باب الإحرام وما يتعلق به
ذكر المصنف-رحمه الله-حديث ابن عمر-رضي الله عنهما-؛ أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-سئل ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: "لا تلبسوا القُمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحدٌ لا يجد النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا شيئاً من الثياب مسه الزعفران ولا الورس"، متفق عليه، واللفظ لمسلم.
القميص معروف وهو الثوب، والعمائم هي ما يُلف به الرأس وتختلف عمائم العرب بعضهم يكورها تكويراً كعمائم السودانيين وبعضهم يضعها على رأسه ويلف بعضه على الرأس كعمائم أهل اليمن وتختلف وضعها منذ القدم وليس في الوقت الحاضر، والمقصود أنه ما يوضع على الرأس، والسراويلات هي جمع سراويل أي واحدها سراويل، صيغة سراويل وإن كانت صيغة بصيغة الجموع إلا إنها ليست كلمة عربية أصلاً، والسراويل أيضاً معروفة وهي مازالت تستعمل إلى الآن.
وأما البرانس، فالبرنس هو كل ثوب رأسه ملتصق به وهو يشبه ثياب المغاربة يكون قلنسوته تابعة لـه.
والخفاف هي ما تلبس في القدم ويغطي الكعبين.
فوائد الحديث:
الأولى: دل الحديث على نهي المحرم عن لبس هذه الأشياء، ويدخل فيها ما في معناها كالجب والمشلحة والسترة، والبنطال، وفيما يتعلق بالعمائم والبرانس، يدخل فيها كل ما يغطي الرأس ملتصقاً به، مهما كان اسم هذا اللباس أو هذه البرانس أو طاقية أو عمامة... إلخ.
ويدخل في الخفاف التي تغطي الكعبين وهي ما تسمى الآن الجزم ذات الرقبة، وتسمى جرانيك، وهي كلمة فارسية ومفردها جرنوك.
وقد أخذ العلماء من مجموع هذه الألبسة أن المحرم قد نُهي أن يلبس ما يفصِّل جسمه، وهو ما يسمى تعبيراً باللباس المفصّل أو بالمخيط، فالقمص لها أكمام، والسراويل لها أشكال في الرجلين، ولذلك أجازت عائشة-رضي الله عنها-للمحرم أن يلبس التبان والتبان شبيهة بالسراويل إلا أنها مفروقة الوسط، ومن هنا استنبط العلماء الثياب المفصلة أو ما يسمى بالمخيطة استنتجوها من جموع هذه الأشياء، كما أنهم أيدوا ذلك بالمأمور به، يعني أن ما أمر الله به أو أمر به نبيه-صلى الله عليه وسلم-أمر بلبسه إذا تأملت وجدت أنه لا أكمام لـه، أخذوها من مجموع المأمور به.
ثبت في الصحيحين عن ابن عمر-رضي الله عنهما-أنه قال: وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين. الرداء يوضع على الأكتاف، والإزار يشد به الوسط لستر العورة.
لكن جاءت عبارة المخيط وهي أول ما اشتهرت حكى ذلك بعض العلماء اشتهرت عند بعض التابعين ومنهم إبراهيم النخعي، ثم رُكب على كلمة المخيط جبال من الأحكام التي لا أساس لها في شريعة الله عز وجل، ولا في سنة رسوله-صلى الله عليه وسلم-، بعض الناس يسألون عن الجزمة المخيطة وعن الإحرام المخيط، والصحيح إنه إذا احتاج الإنسان أن يحيط طرفي الإحرام على قدر وسطه ثم يجعله مخيطاً فلا حرج، هو مثل التبان، ويسأل الناس عن عقد الإحرام وعن تركيب الأسنان ولبس النظارات ويظنون أنها من اللباس.
فعبارة المخيط لم تكن في كتاب ولا في سنة فلذلك هي عبارة غير جامعة، فالآن هناك مصانع تصنع ثياب بدون أن تشك فيها إبرة واحدة سواء كانت يدوية أو صناعية تخاط بطريقة معينة، هل نقول أنه يجوز؟ لا نقول أنه يجوز ، وكذلك غير جامع لا يجمع ما نهى الله عز وجل عن لبسه وما أمر الله عز وجل بلبسه، ولكن كلمة المخيط المقصود به هي ما فصل من الثياب.
