: دروس و دورات : دروس
طباعة

  : دروس و دورات : دروس  
استماع تحميل PDF
  بلوغ المرام - الزكاة 3  


الدرس الثالث

كتاب الزكاة:

قال رحمه اللـه: وعن أبي هريرة رضي اللـه عنه أن رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم قال: "وفي الركاز الخمس"، متفق عليه.

الركاز لغة: هو المركوز وهو من الركز وهو الإثبات، وهو المدفون في الأرض وهو خفي، وهذا كقول اللـه عز وجل: (فهل تسمع إلا ركزاً) والركز هو الصوت الخفي، فكأنه لما خفي صار ركزاً.

أما في الاصطلاح: فعند جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة، أن الركاز هو ما دفنه أهل الجاهلية، (وانتبه للعبارة حيث سيأتي كلام الحنفية في تعريف الركاز) ويطلق على كل مال مدفون من دفينة الجاهلية على اختلاف هذا المال سواء كان ذهباً أو فضة أو معدناً، كل شيء يُتحول، إلا أن الشافعية من بين هؤلاء يرون أن لا يطلق الركاز إلا على الذهب والفضة فقط مما دفنه أهل الجاهلية، هذا هو القول الأول.

أما الحنفية فيطلق- عندهم- على ما هو أعم من ذلك، وهو كل مركوز مما ركزه الخالق أو المخلوق، وهذا الفرق بين تعريفهم وتعريف غيرهم، فيشمل ذلك دفن أهل الجاهلية من الذهب والفضة، ويشمل ما خلقه اللـه تعالى في بالطن الأرض من المعادن السائلة أو التي تسيل عند عرضها على النار كما حددها بعض الحنفية بذلك، مثل الذهب والفضة والرصاص والنحاس والحديد والنفط وغيرها، مما يكون سائلاً في ذاته أو يسيل إذا عرض على النار.

كيف نعرف- على قول الجمهور- إنه من دفين الجاهلية:

يعرف ذلك بالأمارات والقرائن والعلامات كأن يكون في الأرض الخراجية وأن يكون في ديار الكفار التي فتحت عنوة، وأن يكون في ديار الصلح التي اصطلح على أن يأخذها المسلمون، أو أن توجد فيها علامات الضرب لملوكهم وسلاطينهم، هذه كلـها أمارات وعلامات تعرف بها إلا عند الشافعية فإنهم يقولون: لا بد أن تكون القرائن أوضح، فلا يكتفي بمجرد أن تكون الدراهم مضروبة بأسماء سلاطين أو حكام الكفار، فإن هذه قد تكون من الأموال الذهبية التي احتفظ بها المسلمون، هذا قول الشافعية رحمهم اللـه.

وإذا تردد الأمر بين أن يعرف أنه من دفين الجاهلية أو أنه من دفين الإسلام.

فقول الجمهور أنه يعتبر من دفين الإسلام تغليباً قد يقول بعضهم لماذا؟ لأن الإسلام طارئ على الكفر، فالأصل أنه للكفر حيث يثبت أنه للإسلام. فالجواب: أنه قد غُلب حق المسلمين فيه، لأنه إذا كان من دفين الإسلام فلا يسمى ركازاً وإنما يسمى لقطة تثبت فيه أحكام اللقطة الشرعية فتتعلق به حقوق المسلمين، فإذا ترددنا في ذلك وتساوى عندنا الأمرين فيغلب في ذلك حق المسلم رعاية لحقوقه.

وبالجملة أن هذا يعرف بالعلامات والأمارات والقرائن سواء كان ذلك في بلد الدفين أو في المدفون نفسه بما يظهر فيه من أمارات وعلامات.

مسألة أخرى تتعلق بالركاز ولـها علاقة- أيضاً- في تحديده وتعريفه، هل يشترط كون الركاز أن يوجد مدفوناً؟

المالكية والحنابلة يقولون أن ما ظهر على وجه الأرض من أموال الجاهلية يعتبر ركازاً، وذهب آخرون إلى أنه إذا كان ظاهراً فلا تعتبر ركازاً، والصحيح في ذلك أن هذه الصفات ليست في مقصود الشريعة- واللـه أعلم- وإنما المقصود أنها من أموال الكفار وأموال الجاهلية وجدها مسلم سواء مدفونة أو ظاهرة سواء كانت زالت بعد إذن اللـه عز وجل بالرياح أو الأمطار أو زالت بفعل آدمي سواء كان الفعل مقصوداً أو غير مقصود.

ما هو الواجب في هذا الركاز على قول الجمهور إذا كان من دفين الجاهلية وليست التي في باطن الأرض؟

الواجب فيه- كما دل الحديث- الخمس وهو عشرون بالمائة، والدليل على اختلاف المعادن- مما يصحح قول الجمهور على قول الحنفية- سائلـها وجامدها عن الركاز أن النبي صلى اللـه عليه وسلم قال: "العجماء جُبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس". فحين فصل في ذكر المعدن عن الركاز في حديث واحد دل ذلك على صحة قول الجمهور بأن الركاز شيء يختلف عن المعادن.

فإذا وجد مسلم ما يقارب عشرة أكيال من الذهب مثلاً فيؤخذ منه كيلان ويكون الباقي من حقه هو.

المسالة الثانية: ما هو نصابه؟ قول جماهير الفقهاء إلى أنه لا يشترط فيه النصاب، فلو وجد درهماً فضياً أو ديناراً ذهبياً واحداً وجب عليه فيه الخمس.

وذهب الشافعية- رحمهم اللـه- إلى اشتراط النصاب، فيشترط فيه أن يكون الركاز لـه نصاب الزكاة.

وقول الجماهير في الحول أنه لا حول فيه، فلا يشترط أن يدور عليه الحول حتى يجب فيه الخمس بل يجب بمجرد وجدانه، وذهب جماهير الفقهاء- وهو الصحيح- إلى أن خمس الركاز يصرف في مصارف الغنيمة وليس في مصارف الزكاة، فإذا قلنا ذلك فإنه لا يختص بالفقراء، بل للإمام أن يهبها ويعطيها ويقسمها على المسلمين أغنياء وفقراء، وقد صح فيما ذكره أبو عبيدة في الأموال أن رجلاً وجد ألف دينار مدفونة خارجاً من المدينة فأتى بها عمر بن الخطاب- رضي اللـه عنه- فأخذ منها الخمس (مائتي دينار) ودفع إلى الرجل بقيتها، وجعل عمر يقسم المائتين بين من حضره من المسلمين، فبقي منها فأعاده إلى صاحبه، كأنه قال: هو أيضاً من ضمن المسلمين فيأخذ نصيبه فيها غير ما يأخذه من أربعة الأخماس، وهذا يؤيد ما ذكره الجمهور من أن مصارفها ليست من أصناف الزكاة الثمانية المذكورة في سورة التوبة، وإنما مصارفها مصارف الغنيمة.

