الدرس الأول
كتاب الزكاة:
بسم اللـه، والحمد للـه، والصلاة والسلام على رسول اللـه وعلى آلـه وأصحابه ومن اهتدى بهداه. في كتاب الزكاة من بلوغ المرام للحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه اللـه ذكر المصنف حديث عبد اللـه بن عباس رضي اللـه عنهما أن النبي صلى اللـه عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن فذكر الحديث وفيه "إن اللـه قد افترض عليهم صدقة في أموالـهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم" متفق عليه واللفظ للبخاري.
هذا الحديث اشتمل على مسائل:
الأولى: مسألة أن الإمام وهو الحاكم أو السلطان هو الذي يتولى جمع الزكاة ويجب على الناس أن يؤدوها إليه، وهي قول لبعض أهل العلم، والصحيح في ذلك أنه لا يجب أن نؤدي الزكاة إلى الإمام ابتداءً إلا إذا طلبها، لأن القول هو أن يجب تقديمها للإمام ابتداءً ولا يتولى تفريقها بنفسه، فالراجح هنا أنه لا يجب ابتداءً ولك أن تقول صدقتك أو زكاتك بحسب ما تراه أنت، لكن إن طلبها منك وكان إماماً عدلاً وجب عليك أن تؤديها إليه.
وفي الحديث أيضاً فائدة أن الإمام هو الذي يتولى أدلة أن يتولى جمع الصدقات وتوزيعها على المستحقين لـها، كما رد الحديث أنه تبرأ ذمة المزكي إذا أداها إلى السلطان. هذا هو القول الراجح ولكن ذهب بعض أهل العلم وهو قول للشافعية في القديم وهو قول أبي حنيفة أنهم يفرقون بين الأموال الظاهرة والأموال الباطنة، فما كان من الأموال ظاهراً وجب على صاحبه ألا يؤديه إلا إلى السلطان، وما كان منها باطناً فإنه لا يجب عليه تأديتها إليه.
والأموال الظاهرة عندهم هي الإبل والغنم أي بهيمة الأنعام، والباطنة عندهم هي الذهب والفضة ثم يختلفون – أيضا في غير الذهب والفضة، وغير بهيمة الأنعام ما هو الباطن وما هو الظاهر، والصحيح كما ذكرت – وهو قول الإمام أحمد – رحمه اللـه – وهو قول الشافعي في الجديد أنه لا يجب تأديتها للإمام سواء كان الأموال ظاهرة أو باطنة.
فإذا كان جائراً فاسقاً غير عدل، جاز للإنسان أن يتخلص من دفع الزكاة إليه، والجور والفسق عند العلماء كما نص على ذلك المالكية وغيرهم ليس الفق في أفعالـه الأخرى ولكن الفسق والجور المانعين من إعطائه الزكاة إذا قدر الإنسان على ذلك ولم يقهره عليه هو الجور في الزكاة نفها، فهو يجور في أخذها، ولا يوصلـها إلى مستحقيها، أياً كان في ذلك عدلاً منصفاً مؤدياً للحقوق ولكن في نفسه قد يكون فاقاً فليس هو المعتبر عند العلماء، ولكن المعتبر في سنته وطريقته في أداء هذه الزكاة مسألة تابعة لذلك، لو أخذها الحاكم الجائر قهراً فهل تجزئ عنه أم لا؟.
والصحيح أنها تجزئ فلو أخذها قهراً ويجور فيها ولا يضعها في مصارفها التي أمر اللـه بها فإنها تجزئ في قول كافة أكثر أهل العلم.
فإنه قال "تؤخذ" مبني للمجهول، فيأخذها الحاكم، وعليه العمل الآن، اللـهم ما يتعلق بزكاة الشركات وما شابه فإنها تؤخذ لمصلحة الزكاة والدخل، وكذلك – أيضاً – شركات الخدمات لا شركات الربا فهي أيضاً تؤخذ مباشرة من قبل الجهات المختصة وتذهب إلى مصلحة الزكاة، فهذه تؤخذ بغير اختيار الإنسان وقد برئت بها ذمته إن شاء اللـه عز وجل.