الثانية: لبس شيء في القدم أسفل من الكعبين لا بأس به، ويدخل في ذلك الجزم، نعم هي تسمى جزم رقبة لكنها أسفل من الكعبين، هذه هي في حكم الخفاف والجواريب، وذلك لأنها أسفل الكعبين، وقد عرَّف العلماء-رحمة الله تعالى عليهم-عرفوا الخفاف بأنها نعل للقدم تغطي الكعبين، بل إن حديث الباب دل على العلة كما ترى، "وليقطعهما أسفل من الكعبين"، وهذا يدل على أن ما تحت الكعبين ليس بخف وأنه إذا قطع ما تحت الكعبين فإن حكمه الجواز، وقد ذكر ذلك ابن تيمية-رحمه الله-في كلام هذا نحوه حيث قال: أما ما تحت الكعبين فذاك ليس بخف أصلاً ولهذا يجوز للمسلم لبسه.
أنت تستطيع أنك تخلع الجوربين وتلبس جزمتين فتذهب وتشتري أحذية بلاستيكية ولا يجوز أن تسمى زينوبة لأن هذه يقولها أعداء الإسلام نسبة إلى زينب-رضي الله تعالى عنها وأرضاها-ويسمونها زينب أو يميزونها بزينوبة، الأحذية البلاستيكية إذا أخذتها خشية من أن تضيع أو تسرق التي تلبسها فلا بأس، ولكنك إذا خلعتها لأن هذا مخيط وأن هذا لا يجوز لبسه، فهذا لا يجوز، والله عز وجل يقول: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)، تخلع الجورب ثم أنزل رجليك إلى الكعبين فإن كانت طويلة أو ملامسة للكعب فاحذر منه وإن كان أسفل الكعب كما هي حال أغلب الجزم فالبسها فلا حرج كما قال ابن تيمية-رحمه الله-.
ثالثاً: اختلف العلماء في حكم قطع الخف أسفل من الكعبين على قولين إذا لم يجد النعلين:
القول الأول: هو قول جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة عدا إمامنا الإمام أحمد-رحمه الله-وهو وجوب القطع إذا عنده خفين ولم يجد نعلين، فيلبس الخفين بعد أن يقطعهما. وعلى ذلك دل حديث الباب، إلا أنه هناك رواية أخرى عن الإمام أحمد بوجوب القطع إذا لبس الخفين.
القول الثاني: هو أنه إذا لم يجد نعلين فيلبس الخفين دون أن يقطعهما وهذا هو مشهور الإمام أحمد-رحمة الله تعالى عليه-واستدل على ذلك بحديث ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يخطب في عرفات ويقول: "فمن لم يجد إزاراً فليلبس سروايل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين"، ورأوا-أي أئمتنا الحنابلة-أنه ناسخ لحديث ابن عمر بقطع الخفين، قالوا: لأن ابن عمر سمعه في المدينة حين كان النبي-صلى الله عليه وسلم-يعلم الناس المناسك في المسجد قبل خروجه إلى رحلته، وهذا واضح كما في بعض الروايات، وأما ابن عباس فإنه صريح على أنه في عرفات.
وقد أيد ابن تيمية-رحمه الله-مذهب الحنابلة-رحمة الله تعالى عليهم-ونصره من وجه آخر وهو: أن قولـه صلى الله عليه وسلم: "ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين"، يقول شيخ الإسلام فيما معناه: أن الخفين بعد قطعهما لا يسميان خفين أصلاً، ودل الحديث-على رأي ابن تيمية-رحمه الله-على الترخيص بلبس الخفين الذين لم يقطعا، وحمل ابن الجوزي الحنبلي-رحمه الله-القطع على الاستحباب لا الوجوب، بمعنى أنه ترك مذهب الإمام أحمد الذي يرى قطع الخفين إذا لم يجد نعلين وأخذ قولاً متوسطاً بين مذهب الإمام أحمد والجمهور.