ثم ذكر المصنف- رحمه اللـه- حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم قال في كنز وجده رجل في خربة قال: "إن وجدته في قرية مسكونة فعرفه، وإن وجدته في قرية غير مسكونة فهو الركاز وفيه الخمس"، أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن وهو كما ذكره المصنف- رحمه اللـه- سنده جيد.

وفي الحديث الاعتبار بالآثار والعلامات، وليس معناه أننا إذا وجدناه في البلد مطلقاً أنه لا يعتبر، لأن الكفار يدفنون كنوزهم وأموالـهم في الصحاري والفيافي، وإنما عنى النبي صلى اللـه عليه وسلم اعتبار العلامات والأمارات لمعرفة هل هو من دفن الجاهلية أم دفن الإسلام، ولعل هذا- واللـه أعلم- قد كان، لأن هناك بيوت خربت وفنيت وصارت من الفضاء خارج البنيان وهناك ديار للمسلمين أقيمت حديثاً، فكأن النبي صلى اللـه عليه وسلم قال الأمارة إن كان في الصحراء فهو من دفن الجاهلية لأنه لم يكن هناك بناء، وإذا كان في البنيان فهو من دفن الإسلام، فأشار إلى اعتبار العلامة والأمارة، واللـه أعلم.

ثم ذكر المصنف الحديث التالي:

عن بلال بن الحارث رضي اللـه عنه أن رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم أخذ من المعادن القبلية الصدقة"، رواه أبو داود وضعفه الشافعي وغيره وهو حديث ضعيف.

المعادن القبلية: قَبَلَ هذا مكان أقُطعه رجل ونسبت إليه المعادن القبلية.

لماذا ساق المصنف- رحمه اللـه- الحديث في أبواب الزكاة وبعد أحاديث الركاز؟

على قول من قال بأن المعادن الأخرى التي تقطع ويستخرج من خيراتها من باطن الأرض مثل الزنك والرصاص وفي الوقت الحاضر ما يسمى باليورانيوم والنفط والألماس والذهب والفضة وغيرها مما يسمى- في الوقت الحاضر- بالمناجم، فهم أخذوا منها- الحنفية وغيرهم- بأن المعادن فيها الزكاة التي تستخرج من الأرض، ولكن الحديث ضعيف ولا يحتج به، والأصل براءة الذمة من وجوب الزكاة في هذه الأصناف إلا بدليل صحيح صريح، ولا دليل هنا، واللـه- عز وجل- أعلم، والذي عليه الفتوى أنه لا توجب الزكاة على أصحاب المناجم الذين يستخرجون المعادن وليست من دفن الجاهلية، ولكنها من خلق اللـه عز وجل، وقول الجمهور أن اعتبار الدفن هو الأموال التي امتلكها أو حازها الكفار ثم دفنوها وحفروها. نهاية باب الزكاة.

المناقشة:

1- لو وجد الركاز في بلاد الكفار في دار الحرب، فما الحكم؟

دار الكفار ليس لـها عهد ولا ذمة،فهذه الأموال التي يحل للمسلم أخذها إذا لم يتفق معهم بعهد أمان ولا معاهدة، ومن دخل بلادهم بجواز وإذن والتزم بقوانينهم لم يجز لـه أن يأخذ من ركازهم ولا أموالـهم شيئاً، ولكن لو كان الأمر على ما كان عليه حال الحرب وتعرف وتتميز أنها دار حرب وهذا دار إسلام ثم أيضاً قد يدخل المسلم فيها من غير عهد ولا ذمة ولا أمان ولا معاهدة ولا اتفاقية بينهم، أما في الوقت الحاضر فهو يدخل بتأشيرة يسمونها فيزة ويلتزم من خلالـها بقوانينهم- ما لم تخالف شرع اللـه تعالى- كما يدخل الآن الطلبة والمرضى والموظفون والسفراء يدخلون بهذه المثابة فتكون من أموالـهم، فإذا وجدت في بلادهم كانت لقطة ولكنهم لا يعرفون اللقطة ولا غيرها، فإذا تيسر لـه أن يحكم فيها بالشريعة حكم فيها، ولكن لـه أن إذا عرفها وأقام فيها أمر اللـه عز وجل كانت لـه، لكن الكلام على ديار الكفار التي أورثها اللـه عز وجل للمسلمين فهذا هو محل البحث، أما ما كان في ديارهم بغير عهد ولا اتفاقية فهي من الأموال المباحة، أما لو كان باتفاقية ولو كان ضمنية، كاستخراج الجواز والتأشيرة فلا يجوز فيكون شأنها شأن اللقطة- فيما يظهر واللـه أعلم-.


باب: صدقة الفطر

قال المصنف- رحمه اللـه- وعن ابن عمر رضي اللـه عنهما قال: "فرض علينا رسول اللـه زكاة الفطر صاعاً من تمرٍ أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة" متفق عليه.

وعن أبي سعيد الخدري رضي اللـه عنه: "كنا نعطيها في زمن النبي صلى اللـه عليه وسلم صاعاً من طعام أو صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب" الطبيب متفق عليه وفي رواية: "أو صاعاً من أقط".

هذا الحديث فيه مسائل:

الأولى: فيه وجوب صدقة الفطر لقولـه: "فرض" وحكم بعضهم الإجماع على ذلك، وهناك من شذ وقال بعدم الوجوب وأنها قد نسخت بالزكاة، ولكن الخبر في ذلك ضعيف، والصحيح أنها فريضة من الفرائض.

الثانية: فيه دليل على عموم وجوب على العبيد والأحرار والذكور والإناث والصغار والكبار.

هل تجب على الفقير حيث أنه من الأحرار إلى آخر، هناك بعض الأحاديث ولكن الذي وقفت عليه منها ضعيف، وقال فيها: "الصغير والكبير والذكر والأنثى والغني والفقير" ولكن ما وقفت عليه منها ضعيف ولم يتيسر لي أن أتتبع بقية الأخبار الواردة في ذلك. لكن قول الجمهور في هذه المسألة أنها واجبة على الفقير إذا كانت فاضلة عن قوته وقوت أولاده في يومه ذاك، بخلاف الكلام على الزكاة، فلا بد من أن تكون فاضلة عن قوته وقوت أولاده إلى سنة، لأن الزكاة سنوية فمسكنة الفقير تسد خلال السنة ثم نستقبل بها سنة جديدة بزكاة جديدة، وهذا هو القول الراجح في مقدار حد الفقر، بخلاف صدقة الفطر فقول الجماهير أن تكون فاضلة عن قوته وقوت أولاده في هذا اليوم فقط، وهذا ليس فيه مشقة على الفقير، لأنه- كما قال العلماء رحمهم اللـه-يدفعها وتأتيه أضعافها، فما لـه عذر إلا إذا غلب على ظنه أنه لا يأتيه شيء من هذه الصدقة فلا حرج عليه في تركها، وإلا فهي واجبة عليه كحال أكثر الفقراء اليوم.

إذن القول الأول أنها تجب على الفقير إذا كانت فاضلة عن قوته وقوت أولاده في هذا اليوم، وهذا هو قول الجمهور وهو القول الراجح.

