج من أذان الفجر ويرجع قبل مغيب الشمس إلى بلده، هذا ذهب ورجع في يومه، نقول كما قال ابن تيمية بأن الذي يذهب ويرجع في يومه ليس بمسافر، هو أطلقها- رحمه اللـه- لكنه ما قال بأن الشريعة دلت عليه، وإنما قال هذا العُرف، وأهل العُرف قد أطلقوا على أن السفر إلى مكة بالطائرة سفر، والذهاب إلى أوربا سفر، بل والذهاب إلى ما هو أقرب منها بالسيارة سفر، إذاً نقول لا بد تقطع أدنى مسافة فإذا ذهبت كيلوين أو ثلاثة أو أربعة، هذا تابع للبلد عرفاً، لكن عندما تصل إلى خمسة وعشرين وثلاثين وأربعين خرجت عن البلد أنا لست داخل البلد ولا ضواحي البلد، فإذا اجتمع إليه في المسافة القليلة إن رجعت في يومك في المسافة القليلة فأنت لست بمسافر، فإذا اضطررت أن تبقى بسبب طول المسافة فأنت مسافر، إذاً السفر ليست مسافة وإنما هي مجموعة العمل، فإذا كان هذا هو السفر فالإقامة كذلك هي مجموعة العمل، فإذا وجدت الإقامة العرفية بمجموعة الأعمال فقد وقع السفر، استأجرت بيتاً لمدة ستة أشهر وتأهلت وأحضرت أولادك، وقد يفعل الإنسان بعض الأشياء الأخرى مثل الارتباط بالوظائف، الارتباط بالعمل التجاري وغيرها، جلب الأثاث من بلدك الذي نزحت منه أو شراؤك للأثاث من البلد الذي نزلت فيه، هذه كلـها مجموعة أعمال أدناها يدل على أدنى الإقامة وأعلاها يدل على إقامة دائمة، وهكذا، إذاً فليست الإقامة مربوطة بأربعة أيام كما يقولـه الشافعية- رحمة اللـه تعالى عليهم- ومن وافقهم،  ولا خمسة عشرة يوماً كما يقولـه الحنفية ومن وافقهم، ولا تسعة عشرة يوماً كما يقول البخاري- رحمه اللـه- ومن قال بقولـه، ولا عشرين يوماً كما يقول ابن حزم- رحمة اللـه تعالى عليه-، ليست أياماً معدودة وإنما هي مجموعة أعمال إذا فعلـها الإنسان قيل هذا مقيم، لكن لو كان عنده مدة شهرين وترك أولاده في بلده الأصلي واستأجر فندقا أو شقة مفروشة لا يُسمى مقيماً، لم يتأهل ولم يأخذ المدة الزمنية العرفية التي يقال للإنسان فيها بأنه مقيم، لكن مدرس ينتظر حركة المدرسين بعد سنة فنزل وأخذ شقة بعقد شهري، وهو يدري أن الحركة لا تأتي إلا بعد سنة ثم أحضر أهلـه معه في هذه الشقة فهذا مقيم أقام في هذا البلد، قد يختلف أهل العُرف أنه مقيم أو غير مقيم، فإذا اختلفوا تستبقي آخر حالة كنت عليها، فإذا كنت مسافرا يقيناً أنت إلى مكة مسافر ثم نزلت في مكة ثلاثة أشهر ثم لم تتأهل فأنت تقول أنا مقيم، المدة طويلة لكن لم أستأجر بيتا كسائر المقيمين أنا أشك في نفسي، لك أن تستبقي حالة السفر هذا هو الأصل الذي ترجع إليه، والعكس بالعكس، إذا كنت مقيماً في بلدك ثم ذهبت في مكان وقلت أنا مسافر أو غير مسافر الحكم هنا أن تستبقي الحالة السابقة وهي الإقامة، لأن أنت متيقن أنك مقيم وشاك في أنك مسافر فلا تعمل الشك مع وجود اليقين الذي عندك، فإذاً قضايا والسفر والإقامة قضايا واضحة جداً فهذه تأخذ أحكام السفر والإقامة، وقضايا مشكلة في حكم السفر والإقامة القاعدة أن تستبقي آخر حالة كنت عليه، فإن كنت تريد أن تترخص في مسيرك يوم من الأيام حين خرجت من بلدك وشككت في أنك مسافر فاعتبر أنك غير مسافر لأن الأصل عندك الإقامة، والعكس صحيح إذا كنت مسافراً يقيناً ذهبت إلى بلد ويعتبر  سفراً يقيناً ثم نزلت في بلد آخر في طريقك أو في منتهى قصدك ثم قلت أن المدة طويلة وكذا وشككت لك أن تستبقي آخر حالة كنت عليها، بخلاف الصورة الأولى عليك أن تستبقي آخر حالة كنت عليها إذا كنت مقيماً وشككت في السفر فيجب عليك وجوباً أن تستبقي الحالة السابقة لأن سفرك يؤدي إلى الترخص والترخص لا يجوز إلا بيقين، بخلاف الحالة الثانية فنقول لك أن تستبقي حالة السفر ولك أن تترخص لكن لا يجب عليك فأنت تقصر وتصلي مع الجماعة لكن لا يجب عليك ذلك.