وأقرب الأقوال هو الوجوب فقط، وقد مال إلى ذلك الإمام العلامة موفق الدين ابن قدامة وهو من الحنابلة أنه اختار الرواية الأخرى عن أحمد، مال إلى ذلك فقال: الأولى قطعهما عملاً بالحديث الصحيح، ولو تأملت، المعروف أن النبي-صلى الله عليه وسلم-إذا تكلم فهو يحيل إلى بيان الشريعة المعلوم، فهو يعلم الناس المناسك والناس تناقلوه عنه وبلغوه من بعده ومن معهم من الحجاج، يعني فكأنه يقول: من لم يجد نعلين فليلبس خفين على أسفل الساق، والمسألة هي محتملة وشديدة الإشكال.
ومن الأولى مراعاة المطلق والمقيد كما بين ذلك الإمام الشوكاني-رحمه الله-فحين أطلق في حديث ابن عباس فقد قيد في حديث ابن عمر، وأقرب المسالك هو القول الأول وهو قطع الخفين.
رابعاً: حكى الشارح العلامة الإمام الصنعاني-رحمه الله-الإجماع على أن المراد بالتحريم هنا على الرجل، ولا تلحق به المرأة في ذلك، يعني في لبس السراويل ولبس البرنس وكذلك لبس الخفاف وغيرها.
خامساً: في قولـه صلى الله عليه وسلم: "ولا تلبسه شيئاً من الثياب مسه الزعفران ولا الورس"، أخذه منه العلماء لبس الثياب المعطرة بعد إحرامه، وهذا هو قول عامة أهل العلم إن لم يكن إجماعاً.
فإذن أُخذ من الحديث أنه لا يجوز أن يتطيب المحرم ولا أن يلبس بعد إحرامه ثوباً مطيباً، وهذا محل اتفاق.
أما تطييب لباس الإحرام قبله وكذلك البدن فاختلف العلماء فيه على قولين مشهورين:
القول الأول: عدم جواز ذلك-تطييب الإحرام أو لباس الإحرام-وهو مذهب الحنفية والمالكية.
القول الثاني: أن ذلك مستحب أو جائز فإذا أحرم وخلعه لم يجز لـه أن يعيده حتى يغسله ويزيل عنه أثر الطيب، وهو الباقين من العلامة وهم الشافعية والحنابلة، أي أن ذلك جائز ما لم يخلعه بعد إحرامه.
والقول الثاني هو الراجح وهو جواز تطييب البدن ولباس الإحرام قبل الإحرام.
ثم ذكر المصنف الحافظ ابن حجر-رحمه الله-الحديث التالي فقال: وعن عائشة-رضي الله عنها-قالت: كنت أطيب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-لإحرامه قبل أن يُحرم، ولحلِّه قبل أن يطوف بالبيت. متفق عليه.
فيه حكم تطييب البدن قبل الإحرام، وفيه قولان مشهوران:
القول الأول: قول الجمهور وهو استحباب التطيب قبل الإحرام لأجل الإحرام حتى ولو بقي أثره، واستدلوا لذلك بحديث الباب وكذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة-رضي الله عنها-أنها قالت: كنت أرى وبيض المسك في مفرق رسول الله-صلى الله عليه وسلم-وهو مُحرم.
القول الثاني: هو قول المالكية-رحمة الله تعالى عليهم-وهو عدم الجواز لا قبل الإحرام ولا بعده، لا في البدن ولا في لباس الإحرام، واستدلوا بحديث يعلى بن أمية قال أنه أتى الرسول-صلى الله عليه وسلم-رجلٌ متضمخ بطيب وعليه جبة، فقال: يا رسول الله كيف ترى في رجلٍ أحرم بعمرة في جبةٍ بعدما تضمخ بطيب؟ فقال النبي-صلى الله عليه وسلم-"أما الطيب فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك"، متفق عليه.
هذا هو دليل المالكية وهو دليل قوي كما ترى، فكيف يجيبون على حديث الباب، قالوا بأنه خاص بالنبي-صلى الله عليه وسلم-.