المسألة الثانية: هي يجب استيعاب الأصناف الثمانية في دفع هذه الزكاة؟.
(إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل اللـه وابن السبيل) هذه الأصناف الثمانية، فإذا كان عندك مثلاً ثمانمائة ريال نقداً فإنك تقسمها إلى ثمانية أجزاء لكل منهم مائة ريال. هذه هي المسألة، وفيها خلاف، فقد ذهب الشافعية رحمه اللـه إلى أنه يوزعها على ثلاثة أصناف فأكثر وحجتهم في ذلك أنها أقل الجمع.
وقد ذهب علي بن أبي طالب وحذيفة وابن عباس وهو قول الحنفية والحنابلة إلى جواز صرفها لصنف واحد وجعل الزكاة تقسمها في شخص واحد.
وهذه مسألة خلاف أخرى، الصحيح فيها أنه لا يجب استيعاب الأصناف الثمانية وأنه لا يجب – أيضاً – توزيعها على أفراد الصنف الواحد.
وصح عن عمر – رضي اللـه عنه – أنه قال: لأن أعطي العطية فأكفي خير من أعطيها فلا أكفي وهذا جيد.
فقد تدفع المسألة فلا تكفي صاحبها وقد تدفع ألفاً فتكشف عنه كربة، وهذا هو القول الأول أن يوزعها على ثلاثة أصناف فأكثر.
والقول الثاني: أنه يجوز صرفها لنصف واحد من غير تحديد، بقي قول مهم جداً جداً وهو قول المالك – رحمه اللـه – وهو أرجح الأقوال، أنه يوزعها على حسب المصلحة، فإذا كانت المصلحة حاضراً للمجاهدين صرفها إليه، وإن كانت للفقراء صرفها إليهم فهو ينظر إلى الأصلح فالأصلح، فإذا كانت في بلد سينتشر فيها الفقر الذي يؤدي إلى الجهل والفسق وبيع العرض فما تقول أبذلـها مثلاً للغارمين أو ابن السبيل، فالمقصود أن تصرفها في الأصلح.
كالسلطان ليتصرف بمجرد الرأي ولكن بالأصلح، وحتى لم يتصرف بذلك فهو خائن لأمته وللـه ولرسولـه صلى اللـه عليه وسلم، وكذلك قضية صرف الزكاة سواء كنت موظفاً لصرفها أو كانت الزكاة لك أو كنت وكيلاً للمزكي يجب عليك ألا تتصرف وفق الأصلح وهو قول إمامنا مالك رحمه اللـه وهو أرجح الأقوال.
لأن القول الرأي يقول يعطيها صنفاً واحداً ولا بأس فهو حجر، والقول الذي يقول "ثلاثة أصناف فإذا لم يتوفر لي الثلاثة، أو كانت هذه الأصناف حاجتهم ضعيفة جداً بينما الصنف الآخر حاجته مهمة جداً"، فأعدل الأقوال في هذا ما كان حسب المصلحة.
المسألة الثالثة: هل يجوز إخراجها من البلد؟ لأنه قال: "تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم" اختلف فيها العلماء على قولين مشهورين أو ثلاثة من وجه.
الأول: أنه لا يخرجها من البلد، والبلد ضابطة هو الإقليم وهو عندهم الإقليم العرفي التاريخي وليس السياسي، فالإقليم السياسي للإحساس مثلاً أن خريص وسلوى مثلاً مع الأحساء، بينما هي في واقع الأمر فإنه لا يشملـها، وباعتبار الإقليم قال الإمام ابن تيمية رحمه اللـه.
القول الثاني: وهو مشهور عند الحنابلة: أنه يعتبر فيها مسافة القصر.
القول الثالث: وهو الذي يصلح أن يكون غالباً، أنه لا يجوز أن يخرج بها عن بلدها إلا لذي قرابة، وهذا قول الحسن البصري وإبراهيم النخعي وغيرها.