قول أبي حنيفة أن من ملك أقل من مائتي درهم لم تجب عليه، واستدل بقولـه صلى اللـه عليه وسلم في حديث معاذ: "فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن اللـه قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم" فقسم الرسول صلى اللـه عليه وسلم الناس قسمين: فقراء وأغنياء، والصدقة لا تؤخذ إلا من عنده مائتا درهم أو عشرون ديناراً فلما لم يكن ذلك لم يعد غنياً، وهذا غير صحيح، لأنه يعتبر غنياً إذا كانت عنده عشرون ديناراً، إذا كان لا يحتاجها أو ليس لـه ذرية أو يجد من ينفق عليه كوالده أو غيره، فهي واجبة على الجميع كقول الجمهور.

المسألة الثانية: ما ضابط وجوب إخراجها للغير، فأنت تخرجها عن زوجك وولدك وربما ابن الأخ وربما عن أخيك الشقيق وربما عن عماتك وخالاتك ومماليكك، فما هو ضابط إخراجها عند هؤلاء؟

قال العلماء: الضابط هو وجوب النفقة، فمن وجبت عليه نفقته وحيث عليه زكاة فطره هو قول الجمهور واستدلوا بحديث لكنه ضعيف "ممن تمونون" حث قال: "صدقة الفطر صاع من تمر ممن تمونون" لكن الحديث ضعف فلا حجة فيه، ويغني عنه حديث ابن عمر رضي اللـه عنهما أن النبي صلى اللـه عليه وسلم قال: "صدقة الفطر صاع من تمر أو صاع من شعير ثم قال: عن كل صغير وكبير وحر وعبد" رواه الدار قطني وسنده صحيح.

فقولـه: "عن" ينفقها شخص عن شخص وهذا يؤيد- من وجه- قول الجمهور على اعتبار النفقة.

المسألة الثالثة: ما مقدار الوجوب؟

الجمهور على أنه صنف من الأقوات المدخرة المكيلة، والصاع أربعة أمداد يساوي- الآن- بين كيلين ونصف إلى ثلاثة أكيال على خلاف بين الفقهاء المعاصرين في طريقة حسابه، فهو صاع من حنطة أو من شعير أو من ذرة أو صاع من أقط أو تمر، هذا هو القول الأول، وقالوا أنه لا فرق بين هذه الأصناف في مقدار الكيل وحساب هذا المخرج، واستدلوا بما رواه أبو سعيد الخدري رضي اللـه عنه: "كنا نخرج إذ كان فينا رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم زكاة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو مملوك من طعام (هو القمح) أو صاعاً من أقط أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب".

القول الثاني: وهو قول الحنفية، أن الواجب هو صاع من جميع الأصناف إلا الحنطة فلا يجب فيها إلا نصف صاع، وأيدوا ذلك بحديث ثعلبة بن صعير العذري قال: خطبنا رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم فقال: "أدوا عن كل حرٍ وعبد نصف صاع ن بر أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير" وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير وسعيد بن جبير، وأيد ذلك حديث ابن عمر: "صدقة الفطر صاع من تمر أو صاع من شعير أو مُدان من حنطة (والصاع أربعة أمداد) عن كل صغير وكبير وحر وعبد" رواه الدار قطني وهو صحيح، فترجح بذلك قول الحنفية رضوان اللـه تعالى عليهم أنه يجزئ في الحنطة نصف الصاع، وهو ما يقارب كيلو وربع أو كيلو ونصف، وهذا الحديث صححه العلامة المحدث ناصر الدين الألباني- رحمه اللـه-، فهو إذاً رخصة ليس معناه أنه لا يخرج من الحنطة إلا هذا، ولكن إذا أراد القدر الواجب فلا يجب عليه إلا مدان فقط.

في الحديث قولـه: "من المسلمين" فهل يجب إخراجها عن الابن والعبد الكافرين؟

ذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، وذهب الحنفية وغيرهم إلى الوجوب لحديث: "ليس على المسلم في عبده صدقة إلا الفطر" وهذا إطلاق لا يجوز تقييده بصفة الإسلام عند الحنفية، وأجيب بأن حديث الباب خاص، والخاص يقضي على العام، وهذا مخصص بقولـه صلى اللـه عليه وسلم: "من المسلمين" إلا أن الإمام أبا جعفر الطحاوي رحمه اللـه تأول هذا الحديث: "من المسلمين" هي صفة للمخرجين وليست صفة للمخرج عنهم، وهذا تكلف لأن الصدقات لا يخاطب بها الكفار، واللـه أعلم.

ويؤيد مذهب الجمهور حديث عند مسلم هو أصح من هذا أنه قال: "على كل نفس من المسلمين حر أو عبد"، فانقطع الخلاف واتضح أن تأويل الطحاوي- رحمه اللـه- غير صحيح.

آخر وقتها: قولـه: "وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة" سيأتي إن شاء اللـه الكلام  عليه في حديثٍ لاحق.

ثم ذكر الحديث التالي: ولابن عدي والدار قطني بإسناد ضعيف: "أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم"، وهو حديث ضعيف، المقصود أن تسد خلتهم وحاجتهم في هذا اليوم.

ثم ذكر الحديث التالي: وعن ابن عباس رضي اللـه عنهما أن رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم قال: "زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات" رواه أبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم والنووي.

وفي الحديث مسائل:

 الأولى: وجوب صدقة الفطر.

الثانية: دليل على أن الصدقات تطهر السيئات: "طهرة للصائم من اللغو والرفث".

الثالثة: بيان مصرف من مصارفها وهم المساكين: "طعمة للمساكين" وهنا مسألة: ما هي مصارف صدقة الفطر؟ هل لـها مصارف خاصة غير مصارف الزكاة الأصناف الثمانية؟

أخذ بعض العلماء من قولـه "طعمة للمساكين" بأنها لا تصرف إلا للفقراء والمساكين فقط، وأن ذكره لـهذا الصنف دليل على اختصاصه بها.

القول الثاني: أنها كالزكاة فتصرف لأصنافها الثمانية لعموم قول اللـه عز وجل: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين ......)

والقاعدة الأصولية أن ذكر بعض أفراد العام لا يعتبر تخصيصاً لـهذا العموم والدليل على ذلك قولـه صلى اللـه عليه وسلم في حديث معاذ حين بعثه إلى اليمن: "فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن اللـه قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" فهل معنى هذا أن الزكاة لا تصرف إلا للفقراء فقط؟ لا، فعبر بهم لأجل الغلبة والعموم باقٍ على حجيته ودلالته، فترجح بذلك قول الجمهور في المسألة على قول الحنفية رحمهم اللـه.