والراجح هو قول الجمهور وهو مشروعية الطيب للجسد أو للثوب سواء كان ذلك قبل الإحرام وجواز استدامته ما لم يخلع ثوبه، فإذا خلعها وجب عليه غسلها ثم إعادته.
أجيب على حديث يعلى بن أمية أنه كان في قصة عمرة النبي-صلى الله عليه وسلم-في الجعرانة وكان ذلك عام ثمان للهجرة، وكان حديث عائشة في حجة الوداع، وكأنهم حين بحثوا في موضوع التاريخ كأنهم رجحوا قضية النسخ وأن هذا الحكم منسوخ بإجازة النبي-صلى الله عليه وسلم-.
أما دعوى الخصوصية غير صحيحة لأنه ثبت عن زوجات النبي-صلى الله عليه وسلم-أنهن كن يتطيبن بالمسك، ثم تعرق إحدانا فيتحرك المسك في جسدها ورسول الله-صلى الله عليه وسلم-ينظر فلا يقول شيئاً. وهذا يلغي الخصوصية ويؤيد قول الجمهور واختيار حكم آخر وهو النسخ.
أجاب ابن حزم إجابة أخرى غير إجابة الجمهور بأن الذي كان على صاحب الجبة هو الخلوق والخلوق هو الزعفران، والزعفران نهي أن يستعمله الرجل محرماً وحلالاً.
وأما قولهم أنه كان متضمخاً بطيب فالزعفران طيب، مع كونه طيب ففيه صفرة، فالنبي-صلى الله عليه وسلم-حينما نهاه عن ذلك إنما لكونه رجلاً.
فكما ذكرت أن الراجح هو قول الجمهور بجواز الطيب قبل الإحرام واستمراريته بعده.
ثم ذكر المصنف-رحمه الله-حديث عثمان ابن عفان-رضي الله عنه-؛ أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قال: "لا يَنْكِحُ المحرم، ولا يُنكِح، ولا يخطُب"، رواه مسلم.
هذا الحديث فيه:
حكم نكاح المحرم، وفيه قولان مشهوران:
القول الأول: أنه لا يتزوج ولا يُزوِج، لأن قولـه "لا يُنكِح" أي إذا كان ولياً أباً أو أخاً أو حتى حاكماً أنه لا يُزوِج وهو محرم، وكذلك لا يخطب؛ لأن الخِطبة أيضاً هي طريق للزواج، وهو قول جمهور المذاهب الأربعة عدما أئمتنا الحنفية فإنهم خالفوا ذلك، واستدل الجمهور بهذا الحديث.
القول الثاني: أن لـه أن يتزوج ويُزوج، وهو قول الحنفية وبه يقول ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما-واستدلوا بحديث ابن عباس-رضي الله عنهما-أن الرسول-صلى الله عليه وسلم-تزوج ميمونة وهو محرم. وهذا أيضاً استدلال قوي وهو صحيح عالي الصحة أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
أجاب الجمهور على الاستدلال بهذا الحديث بما جاء عن ميمونة نفسها أن النبي-صلى الله عليه وسلم-تزوجها حلالاً، وبنى بها حلالاً. وهذا رواه مسلم.
وأجابوا الجمهور أيضاً بحديث أبي رافع قال: تزوج رسول الله-صلى الله عليه وسلم-وهو حلالاً، وبنى بها وهو حلالاً، يقول أبو رافع: وكنت الرسول بينهما. رواه الترمذي وقال حديث حسن وهو حديث جيد.
قال الجمهور: ميمونة أعلم بنفسها، وأبو رافع صاحب القصة كان هو السفير، قالوا: فهو أعلم بذلك من ابن عباس، وكان ابن عباس صغيراً، وكانت ميمونة كبيرة وكان أبو رافع كبيراً.