والراجح في ذلك هو جمع بين من قال بالإقليم ومن قال بالقرابة، فلا يخرجها عند إقليمه إلا لذي قرابة لأن تقتضي قولـه صلى اللـه عليه وسلم: "تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم"، وأيهما ألصق بالإنسان؟ بلدة أم قرابة؟ قرابته، وحب البلد ما كان إلا ما فيه من القرابة والأحباب.
يا جندا جيل الريان من جيلٍ وجندا ساكن الريان من كانا
(ساكن الريان من كانا) هي قومية خاطئة، لكن المعنى: فإذاً يصح في الحديث أن تقول: أخذناها من أغنيائهم فجعلناها في فقرائهم، تقول النسبة إلى البلد، تقول ما الدليل؟ هذا القرابة الفلانية أليس فيهم أغنياء، فنحن أخذنا من أغنيائهم فجعلناها في فقرائهم، وكذلك أيضاً إذا أخذناها من أغنيائهم والبلد وجعلناها في فقراء البلد والدليل هو الحديث، والبعض يسهل في مسألة الخروج بالزكاة من البلد بحجة أن هؤلاء أحوج إليها، والحاجة نسبية، ولكن إذا بلغت الحاجة إلى درجة الترددي فلا بأس بنقلـها، وقد اختار ابن تيمية – رحمه اللـه – أن الفقر والغنى يرجع إلى العادة، وإذا كان فقيرا ومرتبه ألفا ريال مثلاً وعنده أسرة وعائلة فهو فقير أشد من غيره ممن يسكن في بلد أخرى وإن كان لا يتسلم إلا مائة روبية لأن القضية نسبية، ولكن يبقى فقيراً عليه أمر الفقراء والمسكنة مع وجود الحاجات الأساسية.
أما إذا كان الإنسان عارياً جائعاً فالفرق واضح، كالمناطق المنكوبة فالأوضاع تختلف، والفقر حالة اجتماعية تقع عند الناس وهي نسب وإضافات.
إذاً يجوز نقلـها من البلد إلى القرابة المقربين بلا كراهة، ولا يجوز نقلـها من البلد إلى بلد آخر إلا لحاجة ملحة أو تغطية أمر ضروري مثل قيام الأود، في الصومال مثلاً ما يقارب تسع عشرة هللة فقد تغذي بها أسرة كاملة، حرب وجوع وعدم وجود أمن ودولة فكيف يكون العيش؟ فلا بأس أن يركز عليها حتى يذهب هذا البلاء.
ذكر المصنف – رحمه اللـه – الحديث التالي وهو حديث أنس في كتاب أبي بكر الصديق رضي اللـه عنه في فراض الصدقة، وعن أن أبا بكر رضي اللـه عنه كتب لـه "هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم على المسلمين والتي أمر اللـه بها رسولـه في كل أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم تكن فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جداعة، فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا ازدادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاةٌ، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاةً شاةٌ واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنها يتراجعان بينهما بالسوية ولا يُخرج بالدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاءها المصدَّق، وفي الرقة في مائتي درهم ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليس عنده جذعة وعنده حقه فإنه تقبل منه، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا لـه أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليس عنده الحقة وعنده الجذاعة فإنها تقبل منه الجذاعة ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين" رواه البخاري.
هذا الحديث فيه بضعة عشر مسألة:
الأولى: فيه بيان أنصبة بهيمة الأنعام وهي كالتالي:
الإبل والغنم وأما البقر فستأتي إن شاء اللـه في حديث معاذ بعد أحاديث وقبل أن تعرف الأنصباء في زكاة الإبل لا بد أن نعرف القدر الواجب وما هو هذا القدر، فعندنا أولاً بنت مخاض وهذه هي التي أكملت سنة وطعنت في الثانية، ومخاض هي من الولادة، كان أمها استحقت أنه تحمل مرة أخرى، لكن لا يشترط عند الفقهاء أن تكون حاملاً حتى تكون بنت مخاض، ربما أنها ما حملت وبنت اللبون هي التي أكملت سنتين طعنت في الثالثة، والحقة هي التي طعنت في الرابعة، والجداعة هي التي طعنت في الخامسة، وهي عند الفقهاء حتى تتمها، وهي تعتبر جذعة، تعتبر بنت لبون، تعتبر بنت مخاض وهكذا حتى تتم السنة التي طعنت فيها، إذاً هذه الأنواع التي تخرج حتى إذا مرت تعرف العمر.