إذاً متى يكون الإنسان لـه أحكام المسح يوم وليلة وأحكام المسح ثلاثة أيام بلياليها بهذه القواعد العرفية المتعلقة بقضايا السفر والإقامة.

الحديث الرابع:

حديث ثوبان بعث رسول اللـه- صلى اللـه عليه وسلم- سريةً فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين" العصائب: العمائم، والتساخين: الخفاف، جمع تسخان أي أنه سبب للسخونة، رواه أحمد في مسنده وهو حديث جيد.

هذا الحديث أفاد معنى جديداً وهو المسح على العمامة، وفيها أقوال:

القول الأول: أن العمامة يُمسح عليها للعذر، كبردٍ شديد أو بسبب معالجتها عند عصبها.

القول الثاني: أنه يُمسح عليها مطلقاً، متى ما سُميت عمامة جاز لـه أن يمسح عليها، ثم من قالوا بالمسح على العمامة اختلفوا أيضاً: الأول: فقالوا يُمسح عليها ولا يُشترط لـها طهارة، يعني أنت لبست العمامة وأنت على غير طهارة وأردت أن تتوضأ امسح عليها لا تحتاج أن تقول هل كنت على طهارة أو لا كالخفين فلا يُشترط لـها طهارة ولا يُشترط لـها توقيت.

الثاني: أن يُشترط الطهارة والتوقيت، وهذا هو الأقرب والأحوط، واللـه أعلم.

وإن كان بعض أهل العلم كالإمام الشوكاني وابن تيمية رحمه اللـه لا يرون أنها يُشترط لـها الطهارة والتوقيت وذلك لأن الخلاف فيها بين الصحابة لم يُذكر فيه أدلة صريحة من فعل النبي- صلى اللـه عليه وسلم- أو قولـه، أو فعل الصحابة أو أقوالـهم ما يدل على إثبات التوقيت أو نفيه، وإثبات الطهارة أو نفيها فوقع الخلاف بين العلماء المتأخرين وإن لم يكن ثمة خلاف قديم ولكن الأقرب- أقول الأقرب ولا أُرجح ترجيحاً واضحاً في هذه المسألة- والأحوط هو أن يُعتبر فيها ما يُعتبر في الخفاف لا سيما وقد ذُكرت في حديث واحد "أنه أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين".

الحديث الخامس:

حديث أنس: "إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه فليمسح عليهما وليصلي فيهما ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة"، هذا حديث ضعيف لكن معناه صحيح لحديث أبي بكرة أن النبي- صلى اللـه عليه وسلم- رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوماً وليلة إذا تطهر ولبس خفيه أن يمسح عليهما" هذا معناه في حديث صفوان وعلي المتقدمين فأغنى عن الإعادة.