وأجابوا أيضاً بأن النبي-صلى الله عليه وسلم-تزوجها وهو حلال واشتهر أمر زواجه وهو محرم، وكان صغيراً فسمع الخبر بأن النبي-صلى الله عليه وسلم-قد تزوجها وكان في وقت إحرام، فذهب ظنه أنه تزوجها وهو محرم، وهذا من أقوى ما أُجيب به على حديث ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما-.
فلذلك لا يجوز للمحرم أن يتزوج ولا يُزوج إذا كان ولياً.
ثم قال المصنف-رحمه الله-وعن أبي قتادة الأنصاري-رضي الله عنه-في قصة صيده الحمار الوحشي، وهو غير محرمٍ-قال: فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-لأصحابه، وكان مُحرمين: "هل منكم أحدٌ أمره أو أشار إليه بشيء؟". قالوا: لا، قال: "فكلوا ما بقي من لحمه"، متفق عليه.
القول الأول: وقد دل هذا الحديث على جواز أكل المحرم إذا لم يكن منه إعانة على قتله، وهذا هو قول الجمهور.
القول الثاني: لا يحل أكله وإن لم يكن منه إعانة عليه، ويروى هذا القول عن علي-رضي الله عنه-وكذلك ابن عباس وابن عمر واستدلوا بقول الله عز وجل: (وحُرِّم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً).
وأجاب الجمهور عن هذا الاستدلال فقالوا: بأن هذه الآية مترددة في الدلالة في كلمة الصيد بين المصيد وبين الاصطياد، إذن في لغة العرب والعرف الآية مترددة الدلالة بين الصيد نفسه وبين الاصطياد فعل الصيد، وإذا كان متردداً بين المعنيين وجب أخذ التفسير والبيان من السنة، والسنة قد بينت أن الإنسان إذا ما صاد بنفسه ولا صيد لأجله أنه يجوز لـه أن يأكله وهذا هو مقصودنا.
ثم ذكر المصنف-رحمه الله-الصَّعب بن جثَّامة الليثيِّ-رضي الله عنه-؛ أنه أهدى لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-حماراً وحشياً، وهو بالأبواء، أو بودّان، فرده عليه وقال: "إنا لم نرُدَّه عليك إلا أنا حُرُمٌ". متفق عليه.
دل هذا الحديث على أنه لا يحل لحم الصيد للمحرم مطلقاً، هو قال: حُرُمْ، ليس فيه أنه صاده ولا أنه صيد لـه كما دل عليه حديث أبي قتادة الأنصاري-رضي الله عنه-وذلك لأن النبي-صلى الله عليه وسلم-علّل عدم أكله بأنه مُحرم، وأطلق في ذلك ولم يستفصل هل صاده لأجله أو لا، فدلَّ على التحريم المطلق.
وأجاب من أجاز أكل الصيد إذا كان لم يصد لأجله بأن حديث أبي الصعب استثني عنه على أنه اصطيد لأجل النبي-صلى الله عليه وسلم-.
وقد ذكر هذا الحديث ابن القيم-رحمه الله-وذكر أن الشريعة ما حرمت شيئاً إلا حرمت وسائل وحرمت التحايل عليه.
ثم ذكر المصنف رحمه الله حديث عائشة-رضي الله عنها-قالت: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "خمسٌ من الدواب كلهنَّ فواسق، يُقتلن في الحَرَم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور"، متفق عليه.
فواسق، ويقال فسقت الثمرة إذا خرجت من قشرتها، وهذه خرجت للعدوان، فالعقرب تلدغ، والحدأة تعيش على الجيف وتعتدي على دواجن الناس، والغراب مثلها، والفأرة تفسد على أهل البيت زادهم، والكلب العقور قيل بأنه الأسد، وقيل بأنه الذئب وقيل بأنه كل سبع عادي، مثل الأسد والنمر والضبع، والثعلب، وهذا صحيح، وقد جاء في السنة وصف الأسد أيضاً بالكلب.
وهذا الحديث قد دل على جواز قتلها في الحل والحرم فإذا كان الله عز وجل قد حرم الصيد فإنه قد استثنى منها قتل هذه الكائنات.
ثم ذكر الحديث التالي فقال: وعن ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما-؛ أن النبي-صلى الله عليه وسلم-احتجم وهو مُحرم"، متفق عليه.