إذاً نأخذ واحدة واحدة:
من الإبل: من واحدة إلى أربع لا شيء فيها كما دل عليه الحديث، ومن تبلغ خمس إلى تسع ففيها شاة، وما بين خمس وتسع يسمى الوقص، وهي التي قال فيها النبي صلى اللـه عليه وسلم: "ليس في الأوقاص صدقة".
من العشرة إلى الأربعة عشر شاة أخرى، ومن الخمسة عشر إلى التسعة عشر شاة أخرى، ومن العشرين إلى الأربعين والعشرين شاة خامسة.
ثم يختلف قدر المخرج بعد ذلك، فمن خمسة وعشرين إلى خمسة وثلاثين ففيها بنت مخاض، ودل الحديث على أنه يجزئ عن بنت المخاض التي أكملت سنة وطعنت في الثانية يجزئ عنها ابن لبون ذكر وهو أكبر منها لكن نظراً لأن الأنثى مرغوبة لأنه مجال للتناسل والتوالد فحتى يعالى بنت مخاض أعطي ابن لبون ذكر الذي أكمل الثانية وطعن في الثالثة، وستقع أسئلة على هذه المقادير وحتى على الأوقاص.
ومن ستة وثلاثين إلى خمس وأربعين هذه يجب فيها بنت لبون، ومن ستة وأربعين إلى ستين يجب فيها حقة، وهي التي طعنت في الرابعة، ومن واحد وستين إلى خمسة وسبعين يجب فيها جذعة التي طعنت في الخامسة، ومن ستة وسبعين إلى تسعين وجب فيها بنتا لبون، ومن واحد وتسعين إلى مائة وعشرين يجب فيها خصتان هذه مما لا يسع المسلم أن يجهلـه إذا كان لديه إبل لأن هذا محل إجماع المسلمين عدا خلاف يسير عند علي رضي اللـه عنه وبعضهم يضعفه فيخرج من معارضة الإجماع أنه يجب في الخمسة وعشرين من الإبل يجب فيها خمس شياة، بينما القول الراجح أنها إذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض، ويجب فيها الخمس شياة بتمام الأربعة والعشرين، ويبدأ النزاع من مائة وواحد وعشرين، وإن كان قول الجمهور واضحاً.
فإذا زادت على المائة والعشرين الحديث يدل على أنه يجب في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، كيف تحسب؟ يقول الحنفية: فرائض الصدقة تستأنف بعد المائة والعشرين، وهم يخالفون الجمهور في ذلك ومعناه: أنك إذا زادت ما لديك عن مائة وعشرين فإذا كان عندك أربعا فلا يجب فيها شيء وعندهم، فإذا أكملت خمساً وجب فيها شاة كأنك تبدأ من أول الأمر.
بينما الجمهور وهو ما دل عليه الحديث أنه يجب في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة. ما هي قاعدة حساب الأربعين والخمسين؟
كل رقم عدد بعد المائة والعشرين يجتمع فيه أربعينات وخمسينات مكتملة العدد فهي وقص وفيها فريضة الصدقة.
من مائة وعشرين إلى مائة وثلاثين كم فيها؟ فيها اثنتان وأربعون، وخمسون واحدة فكل عدد يكون فيه أربعون أو خمسون غير منكرة فيجب في الأربعين بنت لبون، وفي الخمسين حقة من مائة وعشرين إلى مائة وتسع وعشرين، فيها ثلاث بنات لبون لأن فيها ثلاث أربعينات، وعلى هذا في ما مضى، ومن مائة وثلاثين إلى مائة وتسع وثلاثين. كم فيها؟ ففيها بنتا لبون وحقة، المائتان كم فيها، فيها خمس أربعينات، وأربع خمسينات. خمس أربعينات وأربع خمسينات. كم يجب فيها يا إخوان؟
عندنا فريضتان من خمس أربعينات، وأربع خمسينات. أيهما الذي يجب؟.