الحديث التالي: قولـه صلى اللـه عليه وسلم في حديث أبي هريرة: "سبعة يظلـهم اللـه في ظلـه يوم لا ظل إلا ظلـه" فذكر منهم: "ورجلٌ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شمالـه ما تنفق يمينه"، متفق عليه. وفيه بيان الصدقة المخفاة، لأن الصدقة تربية وتنقية للنفس من الشح والـهلع والتعلق بالدنيا، فإذا أردت أن تؤدي غرضها في نفسك وقلبك فلا يكون هذا بإظهار عند الناس، فما فعلت فعلـها في قلبك من تربيتها وقصرها على أمر اللـه عز وجل وتعويدها على طاعته ورضوانه، ولكن صارت للناس، لكن لو تعودت على إخفائها تمحصت أن تكون للـه عز وجل أو تعودت نفسك أن تكون لـه سبحانه وهذا لا يعارض قولـه تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وأن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) بل  فيها دليل على تقوية هذا الأمر، لأن الأفضلية في الإخفاء ولكن لو ظهرت جاز ذلك، وهناك أحوال لا بد فيها من إظهار الصدقة: تبرع عام، مكان يضيق، الوقت يضيق، فلا بد من ظهورها، بل يكون أحياناً إظهارها واجباً، هذا عند إظهارها حثاً للناس على التبرع إذا صحت النية في ذلك.

ثم ذكر الحديث التالي: وعن عقبة بن عامر رضي اللـه عنه قال: سمعت رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم يقول: "كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس" رواه ابن حبان والحاكم وهو حديث جيد.

الصدقة فضلـها عظيم، وكفى أنها تظلك يوم لا ظل إلا ظل اللـه عز وجل، وهي من ظل اللـه عز وجل، وقد صح عن النبي صلى اللـه عليه وسلم أنه قال: "صدقة السر تطفئ غضب الرب"، وعن أبي سعيد الخدري رضي اللـه عنه عن النبي صلى اللـه عليه وسلم أنه قال: "أيما مسلم كسا مسلماً ثوباً على عرى كساه اللـه من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلماً على جوع أطعمه اللـه من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلماً على ظمأ سقاه اللـه من الرحيق المختوم" رواه أبو داود وفي إسناده لين، وهو حديث ضعيف كما ذكر المؤلف، ولكن هذه فضائل الصدقة.

وقد صح عن النبي صلى اللـه عليه وسلم أنه قال: "خير الناس أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى اللـه سرور تدخلـه على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً.... الحديث" فهي خير الأعمال بلا ريب.

ثم ذكر الحديث التالي: عن حكيم بن حزام عن النبي صلى اللـه عليه وسلم قال: "اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه اللـه، ومن يستغن يغنه اللـه"، متفق عليه واللفظ للبخاري.

وفي الحديث أن اليد العليا خير من اليد السفلى، فالمنفق خير من الآخذ، وفيه أن البدء بصدقة التطوع غير الواجب على زوجه ومملوكه وأقاربه أولى من سائر الناس، وأفضل الصدقة ما بقي المرء بعد إخراجها مستغنياً، فهي عن ظهر غنى وقدرة، فلا يبقى بعد ذلك على جزع وهلع، وجدة وحاجة إلى الناس فهذا ليس محسن بالجملة وسيأتي الكلام عليه إن شاء اللـه.

المسألة التالية: هل يشرع التصدق بجميع المال على قولـه: "وأفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى" فما تصدق بشيء يجعلك فقيراً.

أكثر العلماء أجازوه لما فعلـه أبو بكر الصديق رضي اللـه عنه، ولكن المستحب والأوجه في ذلك أن يراعي الإنسان نفسه، فإن كان جزوعاً لا يصبر على الفقر والضرب وقلة ذات اليد ويؤدي ذلك إلى الجزع وقلة الصبر والمنة بالعطية والحاجة إلى الناس فلا يجوز لـه ذلك.

بعض العلماء قالوا أن أبا بكر الصديق رضي اللـه عنه حين تصدق بمالـه كلـه ما كان هذا في الحقيقة تجرداً عن فعل الأسباب، بل قال بعضهم: إن أبا بكر الصديق كان رجلاً وفياً وجيهاً كريماً معروفاً فهو حين تصدق بمالـه كلـه يستطيع أن يعوض ذلك المال في وقت يسير، حتى لو باع واشترى بالأجل وتاجر بذلك قَبِلـه الناس ورضوا دينه وأمانته وملاءته ووجاهته ومقامه في الناس وعند النبي صلى اللـه عليه وسلم، لكن هذا الأمر لا ينطبق على سائر الناس، فأبو بكر الصديق لم يضيع الأسباب، بينما بعض المتصوفة يقولون إن هناك ترك الأسباب وهذا خطأ، فترك الأسباب شر في دين المرء وكذلك الاعتماد عليها مطلقاً هي شر في الدين أيضاً، فجاء الإسلام مزيجاً من قضية الاعتماد على الأسباب واعتبارها من فعل اللـه عز وجل ومن مراداته ومن إذنه.

وفي الحديث بشرى من النبي صلى اللـه عليه وسلم أن من استعف واستعمل العفة يسر اللـه لـه أسباب العفة بالرزق الحلال، وأن من استغنى عن الناس أغناه اللـه عز وجل عنهم، لأن بعض الناس يعلق آمالـهم بالناس فليس عنده همة أن يطلب الرزق، أما المتعفف يبحث عن الأسباب فيرزقه اللـه كما يرزق بقية خلقه.

ثم ذكر الحديث التالي: عن أبي هريرة رضي اللـه عنه: قيل يا رسول اللـه: أي الصدقة أفضل؟ قال: جُهد المقل، وابدأ بمن تعول" أخرجه أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان والحاكم وهو حديث جيد. وهو بمعنى قولـه صلى اللـه عليه وسلم: "سبق درهم مائة ألف درهم" وهو صحيح فسرها صلى اللـه عليه وسلم فقال: "رجل لـه درهمان أخذ أحدهما فتصدق ورجل لـه مال كثير فأخذ من عرضه مائة ألف درهم فتصدق بها" لأن العبرة بنسبة المال المتصدق به إلى مال الشخص.

لكن هل يعارض هذا الحديث حين قال: "أفضل الصدقة جهد المقل" والحديث السابق الذي قال فيه النبي صلى اللـه عليه وسلم: "وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى"، فلاحظ قولـه: "جهد المقل" فهو عنده قليل ثم دفعه، فيما قال في الحديث الآخر: "عن ظهر غنى" تتبرع بجزء من مالك وتبقى غنياً، فظاهر التعارض ولكن على  المعنى المرجح في الحديث الأول وهو التفرقة بين الجزع والصبر وبين المنة والرضا وبين الحاجة إلى الناس وعدم الحاجة إليهم...... إلخ.

ثم ذكر الحديث التالي: وعنه رضي اللـه عنه قال: قال رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم: "تصدقوا فقال رجل: يا رسول اللـه: عندي دينار، فقال: "تصدق به على نفسك" قال: عندي آخر، قال:"تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على زوجتك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أبصر به" رواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم حديث جيد.

في الحديث أن الإنسان عند صدقة التطوع يبدأ بالأقرب فالأقرب والأولى فالأولى فلا يليق بالإنسان أن يستفيد منه الأبعد والأقرب في أشد الحاجة إلى مالـه.