دل هذا الحديث على جواز الاحتجام للمحرم وأنه لا يؤثر في إحرامه بشيء.
ثم ذكر الحديث التالي فقال: وعن كعب بن عُجرة-رضي الله عنه-قالك حُملتُ إلى رسول الله-صلى الله عليه وسلم-والقملُ يتناثر على وجهي، فقال: "ما كنت أُرى الوجع بلغ بك ما أرى، أتجدُ شاةً؟" قلت: لا، قال: "فصُم ثلاثة أيامٍ، أو أطعم ستة مساكين، لكلِّ مسكين نصفُ صاع"، متفق عليه.
في هذا الحديث بيان رحمة النبي-صلى الله عليه وسلم-ورقته، حين رأى كعب بن عجرة قال: "ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى"، ثم أعطاه بيان السنة للقرآن حين قال الله عز وجل: (أو به أذىً من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك). فالفدية مجملة، والصيام مجمل، والصدقة مجملة، النسك مجمل، فجاء بيان النبي-صلى الله عليه وسلم-يبين أن النسك هي شاة، وأن الإطعام هي إطعام ستة مساكين، وبأن الصيام صيام ثلاثة أيام، وهذا دائماً يذكرها الأصوليون بأنه يجوز أن تُبين السنة كتاب الله عز وجل.
وفي هذا الحديث من الأحكام أن الإنسان إذا أصابه أذى فله أن يفعل شيئاً من محظورات الإحرام، فإذا فعل هذا المحظور شرع الله عز وجل لـه أن يتخير بين هذه الفداءات، وهذا من فضل الله عز وجل ورحمته.
ثم ذكر الحديث التالي فقال: وعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: لما فتح الله على رسوله مكة، قام رسول الله-صلى الله عليه وسلم-في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحلَّ لأحدٍ كان قبلي، وإنما أُحِلَّت لي ساعةً من نهار، وإنها لن تحلَّ لأحدٍ بعدي، فلا يُنفَّر صيدها، ولا يُخْتَلى شوكُها، ولا تحلُ ساقطتها إلا لمنشدٍ، ومن قُتل لـه قتيل، فهو بخيرِ النظرين"، فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله؛ فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال: "إلا الإذخر". متفق عليه
في هذا الحديث مسائل:
المسألة الأولى: أنه لا يحل القتال في مكة وهو في أصح أقوال العلماء القتال الابتدائي، أما قتال العصاة وقتال المارقين وقتال الخارجين على أمر السلطان وكذلك الكفرة والملحدين إذا فعلوا شيئاً في حرم الله يستوجب قتالاً جاز ذلك
والمقصود أن لا تكون مكة مقصد الجند واستدلوا لذلك بقول الله عز وجل: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم)، فإن كان المبادرة منهم جاز القتال.
المسألة الثانية: أنه لا يجوز التنفير، وهو تنفير الصيد حتى يُرمى.
المسألة الثالثة: أنه لا يجوز قطع شجرها ولا عضدها (كسرها) إلا الإذخر بنص الحديث، وإلا ما أنبته بني آدم مثل الثمار والخضراوات والبقول وغيرها مما ينبته الناس وقد حكى الإجماع عليه غير واحد من أهل العلم.
المسألة الرابعة: أن لقطة الحرم لا تحل إلا لمنشد، وقد ذهب الجمهور إلى أن لقطة الحرم مثل لقطة غيرها، وفي رواية عن الشافعي ورواية عن أحمد تقول باختصاص لقطة الحرم بشيء.
وذهب عبد الرحمن بن مهدي وغيره من العلماء السابقين واللاحقين منهم ابن حزم-رحمه الله-باختصاص الأحكام الخاصة باللقطة ولا يجوز أن يلتقطها إلا من يُعرِّفها أبد الدهر، هذا قول قوي، ولكن القول المتوسط بالحرم أنه إذا خشي تلفها أو سرقتها أن تقع في يد غير أمينة، فالأولى أن يسلمها إلى الجهات المختصة لا سيما مع كثرة السراق وضياع الديانة والأمانة، وإذا لم يخشى عليها لا تحل لـه أن يلتقطها لأنه ذكر خصائص للقطة الحرم فقال: "ولا تحل لقطتها إلا لمنشد"، ولكن أهمية التعريف في غير الحرم بأنه ملك لـه إذا عرفها سنة، وأما لقطة الحرم فلا تحل لـه أصلاً.