القول الأول: أنه يخير المزكي، بقولنا يخير المتصدق فيقال: اختر ما شئت والأصح أنه يخير المتصدق، فالإنسان لا يأخذ من كرائم الأموال وأطاليها، فالنبي صلى اللـه عليه وسلم قال لمعاذ "إياك وكرائم أموالـهم".
والذي عنده أكثر من ذلك يجتمع في مضاعفات المائتين وغيرها أنه يكون فيه خمسينات وأربعينات من دون انكسار، والقاعدة أن يؤخذ بالأقل وهي متقاربة فإذا قلنا أربع حقاق أو خمس بنات لبون قد تكون عند المتصدق متساوية بحكم زيادة هذا البعير على الآخر مقابل السن أو الحجم في الوقص الآخر أو الفريضة الثانية، وهذا هو الراجح فيما يجتمع فيه الفريضتان.
من مسائل هذا الحديث:
المسألة الأولى: أن الجمهور ذهبوا إلى أنه إذا زادت على مائة وعشرين واحدة فقط أن فيها ثلاث بنات لبون، ولكن ذهب عبد اللـه بن مسعود من الصحابة وأبو حنيفة وسفيان الثوري وإبراهيم النخعي رحمهم اللـه إلى أن الفريضة تستأنف من جديد إذا بلغت مائة وإحدى وعشرين، هذا مخالفة الحنفية ومن قال معهم بهذا القول.
وهنا مخالفة أخرى للإمام مالك رحمه اللـه أنه لا تعتبر وحتى وإن كان يرى قول الجمهور في الأربعين وفي الخمسين ولكن يقول أن المائة وإحدى وعشرين غير معتبرة ولكن تبدأ عنده من مائة وتسعا وعشرين وأن الفريضتين لا يتغيران بواحدة فكما تردون في الفرائض التي قضت من خمس إلى مائة وعشرين يكون هناك فرق في العدد بين الفريضتين، ولكن الإمام مالك يقول أن الفرق فقط من مائة وعشرين ثم مائة وإحدى وعشرين فيجب عليه ثلاث بنات لبون فيجب عليه حتى تبلغ مائة وتسع وعشرين وإن كان يرى قول الجمهور وفي الأربعين والخمسين بعد المائة والعشرين، فهو جعلـها وقصاً من مائة واحدة وعشرين إلى مائة وتسع وعشرين، لكن لا يجب إلا في المائة وتسع وعشرين، لكن قول الجمهور هو الأرجح وهو نص على الحديث، وأما قولـه رحمه اللـه أو قول بعض أصحابه بأن لا تعتبر الفريضة بعدد واحد فالجواب عليه: أنها ما تغيرت في عدد لأنها محسوبة من التسعين إلى المائة والعشرين.
المسألة الثانية: دل الحديث على إجزاء ابن اللبون عن بنت المخاض، وهذا واضح، هو أكبر وأوفر وأكثر سناً لكن يقال لـه أن هذا أنثى وهذا ذكر فتوافرت، فأجاز النبي صلى اللـه عليه وسلم رخصة للناس أن يأخذ المتصدق بدل بنت المخاض أن يأخذ ابن اللبون.
المسألة الثالثة: دل الحديث على أن العبرة في وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام بالسوم لكن الحديث ما دل على الصوم في السوم في الإبل لأنها أطلق، وإنما دل على السوم في الغنم، وأما الإبل فقد صح عن النبي صلى اللـه عليه وسلم في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال في سائمة الإبل ثم ذكر مقدار الواجب فيه. هذا الحديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي وسنده جيد.
فدل على اشتراط السوم وهي أن تكون سائمة، ولكن خالف المالكية رحمهم اللـه في ذلك فقالوا: لا يشترط السوم، فتجب في المعلوفات والعوامل والنواضج تجب فيها الزكاة والصحيح ما دل عليه هذا الحديث وهو اشتراط السوم.