ثم ذكر الحديث التالي: وعن عائشة رضي اللـه عنها قالت: قال النبي صلى اللـه عليه وسلم: "إذا أنفقت المرأة طعام بيتها غير مفسدة كان لـها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا يُنقص بعضهم من أجر بعض شيئاً" متفق عليه.

في هذا الحديث دليل على جواز تصدق المرأة من بيت زوجها من غير إذنه، وأخذ به بعض أهل العلم وأيدوه بحديث أبي هريرة: "إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلـها نصف أجره" وهو حديث صحيح.

فقال بعض أهل العلم: لـها أن تنفق من غير إذنه ولا أمره من مالـه ولـها نصف الأجر، وهذا قول قلة من أهل العلم.

القول الثاني: حملـه بعضهم على الشيء اليسير الذي لا يؤبه به ولا يظهر به النقصان، ويدل على قولـهم التوجيه.

القول الثالث: فمنهم من حملـه على مالـها الذي ملكه إياها، فبعض الرجال لا ينفق على زوجته بنفسه ولا يشتري لـها، ولكن يعطيها المال فهي تنفق على نفسها، وأيدوه بما في سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي اللـه عنه في المرأة تتصدق من بيت زوجها، قال: لا، إلا من قوتها والأجر بينهما، ولا يحل لـها أن تتصدق من مال زوجها إلا بإذنه.

قال بعض العلماء: هذا مرفوع أو في حكم الرفع.

فهي هنا تأخذ من المال الذي ملكه إياها، وكان الأجر بينهما، لأن الأصل منه ثم هي تنازلت عن حقوقها هي من النفقة ثم بذلتها للفقراء وصار الأجر بينهما، ولا يعارض هذا الحديث حرمة مال الزوج، وإلا- لو أخذنا بإطلاقه- لجاز للمرأة أن تتصدق بمال زوجها كلـه.

القول الرابع: منهم من حملـه على إذن الزوج ولو ضمناً أو عادة، بمعنى هو يجعل في البيت مصروفاً ألف ريال مثلاً ثم جاءها فقير فأعطته خمسة ريالات،وهي تعلم أن الزوج عادة وضمناً يأذن لـها بعشرين ريالاً مثلاً فهي تعرف هذا منه، فإذا كان كذلك جاز لـها أن تنفق من مال زوجها ما تعرفه منه حتى لو ما أذن.

لكن يقول العلماء: لو عرف منه بخل أو شح أو لا يعطي ولا يتصدق ويكره أن تنفق المرأة خمسة ريالات لم يجز لـها ذلك إلا بإذنه، والإذن العرفي يقوم مقام الإذن الصريح كما هو معروف في قواعد الفقه، وهذا صحيح، أما أن تنفق المرأة كما تشاء فهذا غير صحيح،واللـه أعلم.

ثم ذكر الحديث التالي: عن أبي سعيد الخدري رضي اللـه عنه قال: جاءت زينب امرأة ابن مسعود فقالت: يا رسول اللـه، إنك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من أتصدق به عليهم فقال النبي صلى اللـه عليه وسلم: "صدق ابن مسعود، زوجك وولده أحق من تصدقت به عليهم" رواه البخاري.

هذه مسألة الحساسية، وفيها بين الفقهاء خلاف عظيم،وهي قضية هل يجوز للمرأة- إذا كانت غنية- أن تعطي زوجها صدقتها ثم يترتب على هذه الصدقة أن الزوج ينفق على زوجته من المال فتعود الزكاة إلى المرأة نفسها؟

هذه مسألة حرجة، وبعض العلماء ما أخذ بظاهر هذا الحديث وقال لا يجوز، والرجل يجب عليه أن ينفق على زوجته، وإذا أخذ من مالـها وزكاتها أخذه منها وأنفقه عليها وهذا يؤدي بها إلى المحاباة وإعطاء زوجها وترك الفقراء الآخرين المستحقين.... إلى آخر عللـهم.

وذهب الجمهور والشافعي ورواية عن أحمد بجواز دفع المرأة زكاتها لزوجها، وعليه دل هذا الحديث، وذهب أبو حنيفة ورواية عن أحمد بأنه لا يجوز أن تدفع المرأة من مالـها لزوجها لأنها تنتفع فبماذا أجابوا عن حديث الباب؟!

أجابوا عنه بأن صدقة هذه المرأة صدقة مطلقة، والدليل على ذلك أن الرسول صلى اللـه عليه وسلم أمر بالصدقة مطلقاً، وبعيد عن الصحابيات أن يتركن زكاة أموالـهن حتى يأمرهن النبي صلى اللـه عليه وسلم بذلك، وأجابوا عنه أيضاً بأنها قالت: "وكان عندي حلي فأردت أن أتصدق به" فلو كان الحُليُّ نفسه زكاة الحليِّ لقالت "فأردت أن أتصدق منه" فهي صدقة مطلقة، وأجابوا عنه أيضاً بقولـه: "زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم" فقالوا بأن الولد لا تجوز الصدقة الواجبة أي الزكاة بإجماع المسلمين، فدل ذلك على أن المقصود هو الصدقة المطلقة وليس الزكاة الواجبة.

بماذا أجاب الشافعية وغيرهم ممن أجاز بذل المرأة صدقتها الواجبة لزوجها؟!

قالوا: ما جاء في البخاري- وليس في غيره- عن زينب امرأة ابن مسعود أنها قالت: يا رسول اللـه أيجزئ عنا أن نجعل الصدقة في زوجي الفقير وأبناء أخ أيتام في حجورنا؟ فقال لـها رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم: "لك أجر الصدقة وأجر الصلة" فلو كان المقصود الصدقة الواجبة- والحديث واحد- لما قالت "أيجزئ عنا".

وأجابوا عن الأولاد الذي سألت عنهم امرأة ابن مسعود كانوا أولاداً لـها من غيرها، وكان قد تزوج من غيرها وأنجب منها، وفي بعض الروايات في صحيح مسلم أنها قالت: على زوجها وأيتام في حجرها، فهم في حجرها واعتبروا أيتاماً لموت أمهم، فأخذوا من هذه الأحاديث أن الصدقة التي دفعتها المرأة لزوجها صدقة واجبة وليست مستحبة والأحوط في ذلك أن المرأة لا تعطي زوجها من صدقتها إلا إذا كان سداداً لدين، أما إذا أعطته الصدقة فترتب عليها نفقة فهذه فيها حرج، والأحاديث- كما ترى- الجمهور قالوا بقول الحنفية أجابوا بقول المسألة حرجة، وكون الدليل في حديث زينب- في صراحة- يحتاج إلى بحث ونظر، ولكن حتى لو قلنا به فنخرج بالاحتياط ونقول: تعطي المرأة زوجها ما يسدد به دينه، ولكنها تعطيه أموالاً للنفقة على البيت، فهو- والحالة هذه- أولى من دفعت إليه الصدقة كما أفتى علماؤنا بجواز دفع الزكاة للأب لسداد الدين أو لتزويجه وللابن سداد لدينه أيضاً ولكن لا يدفعها في النفقة الواجبة عليه لأن هذا فيه حفظ لمالـه.