ثم ذكر المصنف رحمه الله الحديث التالي فقال: وعن عبد الله بن زيد بن عاصم-رضي الله عنه-، أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قال: "إن إبراهيم حرَّم مكة، ودعا لأهلها، وإني حرَّمت المدينة كما حرَّم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومُدِّها بمثليْ ما دعا إبراهيم لأهل مكة". متفق عليه.
هذا الحديث من الفوائد إن في المدينة حرم يحرم كما حرَّم الله عز وجل مكة.
وعن علي بن أبي طالب-رضي الله عنه-قال: قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: "المدينة حرمٌ ما بين عَيْرٍ إلى ثور". رواه مسلم.
وهذا الحديث يبين حدود الحرم وهي ما بين عير وهو جبل، وبين ثور وهو جبل آخر.
وقد قامت لجان علمية وتاريخية وأدبية أيضاً وجمع من الأهالي من أهل الخبرة فشكلوا لجنة وكان من ضمن هذه اللجنة الشيخ عبد الله البسام، وقاموا بتحديد حرم المدينة وحددوها بما ورد في السنة وما جاء في كلام الصحابة والتابعين والمحققين من أهل العلم وخرجوا بالحدود التي رُسِّمت الآن وأُقرَّت على وضعها الحالي.
الأسئلة:
1-متى آخر وقت لإدخال العمرة في الحج؟
قبل أن يطوف بالبيت.
2-هل الأفضل للقادم من الشام أن يُحرم من الجحفة من المكان القديم الذي يقع بعد رابغ بقليل، إتباعاً للسنة أم يُحرم مع الناس من رابغ؟
إذا مررت بهذا المكان فأنت تلبس إحرامك ولا تهل بالحج أو العمرة حتى تصل إلى الجحفة، وهذا أيضاً يسهل بعض الشيء إذا كان بالطائرة ويريد أن يحرم والزحام شديد في أوقات الحج تحرم من الميقات الذي مررت به ثم إذا مررت بالميقات تقف عنده وتهل بالحج والعمرة بشرط أن لا تقصد التعبد بلبس الإحرام قبل الميقات لأن لبس الإحرام جزء من العبادة ولكن لبسته للحاجة خوف الزحام عند الميقات أو لضيق الوقت وغيرها، وهذا يفعله بعض الناس ويرخص لهم في ذلك.
3-ما حكم من كان في مكة أو الميقات ونوى العمرة أو الحج؟
إن كان إنشاؤه للعمرة وهو في الحرم فهو يخرج من الحرم إلى الحل وينشئ عمرته إذا كانت عمرة مفردة، وإن كان في الحل فمحله من حيث أنشأ، وإن كان إحرامه للحج فسواءً كان في الحل أو في الحرم أو دون الميقات ويسميه العلماء الميقاتي فهو يهل من مكانه من دون أن يحدد لـه إن كان في حل أو في حرم.
4-يقول إنني لبست ملابس الإحرام من الميقات ثم خرجت من الميقات ثم مشيت مسافة تقريباً ستين كيلاً أو أقل، ثم تذكرت أني أحرمت لأنني التهيت بالسواليف فأحرمت من مكاني هل عليَّ شيء؟
ليس عليك شيء، أنت الآن ناوي نية العمرة أو الحج، ثم أنك لبست الإحرام، ومررت بالميقات أيضاً، كما عند ابن تيمية-رحمه الله-وهو قول قوي وصحيح بأن الإحرام يقع بأحد أمرين بالنية والعمل وهو لبس الإحرام والاغتسال، فأنت الآن حجك صحيح وعمرتك صحيحة وليس عليك شيء. |