الحديث السادس:

حديث أُبْيِّ بن عمارة رضي اللـه عنه أنه قال: يا رسول اللـه! أمسح على الخفين؟ قال: "نعم"، قال: يوماً؟ قال: "نعم"، قال: ويومين؟ قال: "نعم"، قال: "وثلاثة؟ قال: "نعم، وما شئت". يعني بعدما قال ثلاثة أيام قال وما شئت، يعني مدة المسح مفتوحة، هذا الحديث ضعفه جمع من المحدثين منهم الإمام النووي وغيره وهو حديث ضعيف، فلا حجة فيه وإن كان قد استدل به بعض أئمتنا المالكية- رحمة اللـه تعالى عليهم- فقالوا: بأن مدة المسح ليست مؤقتة بيومٍ ولا ثلاثة أيام، لكن حديث صفوان وحديث علي وحديث أبي بكرة وغيرهم كلـها تدل على مشروعية بل أن يُجعل حداً لذلك، انتهت الأحاديث المتعلقة بباب المسح على الخفين ونعرض بعض المسائل المكملة لمسائل المسح على الخفين وإن كانت خارج هذه الأحاديث:

المسألة الأولى: يُشرع المسح على الخفين ولو (لسفر فيه معصية) وقد ذهب بعض الفقهاء لأن سفر المعصية- الفرق بين السفرين السفر أُنشئ للمعصية، كمن أراد أن يُسافر ليعق والديه، أو يسافر ليشرب الخمر، أو يُسافر ليسرق، أو يسافر ليقطع الطريق، لأن العبرة بالاسم وجد اسم السفر فعليه تدور الأحكام.

المسألة الثانية: متى يبدأ المسح؟ يبدأ المسح قيل: من  اللُبس، وقيل: من الحدث، حين أحدث، وقيل: من المسح بعد الحدث، والثالث الأخير هو الراجح.

ما هو الدليل على صحة القول الأخير لمن يرى تصحيح هذا القول؟

يمسح المقيم يوماً وليلة، ويمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن، اللـه عز وجل على لسان رسولـه- صلى اللـه عليه وسلم- أعطاه مدة يمسح فيها، فمنذ أن بدأ يمسح إلى أن تنتهي المدة هذا مسح، فلا تنتهي إلا من المسح من اليوم الآخر من حين مسحه. وقد جاء في حديث أبي بكرة في سنن ابن ماجه بسندٍ جيد حسنه البخاري: "أن النبي- صلى اللـه عليه وسلم- جعل للرجل إذا توضأ فمسح خفيه أن يمسح يوماً وليلة" أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة بسندٍ جيد وحسنه البخاري، هذا دليل أصرح من حديث صفوان وعلي، لم يقل إذا توضأ فقط، ولا قال إذا أحدث، "إذا توضأ فمسح أن يمسح يوماً وليلة" وهذا أصرح من حديث صفوان بن عسال- رضي اللـه عنه-.

المسألة الثالثة: المقيم إذا سافر وعكسه فما حكم المسح؟ أنت الآن مسحت نصف اليوم وأنت مقيم بقي لك نصف اليوم ثم سافرت هل يبقى لك يومان ونصف أو تكمل اليوم؟

اختلف الفقهاء في ذلك:

القول الأول: فقال بعضهم: يكمل يوماً، يعني أنت الآن مسحت في الفجر وأنت مقيم ثم سافرت المغرب، الآن مضى عليك نصف اليوم، على هذا القول لأنك تكمل إلى الفجر، ثم تخلع ثم تستقبل مسحا جديدا للسفر كاملاً.