وعن ابن عمر رضي اللـه عنهما قال: قال رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم: "لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس بوجهه مزعة لحم"، متفق عليه.

في الحديث خطر السؤال وأنه ذهاب لبهاء الوجه ومائه.

وعن أبي هريرة رضي اللـه عنه قال: قال رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم: "من يسأل الناس أموالـهم تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو يكثر" رواه مسلم، وهو بهذا المعنى.

وعن الزبير بن العوام رضي اللـه عنه عن النبي صلى اللـه عليه وسلم قال: "لأن يأخذ أحدكم حبلـه فيأتي بحزمة من الحطب على ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه خير لـه من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه"، رواه البخاري.

وهذه سنة تركت، وصار كثير من الناس يعتمد على السؤال والمسألة، وهناك طرق كثيرة جداً ولكن يقابلـها الكسل فالإنسان عند أوقات وإمكانيات كثيرة، وربما ليس عند من المقدرة للتفرغ لطلب العلم ولا حتى القدرة العقلية والذهنية لذلك ويتعلل بعضهم من العلم لـهذا السبب، ثم يجد من الوقت والقدرة على ما يسد أوده وقوته ولكنه لا يفعل، وبعضهم- مع الأسف الشديد- يعتبرها سبة أن يذهب إلى السوق أو يتجر أو يتخذ بقالة أو مطعماً أو متجراً صغيراً أو كبيراً، وهذا غير صحيح، كما قال النبي صلى اللـه عليه وسلم: "خير لـه من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه" وعن سمرة بن جندب رضي اللـه عنه قال: قال رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم: "المسألة كدٌّ يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطاناً أو في أمرٍ لا بد لـه منه"، رواه الترمذي وصححه وهو كما قال، وهذه فيها رخصة، والرخصة استثناء من العزيمة، والاستثناء يبقى استثناءً أيضاً وقت الحاجة كما قال النبي صلى اللـه عليه وسلم: "أو في أمرٍ لا بد لـه منه" فبعض الناس لا يستطيع أن يتزوج إلا أن يسأل فلا حرج، بل أرى أنه قد يجب عليه ذلك، وقد يؤدي به المال إلى السجن وسجنه قد يؤدي إلى ضياع أولاده وزوجته وبناته فيجب عليه في هذه الحالة أن يسأل، بل قولـه: "في أمر لا بد لـه منه" هو أقل من هذه الأحوال لأن هذه الأحوال أحوال ضرورة، أن يسجن الإنسان فيضيع أهلـه، بل يموت الإنسان ولا يسجن، وبعضهم يقول أنه قد خرج من السجن بعد شهر أو شهرين فرأى زوجته وأولاده قد تغيروا فهم ليسوا كما عهدهم، فهي رخصة إذاً للحاجة الشديدة التي يحتاج معها الإنسان إلى المال.

وعن أبي سعيد الخدري رضي اللـه عنه قال: قال رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها، أو رجل اشتراها بمالـه- يعني أخذ صدقة الفطر وباعها للسوق واشتراها الغني، فهي ليست صدقة في الحقيقة- "أو غارم" حتى لو كان غنياً، وهو من يصلح بين الناس أو دفع مالاً لفقير سلفة فغرمها يأخذها من الصدقة وإن كان غنياً) "أو غاز في سبيل اللـه أو مسكين تُصدق عليه منها فأهدى منها لغني" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم وأعل بالإرسال، والحديث صححه بعض المحدثين لطرقه ومتابعاته وشواهده.

وعن عبيد اللـه بن عدي بن خيار رضي اللـه عنهما أن رجلين حدثاه أنهما أتيا رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم يسألانه عن الصدقة فقلب فيهما النظر فرآهما جلدين فقال: "إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب"، رواه أحمد وقواه أبو داود والنسائي وهو حديث جيد.

في الحديث أن القوي المكتسب  لا يسأل ولا يحل لـه ذلك، وفيه أن المتصدق سواء كان صاحب المال أو وكيلاً عليه أو نائباً للسلطان أن لـه صلاحية في إعطاء السائل ويكلـه إلى دينه، فإذا أخبر عن نفسه ولا يعرف عنه الكذب وكلـه إلى دينه وقال هذه صدقة لا تحل لغني ولا لمكتسب، وهذه رخصة أيضاً للمتصدق في مثل هذه الأحوال.

وعن قبيصة بن مخارق الـهلالي قال: قال رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم: "إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاث: رجل تحمل حمالة فحلت لـه المسألة حتى يصيبها، ثم يُمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت مالـه فحلت لـه المسألة، حتى يُصيب قِواماً من عيش, ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة، فحلت لـه المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، وما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلـها صاحبها سحتاً" رواه مسلم وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان، وهذا بمعنى الأحاديث الماضية، لأن الصدقة لا تحل إلا لمحتاج إليها.

وعن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث قال: قال رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس" وفي رواية: "وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد" رواه مسلم.

وعن أبي هريرة رضي اللـه عنه: أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة فقال النبي صلى اللـه عليه وسلم: "كخ كخ ليطرحها، وقال: أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة" متفق عليه.

وعن جبير بن مطعم رضي اللـه عنه قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي صلى اللـه عليه وسلم فقال يا رسول اللـه: أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم: "إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد" رواه البخاري.

من هم آل محمد صلى اللـه عليه وسلم؟

ذهب الشافعي- رحمه اللـه- وجمع من آخر من الفقهاء أنهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب، واستدل على ذلك بحديث الباب الذي ذكرناه وهو حديث جبير بن مطعم حين مشى مع عثمان بن عفان.

وذهب أبو حنيفة ومالك أنهم بنو هاشم فقط،  وعن أحمد- رحمه اللـه- روايتان أنه اعتبر مرة بني عبد المطلب ومرة لم يعتبرهم.

فما حكم أكل آل محمد صلى اللـه عليه وسلم للصدقة؟

لم يختلف العلماء رحمهم اللـه في عدم جوازها في وقته صلى اللـه عليه وسلم، ولم يختلفوا- أيضاً- في بني هاشم، وبنو هاشم هم آل علي، وآل جعفر الطيار، وآل عقيل، آل العباس، وآل الحارث، رضي اللـه عنهم، واختلفوا في آل أبي لـهب هل كان أحدهم مسلماً في وقت النبي صلى اللـه عليه وسلم أم لا؟ فيهم خلاف فبعضهم أدخلـهم وبعضهم لم يدخلـهم وإلا فهم من بني هاشم.

ما حكم أكل الصدقة لآل محمد صلى اللـه عليه وسلم على اختلاف من هم آل محمد صلى اللـه عليه وسلم؟

القول الأول: لأبي حنيفة- رحمه اللـه- أنها تجوز لـهم إذا حرموا من سهم ذوي القربى، وهو وجه عند بعض الشافعية، كما هو الوقت الحاضر الآن، فبنو هاشم الآن لا يعطوا من سهم ذوي القربى، فهم يعطون من الصدقة ولا حرج على قول أبي حنيفة، وإنما ترك النبي صلى اللـه عليه وسلم الصدقة لأنه كان يأخذ من سهم ذوي القربى الذي يأتي من الفيء ومن الغنائم.