مسألة متعلقة بالسوم: بأي شيء يعرف السوم يقول العلماء بالأغلبية فما كان يسوم أو يرعى في أكثر الحلول اعتبر ذلك، وما كان يسوم في أقل الحول فإنه يعتبر معلوفاً لا سائماً واللـه عز وجل أعلم.
المسألة الرابعة: دل الحديث على زكاة الغنم وذكر صلى اللـه عليه وسلم في نص الحديث حين قال "يجب في أربعين إلى عشرين ومائة شاة فإذا زادت على عشرين ومائة ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياة، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة".
ولكن دل الحديث أنه لا تجب الشاة الرابعة حتى تصل إلى أربعمائة، إذاً تبقى عليه ثلاثة، يعتبر وقصاً من ثلاثمائة وواحدة إلى ثلاثمائة وتسع وتسعين، هذا هو قول الجمهور، لكن هناك قول للإمام أحمد وهو رواية عنه، أنه إذا زادت عن الثلاثمائة وواحدة وجبت الشياة الأربع، فكان القول ضعيفاً من حيث الدليل، ومن حيث نسبته إلى الإمام أحمد رحمه اللـه، فإن الأصح من أقوالـه اعتبار ما دل عليه هذا الحديث.
المسألة الخامسة: دل الحديث على أنه ليس في الأوقاص صدقة، والأوقاص هي ما يبين الفريضتين، في قولـه صلى اللـه عليه وسلم: "فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاةٍ شاةً واحدة فليس فيها صدقة" ثم قال: "إلا أن يشاء ربها" يعني تكون صدقة منه ليست واجبة عليه.
المسألة السادسة: دل الحديث على أن لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة.
كيف يتخلص صاحب البهيمة من الزكاة فيجمع؟ وكيف يتخلص من الزكاة فيفرق؟ التفرق واضح، لكن الجمع فالظاهر أنه يوجب الزكاة، فما هي الصور التي إن جمعها صاحب البهيمة سقطت عنه الصدقة؟
يجب عليه من الأربعين إلى المائة وعشرين شاة واحدة، فيقوم هذا فيقول: أنا عندي خمسين وأنت عندك خمسين نجمعها فبدلاً من يأخذ من الأربعين شاة كاملة ويأخذ منك شاة كاملة، فنجمعها إلى بعضها فيأخذ شاة واحدة، فيجمعون الأربعين إلى الأربعين والخمسين إلى الخمسين، فالنتيجة تكون الصدقة شاة واحدة فيتقاسمان الثمن بينهما أو يتراجعان بالسوية كما قال صلى اللـه عليه وسلم.
وأما التفريق بين المجتمع فهو واضح لكن مائتا لـه؟
يفرق بين مجتمع حتى لا يتصدق، فيكون عنده خمسون رأساً تجب فيها الصدقة فيقول إذا جاء المصدق خذ خمساً وعشرين لجهة وأنا آخذ خمساً وعشرين لجهة أخرى فيأتي ليعدها فلا تجب فيها الزكاة، وكذلك في الإبل والبقر وغيرها.
المسألة السابعة: قولـه صلى اللـه عليه وسلم في هذا الحديث "وما كان من خليطتين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية".
نفترض أن المال بين شريكين، ثم وجبت الزكاة في شاة واحدة، هذا عنده خمسين وهذا عنده خمسين فالواجب شاة واحدة، فهذا يخرج الشاة مثلاً بأربعمائة ريال فيرجع إلى أخيه بمائتين.
مثال آخر: لأحدهما أربعين شاة وللآخر ستين فكم تكون النسبة إذا كان صاحب الأربعين هو الذي دفع الشاة بقيمة أربعمائة ريال مثلاً؟ يتراجعان بينهما بالسوية.
المسألة الثامنة: دل الحديث على أنه لا يجوز إخراج الرديء، لكن السؤال: لو كان المال كلـه رديء فما الحكم؟ يخرج منها، وإذا كان رديئاً وطيباً فيخرج من هنا ومن هنا بحسب النسب، مثل زكاة التمور فيخرج من كل جنس ونوع حسب النسبة (لا تَظلمون ولا تُظلمون) لكن إذا أحب أن يخرج الطيب فهو خير وما زاد فهو صدقة.