القول الثاني: أنه إن أحدث في الحضر  ومسح في السفر  فيستقبل ثلاثة أيام ويحسب فيها المدة التي بين الحدث وبين المسح التي كانت في الحضر، يعني هو أحدث الظهر ثم مسح المغرب بعد أن خرج من البلد وصار مسافراً، قال بعضهم: أنه يكون لـه ثلاثة أيام من حين مسح وهذا هو الراجح، وقال آخرون: أنه ثلاثة أيام ولكن يعبر من المدة التي بين الحدث إلى المسح، وهذا قول لبعض الحنابلة، ولكن القول الآخر الذي مال إليه الإمام أحمد أخيراً هو القول: أن يستقبل ثلاثة أيام من حين مسحه.

إنسان مسح في الحضر بقي لـه نصف يوم من الحضر، أرجح الأقوال أيضاً واختاره ابن قدامة في "المغني" بأنه يستقبل ثلاثة أيام يعتبر منها ما كان في الحضر، يعني مجموع مدة المسح يكون ثلاثة أيام، وهذا هو الراجح، هذه مسالة المقيم إذا سافر.

 والمسافر إذا أقام، يقول الجمهور: بأنه إن بقي لـه من مسحه ثلاثة أيام وقت استكملـه في الحضر ثم نزع، يعني هو مسافر ومسح وهو في سفره يومين ونصف وعندما دخل البلد وأقام بقي لـه نصف يوم من مسح السفر، قالوا: يكمل نصف اليوم الباقي، وإذا بقي لـه يوم يكمل اليوم، يعني مسح تسعاً وأربعين ساعة، تبقى لـه ثلاث وعشرون ساعة يكملـها أيضاً في الحضر هذا قول، القول الآخر: إذا مضى عليه يوم واحد فقط في السفر مجرد أن يقدم إلى البلد ينزع، هذا أشذ الأقوال، يعني لا ينظر إلى بقية مدته الباقية، فقول الجمهور هنا إذا مضى من وقته يوم واحد وأقام نزع وإن بقي لـه من اليوم الأول مدة أخذه، الإنسان إذا مسح في السفر نصف نهار فقط ثم قدم يكمل نصف النهار الباقي فقط، لكن إن كان يوم فصاعداً مجرد ما يقدم ينزع هذا قول جمهور المذاهب الأربعة، وهناك قول لابن حزم وهو قول لطيف ويوافق عموم الأدلة في هذه المسألة وهو القول الذي ذكرته لكم منذ قليل: أنه يأخذ ما بقي من الثلاثة أيام على أن لا يزيد عن يوم واحد، قاعدة ابن حزم: "أنه إذا كان مسافراً فلـه ما بقي من الثلاثة أيام ما لم يزد عن أربع وعشرين ساعة" يعني لا يقول أنا لي رصيد أنا مسافر ثلاثة أيام مضى منها يوم وبقي يومان أكملـهما في الحضر، هذه ما قال بها أحد حتى ابن حزم، ولكن ابن حزم يقول: إن بقي لـه شيء من مسح السفر أكملـه في السفر أن لا يزيد عن يوم واحد، ودليلـه في ذلك يقول: بأنه لم يرد في الشريعة أن الإنسان يمسح أكثر من ثلاثة أيام لا في حضر ولا في سفر ولا في مسح طرفاه في حضر وسفر، وهذا القول ليس بمعارض لأدلة الشريعة، وإن كنا نقول الأحوط الأخذ بقول الجمهور في ذلك وهو أن الإنسان إذا أمضى يوماً واحداً في السفر أنه ينزع مجرد ما يقدم هذا أفضل. 

المسألة الرابعة: مسألة الخف الفوقاني والتحتاني، الصحيح أن الحكم الفوقاني إذا مسح على التحتاني ولو كان المسح بعد حدث، عندنا- أجلّكم اللـه- جزمة وجورب، فهو إذا مسح على التحتاني فالحكم للتحتاني لا يمسح على الفوقاني، وهناك طريقة للإمام الشافعي- رحمه اللـه- أن المسح على الخفين أنه بدل عن الطهارة فإذا مسح على الفوقاني ثم نزعه فالحكم للتحتاني مادام أن الجميع على طهارة، ولكن الأحوط في هذا أن الإنسان إذا مسح على شيء فإذا نزعه بطل مسحه، هذا هو الأحوط، فإذا مسحت على الفوق فالحكم للفوق، فإذا نزعت بطل مسحك،هذا الكلام كلـه إذا كان بعد حدث، أما إذا كان من غير حدث فالصحيح أن الحكم يكون للتحتاني إذا مسح الإنسان على غير حدث.