القول الثاني: عن أبي يوسف وهو اختيار الإمام ابن تيمية- رحمه اللـه- أن الصدقة تعطى من بني هاشم لبني هاشم، ومن بني عبدالمطلب إلى بني عبد المطلب.....إلخ، بحيث لا يكون لأحد فضل عليهم.

القول الثالث: وهو قول أكثر الحنفية، وهو المصحح عند الشافعية والحنابلة أنه تجوز لـهم صدقة التطوع ولا تجوز لـهم صدقة الفرض.

القول الرابع: أحد قولي أبي حنيفة واختاره محمد بن الحسن أن ذلك مخصوص بزمانه صلى اللـه عليه وسلم، فتجوز الصدقة المفروضة وكذلك المستحبة لآل النبي صلى اللـه عليه وسلم من بني هاشم وبني عبد المطلب فضلاً عن بقية قريش.

هذا هو خلاف العلماء في هذه المسألة، ولعل الأقرب- واللـه عز وجل أعلم- هو قول أبي حنيفة واختيار محمد بن الحسن رحمهما اللـه، وهو أن الصدقة تحل لـهم، وإنما امتنع النبي صلى اللـه عليه وسلم من أخذها إبعاداً للتهمة، فإنه كان يأخذها صلى اللـه عليه وسلم ويقاتل من يمنعه، وقد ورد هذا الإلماح في حديث بهز بن حكيم رضي اللـه عنه عن أبيه عن جده حين قال صلى اللـه عليه وسلم: "في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون لا تفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجراً بها فلـه أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر مالـه عزمة من عزمات ربنا، لا يحل لآل محمد منها شيء" مما يدل على أن المقصود هو وقته صلى اللـه عليه وسلم حتى لا يظن أنه يأخذ هذه الأموال لـه ولآل بيته صلى اللـه عليه وسلم.

وحتى على قول كثير من الفقهاء فالأمر أيضاً يسير، فابن تيمية رحمه اللـه ورواية عن أبي حنيفة يرون بأنهم يأخذون من بعضهم البعض وفي آل هاشم بركة، وفي آل عبد المطلب بركة، ففيهم من الأغنياء فيكفي بعضهم البعض، وعلى القول الثاني إذا لم يعطون من سهم ذوي القربى فكذلك أيضاً، فهم الآن لا يعطون من سهم ذوي القربى ولا يأتيهم من مصارف الفيء والغنيمة ما يكفي خلتهم ويسد حاجتهم.

ثم ذكر المصنف رحمه اللـه حديث أبي رافع رضي اللـه عنه أن النبي صلى اللـه عليه وسلم بعث رجلاً على الصدقة من بني مخزوم فقال لأبي رافع: اصحبني فإنك تصيب منها، فقال لا حتى آتي النبي صلى اللـه عليه وسلم فأسألـه فأتاه فسألـه فقال: "مولى القوم من أنفسهم وإنا لا تحل لنا الصدقة" فمولى المرء منهم في وقت النبي صلى اللـه عليه وسلم وكونها تدفع لمواليهم ولأقاربهم أيضاً تهمة، والنبي صلى اللـه عليه وسلم حرص على دفع التهمة في مسائل سوى كان المال أو العرض حين قال صلى اللـه عليه وسلم: "على رسلك إنها سودة" وأراد النبي صلى اللـه عليه وسلم أن يدفع ما يقع في نفوس البشر تبقى أنها نفوس بشرية.

وعن سالم بن عبد اللـه بن عمر عن أبيه أن رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم كان يعطي عمر العطاء فيقول: أعطه أفقر مني فيقول: "خذه فتمولـه أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تُتبعه نفسه" رواه مسلم.

في الحديث مسألة مهمة وهي أن ما جاء الإنسان من غير سؤال ولا إشراف نفس جاز لـه أخذه لأنه لم يأت هذا المال إلا بالذلة أو الحاجة إلى الناس.

الراجح في ضابط إخراج الزكاة عن الغير هو النفقة، فإذا كان ينفق عليه وجب عليه ذلك، إلا إذا كان عند المنفق عليه ما مثل الابن فلا يجب أن تتصدق عليه، بخلاف الزوجة فيجب عليك حتى وإن كانت غنية لأن وجوب النفقة مستفاد من العقد ومن تسليم النفس والبضع وتمكينها من الجماع بخلاف الابن فهو يجب لحاجته فقط وإن كان غنياً فلا يجب إلا برضاك واختيارك.

ما حكم من اشترى بيتاً في الوقت الحاضر فوجد فيها ركازاً وهذا بيت قريب من منطقة مسكونة؟

إذا كان ذلك في مثل هذه البلاد فهي بلاد إسلام منذ صدر الإسلام، ويعرف منها أنها من كنوز الإسلام فيجب عليه أن يعرفها لمدة سنة، فإن وجد من يعرف هذا الركاز أديته إليه إذا عرفه، وإذا لم يعرفه أحد جاز تملكه بعد تمام سنة.

شاب يريد الزواج والإحصان، هل يجوز لـه أن يأخذ من الزكاة؟

نعم، إذا كان عنده ما يكفيه لنفسه ولكنه لا يجد ما يتزوج به جاز لـه الأخذ من الزكاة حتى يتزوج، لأن الزواج من أهم حاجات طالب العلم وكذلك يعطى منها ليشتري منها كتباً إذا كان يحتاج إليها.

قولـه صلى اللـه عليه وسلم: "تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم" هل هو دليل على عدم جواز إخراج الزكاة إلى المسلمين في خارج البلاد كالصومال وغيرها؟

نعم. إلا إذا كانت جائحة وكارثة ونكبة بالفقر الشديد والزلازل والمصائب فهو أولى من بلاد المسلمين التي فيها فقر حتى تزول نكبتهم وضررهم، كذلك تبعث للمجاهدين ومن في مثل حالـهم.

نسمع منك كثيراً قولك: هذا حديث جيد. فما معناه؟

هذه أخذناها من الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمه اللـه- وهو يعني أنه أن يكون الحديث حسناً وقد يكون صحيحاً، ولكن يكتفي بهذا (بلفظ التجويد).

هل يجوز للفقير أن يبيع صدقة الفطر؟

نعم، يجوز ولا حرج في ذلك.

إذا وجد الركاز في قرية مسكونة ولكن فيه علامات على قدم عهده، فهل يُعرف؟

نعم يعرفه ما لم تكن بلاد معروفة أو يظهر به علامات أنه للكفار فلا بأس، وإلا فالأصل أنها للمسلمين فيعرفها سنة.

ما هو الراجح في مسألة إخراج الزكاة عن الابن الكافر؟

لا تجب ولا تشرع لأنه غير مخاطب بهذه المسألة.

ما حكم إخراج صدقة الفطر من الأرز؟

لا بأس بها فهي كبقية الأشياء المقتاتة والمكالة والمدخرة.