المسألة التاسعة: قولـه "وفي الرقة ربع العشر" الرقة هي الفضة ويأتي الكلام عليها إن شاء اللـه، وقولـه صلى اللـه عليه وسلم: "وما بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة" يعني وجب عليه أن يدفع جذعة، فما الحكم؟ وليس عنده إلا حقة والحقة أقل والجذعة أكبر وأسمن فما الحكم؟ يقول صلى اللـه عليه وسلم: "ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليس عنده إلا حقة فإنها تقبل منه" وما هو التعويض؟ "ويجعل معها شاتين إن استيسرتا لـه أو عشرين درهماً".
وأيضاً العكس: من عنده حقة وليس عنده إلا جذاعة فأيضاً يأخذ منه المصدق شاتين أو عشرين درهماً وتقاس بحسب قيمة هاتين الشاتين في الوقت الحاضر حتى يستطيع المصدق أو العامل على الزكاة أن يوازن بينهما.
وقولـه صلى اللـه عليه وسلم: "ومن بلغت عنده صدقة الحقة" يدل على ذلك وعكسه يعكسه تعود إلى مسألة النصاب الواجب أو فرائض الصدقة في زكاة الإبل، أنواعها: بنت مخاض أو بنت لبون، وحقة، وجذعة.
ماذا يجب في واحد وخمسين من الإبل؟
ماذا يجب في مائة وخمسة وسبعين من الإبل؟
هل يقبل الكسر في العدد الواحد بمعنى أن تكون تسعة وأربعين ونصف؟ هل تكون خمسين؟ ما هو قول الحنفية في مسألة ما زاد على المائة والعشرين؟ وما هو الراجح في المسألة؟ إذا كان عندك من الغنم ثلاثمائة وخمس وعشرون. كم الواجب فيها؟
هل يجوز إخراج الزكاة للمجاهدين المحتاجين إليها مثل الشيشان في الوقت الحاضر؟
ما حكم من يوزع زكاته مراد عينيه على المحتاجين ويحتج أنها أحفظ ويستفيد منها وأطفالـه عكس النقد إذا كان عائلـهم لا يحسن التصرف؟
ما حكم حفظ الزكاة الزائدة عن حاجة أهلـها لفترة ستة أشهر للمصلحة المترتبة على ذلك لأهل الزكاة؟
في مائتين من الإبل يخرجها صاحبها على ما يريد فإذا كان إخراجها أربع حقات أوفى للمحتاجين فهل يخير صاحب الإبل؟
بالنسبة لصغار الإبل والغنم متى تضاف إلى النصاب؟
هل من السنة وضع اليدين على الأذنين عند الأذان والالتفات يمنة ويسرة خاصة في ظل وجود مكبرات صوت؟
كيف يعتبر الاشتراك؟ يعتبر بالراعي والمأوى والحوض وكان الرعي فبهذا يسمى المال المشترك، أما لو اختلف الراعي أو المأوى أو الحوض أو المعار فليس بمشترك.
ما كان من خليطتين فيتراجعان بينهما بالسوية. نرجو ضرب مثال. ضربنا الأمثلة.
ما هي زكاة مائة وسبعة وعشرين من الإبل؟ ثلاث بنات لبون، ففيها ثلاث أربعينات رجل من الصالحين ذهب مع رفقاء السوء إلى بلد خمور وفسق، شرب الكحول بكمية كبيرة بحجة أنه يعاني من الكلية والحصى وبنصيحتهم. هل هذا من التداوي بالخمور؟
لا يجوز التداوي بها إلا عند الضرورة وخشية الـهلكة، وهذا عنده رسائل كثيرة للعلاج.
هل يجوز إخراج الزكاة لم عليه ديون؟ أو مساعدة في علاج مرض متعسر؟
إذا كان رجل عليه ديون لا يستطيع سدادها فهو من الغارمين، وإذا كان يحتاج إلى علاج فهو من أشد الحاجات وكذلك ليتزوج.