المسألة الخامسة: إذا خلع خفيه بعد طهارة مسح فالصحيح أن طهارته صحيحة، يعني الآن هو مسح في الساعة الثانية عشرة من هذا اليوم ثم جاءته الساعة الحادية عشرة وهو على طهارة مسح، توضأ ومسح قبل أن تنتهي المدة ثم خلع وهو على طهارة المسح، فما حكم طهارته؟

هذه عند قول بعض الفقهاء بأن طهارته غير صحيحة، وذهب الحسن بن يسار البصري إلى أنه باق على طهارة والنزع ليس في الكتاب والسنة ما يدل على مطلق النزع على أنه يبطل الطهارة، وهذا هو اختيار الإمام ابن تيمية- رحمة اللـه تعالى عليه-، وشبهوه بحلق الشعر إن للإنسان شعراً ثم مسح عليه فالحكم لـهذا الشعر، يعني مثلاً الإنسان إذا كان عليه "جمة" شعر كثيف ثم مسح عليه، ثم حلقه لا نقول أعد الوضوء أو أعد المسح، ولكن لو كان حالق رأسه ثم قال بيديه في الـهواء لا نقول هذا مسح، فالحكم إذاً للشعر والشعر الذي ارتبط به الحكم زال، فالراجح في هذا إنه لو اضطر أنه يخلع وهو على طهارة مسح ولو بعد حدث فطهارته صحيحة، يعني طهارة المسح الذي بعد الحدث، لا أقصد أنه يكون محدث ثم يخلع، إذا أحدث ثم خلع هذا فيه بإجماع أنه قد بطل مسحه، ولكن المقصود أنه توضأ أحدث بعد أن مسح المسح الأول توضأ ثم مسح على خفيه بعد أن أحدث سابقاً ثم نزعه بعد أن توضأ فطهارته صحيحة ولكنه بطل المسح لا يعده مرة أخرى.  

المسألة السادسة: تمام مدة المسح ليس مبطلاً للوضوء ولا ناقضاً للمسح، يعني أنت مسحت في الثانية عشرة بالأمس فلو أنها جاءت في الساعة الثانية عشرة بالضبط وأنت على غير طهارة فحكم المسح قد بطل، هذه مسألة متفق عليها، لكن إذا جاءت الساعة الثانية عشرة وأنت على طهارة، فالصحيح أيضاً أن انتهاء الوقت ليس مبطلاً لطهارة المسح. 

واللـه عز وجل أعلم وصلى وسلم على نبينا محمد.

الأسئلة:

1- يقول في الأمور المتكررة في العبادات غالباً ما يداوم الإنسان على صفة معينة، لا على وجه العبادة ما الحكم في ذلك؟

لا ينبغي، يعني أنت تداوم على شيء هو من طبيعة الإنسان وجبلته لا حرج، يعني تقول أنا أداوم على أن أجعل رجلي غير متجافيتين وغير ملتصقتين، هذا طبع الإنسان وجبلته ليس فيه شيء هذه طبيعة الوقوف، بل بعض العلماء يقول: أن السنة في الوقوف هو أن يفعل الإنسان ما عليه الجبلة فيما لم يرد في صفة معينة في سنة النبي- صلى اللـه عليه وسلم-، ولكن إذا داومت على شيء معين ينبغي أن تتجنب هذا الدوام، تلغيه. 