ما معنى قولـه صلى اللـه عليه وسلم: "إنما هي أوساخ الناس"؟

معناها أن الإنسان إذا تصدق فإنما يزكي مالـه، ومالـه يكون فيه دخن وفيه حرام وأشياء مشتبهة فالزكاة تصفيه من هذه الأشياء فكأنها أوساخ للناس.

يلاحظ على بعض الشباب بعض الأمور منها مخالفة السنة في الظاهر، أخطاء في صفة الصلاة. فهل من توجيه؟

إن أول ما اعتنى به الإسلام هو المحافظة على هذه الصلاة.

هل يجوز إخراج قيمة صدقة الفطر؟

ذهب إلى ذلك إمامنا أبو حنيفة رحمه اللـه ولكن قولـه مرجوح، والصحيح أنها لا تخرج إلا من قوت البلد المدخر والمكيل.

هل تدخل العملة الموجودة في الوقت الحالي في عملة الكفار في الركاز وهي في بلاد الإسلام؟

نعم إذا كانت كذلك، كبلد دخلـها المسلمون وفيها كنوز ولو العملات الورقية المعاصرة فهي ركاز ما دام أنها كانت للكفار في وقت من الأوقات.

ما الفرق بين الذمي والمعاهد والمستأمن؟

أهل الذمة هم الذين تفرض عليهم الجزية، أخذنا ديارهم بالصلح فضربت عليهم الجزية إكراهاً لـهم أو صلحاً برضاهم فصاروا لنا أهل ذمة كالذي في بلاد العراق وغيرها، وأما المعاهد فهو الذي بينك وبينه عهد معين إلى أجل محدود، تدخل فيها معاهدات الكفار وغيرهم، والمستأمن من دخل بعقد أمان فترة معينة كقولـه تعالى: (فأجره حتى يسمع كلام اللـه) هذا نوع من الإجارة والأمان الذي يكون لبعض الكفار.

كثيراً ما نرى أولئك الفقراء الموجودين على أبواب المساجد والشوارع وربما جاؤوك في بيتك فهل نعطيهم أو نحفظها ونسأل عن المساكين الذين لا يسألون الناس إلحافاً؟

قد يكون الشخص الذي جاءك أشد حاجة من المسكين الذي لا يسأل الناس إلحافاً، فالعبرة بالحال، فإذا كنت تعرف مساكين جالسين في بيوتهم أسوأ حالاً من الذي جاءك في بيتك فإذا أردت الثواب العظيم فابعثها إلى الأكثر حاجة والذي يأتيك فالأولى أن ترده بالصدقة المطلقة، وأن يرد السائل ولو بظُلف محرمة كما جاء في الأخبار، ولا يحسن رد السائل، ولكن إذا طلب منك الزكاة وأن تعرف منه العدالة حتى لو لم تعرف حالـه ولا تعرف عنه الكذب جاز لك مع وعظه وتذكيره كما وعظ النبي صلى اللـه عليه وسلم حين قال: "إنها لا تحل لغني ولا مكتسب". إلى آخر الحديث.

قول اللـه تعالى: (فإن لم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً) وقولـه صلى اللـه عليه وسلم: "وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" ذهب بعض العلماء  إلى أن الصعيد كل ما على وجه الأرض، وهو مقتضى اللغة، فأجاز التيمم بكل ما على وجه الأرض، ولكن حدد بعض أهل العلم أن التيمم خاص بالتراب استدلالاً بما ورد في صحيح مسلم: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" وقالوا إنه مقيد بالآية فلا يجوز التيمم إلا بالتراب، ورد بعض أهل العلم أن هذا ذكر لبعض أفراد العام فلا يخصص، فما هو الراجح وما هو الضابط بين المطلق وتخصيص العام؟

أولاً: الحكم الراجح في التيمم يكون من كل ما جاء على وجه الأرض، فإذا كانت الأرض ترابية فمن الأرض الترابية، وإن كانت ملحية فمنها، وإذا كانت سبتية فمنها ويؤيد هذا الفهم أن الصحابة رضي اللـه عنهم كانوا يقطعون الفيافي كما حصل المدينة إلى تبوك وكانت مناطق الأرض مختلفة وما روي عنهم أنهم كانوا يأخذون من التراب حتى يتيمموا منه، فدل هذا على أن الصعيد الطيب في حديث أبي سعيد وغيره طهور المسلم ولم يجد الماء عشر سنين دليل على أن كل ما على وجه الأرض صعيد، ولكن وجه الأرض هو وجهها الطبيعي، فبعض الناس يضرب على الفرش وهو غير صحيح، ولكن إن كان فيه غبار واضح يتطاير فهو من جنس الغبار الذي على وجه الأرض، لكن إن كانت نظيفة فيخرج خارج البيت أو المستشفى حتى يتيمم منها، وهذا هو ذكر بعض أفراد العام حين قال: "وجعلت تربتها" لأنه الغالب في أحوال الأرض هو التراب المتطاير وهذا ذكر لبعض أفراد العام فلا يخصص، أم الفرق بين المطلق والعام، فالمطلق هو جنس شائع ليس لـه تحديد كقولـه تعالى: (إن اللـه يأمركم أن تذبحوا بقرة) فهي فرد واحد شائع في هذا الجنس المعين، بخلاف العام فإن دلالته تعم هذا لجنس، فكل فرد من أفراد هذا الجنس هو عام لـه، ومن جاء بفرد من أفراد المطلق أجزأ عنه، بخلاف العام فإنه لا يُجزئ عنه حتى يأتي بجميع أفراد هذا العام.

هل يجوز أن تعطى بني هاشم من الصدقة لأن الرسول صلى اللـه عليه وسلم قال: "إنما بنو عبد المطلب وبنو هاشم شيء واحد"؟

تقدم أن جمعاً من أهل العلم قالوا أن بني هاشم إذا لم يعطوا من مصارف الفيء والغنيمة يعطون من الصدقة، وهو الواقع الآن، وإن كان الأقرب والراجح أن هذا أمر يختص بآل النبي صلى اللـه عليه وسلم في وقته كما هو مذهب أبي حنيفة واختيار محمد بن الحسن الشيباني رحمهما، وقد ذكرت حكمة هذا الحكم وهي دفع التهمة عن النبي صلى اللـه عليه وسلم وعن آلـه حين كان يأخذ الزكاة قسراً وقهراً بل يحارب الناس عليها "من منعها فإنا آخذوا شطر مالـه، غرمة من غرمات ربنا، لا تحل لمحمد ولا للآل محمد" وهناك مخرج آخر كما ذهب أبو حنيفة وابن تيمية رحمهما اللـه إلى أن بنو هاشم يعطون فقراء بني هاشم، وبنو عبد المطلب يعطون فقراء بني عبد المطلب، وهكذا أخرجونا من الخلاف، واللـه عز وجل أعلم ، وصلى اللـه وسلم على نبينا محمد...



 


حقوق النشر والطبع © 1427هـ فضيلة الشيخ سليمان الماجد . جميع الحقوق محفوظه

Copyright © 2006 www.salmajed.com . All rights reserved

info@salmajed.com