قاعدة إن القول مقدم على الفعل هل تعارض قاعدة القول بالنهي ثم فعلـه النبي صلى اللـه عليه وسلم. مضى في دورة الأمر والنهي أن دلالة الأمر على الوجوب والنهي على التحريم هي دلالة ظنية في أدنى درجات الظنية، لذلك أسقط العلماء دلالة الوجوب في الأمر ودلالة التحريم في النهي وأنزلوها إلى الكراهة بالقرائن ما قالوا بالأدلة إلا ابن حزم الذي اشترط الأدلة الصريحة على هذا الصرف، فلا يعتبر إذا جاء النهي ثم جاء الفعل أنه معارض، فهو مصروف من التحريم إلى الكراهة.
هل المهد الذي يجمعه الشخص إذا دار عليه الحول في الزكاة؟ نعم. هو صار مالاً لـه.
أنا أزكي غالباً في شهر ذي الحجة فهل يجوز أن أقدمها في رمضان.
هذا خطأ يفعلـه كثير من العامة. فإن جميع ما معنى هو زكاة لما حل ولما لم يحل فهو خطأ، وإن كان تزكيها ما لم يحل فهو تقديم منك للصدقة ولا حرج فيه إن شاء اللـه وإنما يأتي الخطأ في التأخير فإن كان هذا القصد فلا بأس، والراجح من أقوال أهل العلم أنها تقدم إلى سنة أو سنتين عند الحاجة إلى ذلك.
ما حكم صرف الزكاة لفقراء الرافضة؟ ما حكم صبغ اللحية بالسواد؟
صرف الزكاة لأمثال هؤلاء فإذا كان فيه تأليف للقلب فهو من العمل الحسن، وقد تألف النبي صلى اللـه عليه وسلم من هذا نحوهم.
أما صبغ اللحية بالسواد فلا يجوز لما صح من حديث أبي هريرة في حديث مسلم أن النبي صلى اللـه عليه وسلم قال: "غيروا هذا بشيء وجنبوه السواد" هناك الحنة وهناك الكتم فكلـه مشروع ولا يلجأ للسواد.
من السائمة من البهائم يجب فيها الزكاة وإن كانت في معظم الحول وهي تعلق فهل فيها زكاة وإذا كانت متساوية؟
إذا كانت تعلق أكثر الحول فليس فيها زكاة، وإذا كانت متساوية فليس فيها زكاة أيضاً، ولكنها إذا غلبت ولو يوماً واحداً ففيها الزكاة.
اختار شيخ الإسلام بن تيمية رحمه اللـه أن الفقر يرجع إلى العادة، هلا منحتهم هذا القول؟
الفقير هو من وصفه الناس فقيراً كعادتنا الآن. من يستلم ألف ريال راتباً وعنده ثلاثة أولاد ولديه بيت مؤجر فهو فقير، لكن من عنده ألف ريال وهو يعيش في شبه القارة الـهندية أو بعض البلدان الأخرى كم تساوي عندهم؟ فهو ليس فقيراً. هذه العادة.
هلا ومنحتم الوقص؟ هو ما يبين الفريضتين فيجب في خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وأربعين، ولكن إذا بلغ ستاً وأربعين فعليه بنت لبون.
ما هو المشروع للمسلم إذا زار قبراً معيناً؟
أن يدعو بدعاء زيارة القبور المشروع ويدعو للميت ويضع عليه الخصوص لا حرج في ذلك.
ما حكم دفع الزكاة لطلبة العلم؟
هم مثل غيرهم من الناس إن كان فقيراً أو معسراً أو مديناً إن كان يحتاج إلى كتب لا يجدها إلا بالزكاة فهذه كلـها من الحاجة.
من عليه دين يبلغ نصاباً وما معه من المال نصاب الزكاة ولا يستطيع به سداد دينه فهل يزكي أم لا؟
قول أكثر أهل العلم أن الدَّين يمنع الزكاة لا سيما إن كان مالاً. |