2- ما حكم المسح على النعال، وهل الإغماء مبطل للمسح؟

المسح على النعال ورد وصححه الألباني- رحمه اللـه- في رسالة القاسمي في المسح على الجوربين، ولكن النعال ربما ليست النعال التي تعالج بالربط وفيها مشقة في النزع- يعني ليس النعال العادية التي تقلع-. والإغماء مثل بقية النواقض عدا الجنابة لا يعتبر ناقضاً ولا مبطلاً للمسح.

الشروط الصحيحة للمسح ذكرناها في ثنايا الكلام وذكرنا ما لا يجوز أن يُسمى شرطاً.

3- ذكر بعضهم أن قياس المسح على الخفين قياساً بالشعر مع الفارق لأن الشعر فرضه المسح والقدم فرضه المسح؟

هذا صحيح بالنسبة للفارق بين الغسل والمسح، لكن الفارق لا يعني أن الحكم منوط بالموضع، أنا ضربت مثال: لو أن شخص جاء ومرر يده على مستوى أربعة سنت عن رأسه هذا مسح؟ لا نقول هذا مسح، لكن لو كان خمسة سنت ثم مسح عليه لا تقول مسح؟ معناه الحكم ارتبط بالشعر، الشعر هذا أزلناه فنقول أن الفارق بأن هذا مسح وهذا غسل ليس هذا الفارق، الفارق أن المسح مرتبط بالشعر والغسل مرتبط بالبشرة، يعني لو إنسان عمل علمية وأزال الجلد هل ستقول أيضاً الحكم لا يتغير، لو زال الشعر الممسوح لا يمسح مثل قضية الفوقاني والتحتاني،إذا أخذت بقول الإمام الشافعي الحكم بالتحتاني على خلاف بين الفقهاء في قضية المسح على الخفان بعد حدث أو بعد حدث.

4- بالنسبة للشرابات إذا مسحتها ثم لبست شرابات أخرى فوقها قبل نهاية مدة المسح فهل يلزم عليّ خلعهما ومسح التي ...؟

يعني القاعدة بين الفوقاني والتحتاني الحكم للأول للتحتاني في نهاية مدة السمح، لا تقل أنا لبست جورب جديد وأمسح مسح جديد أو مدة جديدة، هذا بالنسبة للمدة، فإذا لبست جورباً آخر بعد الحدث ثم مسحت عليه فالحكم للأخير فإن مسحته بطل مسحك على قول الجمهور، أما على القول الذي يُروى عن الشافعي فالمسح بدلٌ عن طهارة الماء، فإذا مسحت فهي مسألة تعبدية طهرت الموضع سواء وضعت عليها خفاً أو وضعت عليه جورباً آخر أو لم تضع، ولكن الأحوط في هذا الأخذ بقول الجمهور، فإذا لبست جورباً ثم أحدثت واشتد البرد لبست جورباً آخر ثم مسحت على الجورب الآخر فالحكم أولاً في نهاية المدة للجورب الأول، الجورب الثاني إذا مسحت على طهارة مسح فلبسه صحيح ولكن إذا نزعته بطلت طهارتك على قول الجمهور، يعني نقول لبس الجورب الأول ثم أحدث ثم مسح عليه فهو الآن طاهر، ثم بدا لـه أن يلبس جوربا آخر وهو طاهر طهارة مسح، لبسه لـه صحيح ومسحه على الفوقاني صحيح بشرط أن تكون نهاية المسح للجورب الأول (التحتاني)، لكن لو جاء إنسان لبس الجورب ثم أحدث ثم بقي على حدثه وفاجأه البرد ثم لبس الجورب الثاني ثم مسح والمسح على غير طهارة ما أدخلته وهي طاهرة، ولكن إذا مسحت عليه على طهارة الأول استمر المسح فمتى ما نزعته فالحكم للأعلى فيبطل مسحك الأخير.

5- يقول هناك الخف الفوقاني والتحتاني أن هناك شيئاً اسمه الغسل على الرجل وهناك مسح بتغطية القدم فلا اعتبار لخفٍ واحد أو عشرة أخفاف؟

هذا القول جميل والشافعي أخذ به في بعض المسائل وإلا قد يُقال المسح بدل فإذا مسحت طهرت الموقع، أنت وضعت جوربا ونزعت أو تركت لكن الحكم للتحتاني دائماً حتى لو كان على حدث ثم مسحت فالحكم للتحتاني على القول بأنه بدل والبدل يقوم مكان المُبدل في جميع الأحكام، لكن لا أُفتي بذلك وأرى الأخذ بقول الجمهور في هذه المسألة.

6- ما رأيك فيمن قال صلاة الجماعة إذا انتهت وصُليت ثم مع جماعة أخرى فلا ينقص من الأجر شيء وهل هناك إثم إذا فاتت الجماعة الأصلية وصليت مع الجماعة الأخرى؟

الحكم للجماعة الأولى الراتبة والدليل أن النبي- صلى اللـه عليه وسلم- لم يُرخص لعبد اللـه بن أم مكتوم أن يُصليّ في بيته، أو يُصلي مع زوجته أو مع جاره، أو أن يقول متى ما أردت صل كما أردت، الحكم للجماعة الأولى بلا ريب وهذه عندي مسالة واضحة لا إشكال فيه، وأما الأجر فإذا صلى مع جماعة أخرى لـهم أجر الجماعة ولكن  أولئك لـهم أجر الراتبة ولـهم أجر أول الوقت وأنت إن كان لك عذر فلك أجر الجماعة إن شاء اللـه، إن كان لك عذر في ترك الجماعة.

7- أهلي يبعدون مائتين وخمسين كيلو وإذا ذهبت من عندهم آخذ زادي وأمتعتي، هل اعتبر مسافراً؟

الظاهر أنك تبدو مسافراً، إذا كان هناك أحد يعارض على ذلك عُرفياً، فالإنسان يمشي مائتين كيلو هذا مسافر عُرفياً حتى ولو كان ما تزود وحتى إن كان ما بات حتى إذا لم يفعل أشياء أخرى، فالمسافة وحدها أحياناً تكفيه بوصف السفر، ولكن إذا كانت المسافة قصيرة وهي تعتبر قطع لمسافة سفرية عُرفاً، ولكن إذا كان يذهب ويرجع في نفس اليوم في المسافة القليلة فليست بسفر في العرف. مثل ما قلت ذهب ستين سبعين كيلو والرجوع من يومه حتى الآن لا يعتبر مسافر لكن لو اضطر أن يبيت بسبب البعد مثلاً أو بسبب شيء من هذا القبيل فهو مسافر.

8- يقول أنا طالب وأسكن في الأحساء وتقام صلاة الظهر وقت المحاضرة الأخيرة ولذلك تؤخر إلى ما بعد الإحرام وتصلى جماعة ولكني مرتبط بعمل بعد الدوام ويوجد معنا في القاعة طلاب يسافرون إلى الدمام يومياً ويقصرون بعد المحاضرة الأخيرة مباشرة فهل أصلي معهم وكيف؟

إن كنت هنا مسافراً فلا تجب عليك الجماعة ويجوز لك أن تصلي مع الاخوة المسافرين وأنك تشهد جماعة مع الناس لكن لو كنت مقيماً كما وصفت نفسك وأنا مقيم في الأحساء- تقول مقيم- فإذا كان الإنسان مقيماً وعنده سكن ولا يذهب إلا في نهاية الأسبوع أو أسبوعين لبلده فهذا مقيم ولا يجوز لـه تأخير الجماعة عن وقتها حتى وإن كان في وقت المحاضرة.

هذا واللـه أعلم وصلى اللـه على نبينا محمد.



 


حقوق النشر والطبع © 1427هـ فضيلة الشيخ سليمان الماجد . جميع الحقوق محفوظه

Copyright © 2006 www.salmajed.com . All rights reserved

info@salmajed.com