: بحوث و رسائل : رسائل
طباعة

  : بحوث و رسائل : رسائل  
استماع تحميل PDF
  حد الإقامة الذي تنتهي به أحكام السفر  


بسم الله الرحمن الرحيم


 

المقدمــة

الحمد لله وحده والصلاة على من لا نبي بعده . أما بعد :

فقد جعل الله تعالى الأرض ذلولاً وسلك فيها فجاجاً سبلاً ليسعى الناس في مناكبها لمصالحهم في الدين والدنيا ؛ كطلب العلم أو الجهاد أو الحج والعمرة ، أو لطلب الرزق من وظيفة أو تجارة ، أو لأغراض أخرى من زيارة أو نزهة ؛ فصار الإنسان في سعيه لهذه المصالح بين حَلٍّ وتَرحال .

فإذا سافر المرء ثم نزل لشيء من هذه الأغراض بدا لـه سؤال قديـم جديد وهو إلى متى يُشرعُ لـه قصرُ الصلاة والفطرُ في نـهار رمضان ؟

وقد تنوعت مذاهب الناس في ضبط ذلك فمنهم من يرى نفسه مقيماً يجب عليه الإتمام والصوم إذا نوى النـزولَ مدة معينة ، وهي أربعة أيام ، وقريب من هؤلاء من جعل هذه المدة خمسةَ عشر يوماً .

ومنهم من يرى أن وجوب الإتمام والصوم لا يكونان إلا فـي الوطن فقط ؛ فإذا سافر المرء ثم نزل مكاناً لا يريد الإقامة فيه على التأبيد أخذ بالرخصة ؛ فقصر وأفطر ، مهما كانت مدةُ إقامته وصفتُها ، ويرون في بعض أحاديث النبي e الفعلية ، وفي أخبار بعض الصحابة رضي الله عنهم من الترخص المدد الطويلة ما يصحِّح هذا القول .

كما استدل بـهذه الأخبار نفسها من قال من العلماء : إن مَنْ قيَّد إقامته بنهاية وقت أو عمل فهو مسافر ، مهما كانت مدةُ إقامته وصفتُها ؛ فقالوا بمشروعية رخص العبادة للمغتربين من الطلبة والعمال وغيرهم الذين وُجِدت فيهم هذه الصفة ، وقد نُسب هذا القول إلى الإمام ابن تيمية .


فكان هذا البحث لتحرير الكلام في مسائل :

الأولى : حد الإقامة الذي تنتهي به أحكام السفر ، وذكر الأقوال في هذه المسألة وأدلة كل قول ، وما أُورد عليها ، وبيان الراجح .

الثانية : حكم ترخص هؤلاء المغتربين وأمثالِهم ، حيث كثر الآخذون بالرخصة في مثل هذه الأحوال ، ظناً منهم أن هذا موافق لهدي النبي e وطريقة أصحابه ؛ فوجب البيان والتنبيه .

الثالثة : بيان فقه الأخبار الواردة عن النبي e وبعض الصحابة والتابعين في ترخصهم مدداً طويلة ، وبيان ما يُخَرَّجُ عليه هذا الترخصُ من أصول الشريعة وقواعدها ، في ضوء كلام الفقهاء .

فإذا تبين سبب ترخصهم فإن متابعتهم في الرخصة خير من متابعة مَنْ بعدهم في العزيمة والاحتياط .

الرابعة : نسبة بعض هذه الأقوال إلى بعض العلماء كشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية رحمه الله وغيره ، وصحة أقوالهم في المسألة .

فما كان في هذه الرسالة من صواب فمن الله وحده ، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسـوله بريئان منه . ولا بد لعمـل البشر من
خطأ أو نقصٍ ، علاجها التقويم والتصحيح من أهل الفضل والنصيحة .

اللهم استعملنا في طاعتك واجعل أعمالنا خالصة لوجهك واغفر لنا ولوالدينا ومشايخنا وأزواجنا وذرياتنا .

وكتبه :

سليمان بن عبدالله بن ناصر الماجد

صندوق البريد (707)

الأحســــــاء (31982)

ناســـوخ  (5879837)

 

 

 

 

 

 



تحرير محل النزاع :

اتفق العلماء في حد الإقامة الذي تنتهي به أحكام السفر على حالين :

الأولى : أن من استوطن بلداً فقد انقطعت عنه أحكام المسافر([1]).

الثانية : أن من نزل مكاناً وهو يقول : أخرج اليوم أخرج غداً فهو مسافر مهما طال مكثه ([2]).

ثم اختلفوا فيما سوى ذلك ، وهذه أشهر أقوالهم في المسألة :

القول الأول : أن الحد بين حكمي المقيم والمسافر هو نية المكث أربعة أيام .

وبـهذا القول أخذ مالك ([3]) والشافعي ([4]) ، ولا يُحتسب عند الشافعية يوما الدخول والخروج من هذه الأربعة .

وهو قول أحمد ، إلا أنه يرى احتساب يومي الدخول والخروج ([5]) .

وقد استدل بعضهم لذلك بحديث العلاء بن الحضرمي t قال :
قال
e : "يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً" ([6]) .


ووجهه : أن الثلاثة تدل على بقاء حكم السفر بخلاف الأربعة ([7]).

واستدل بعضهم بنـزوله e مكة للحج من اليوم الرابع من ذي الحجة حتى اليوم الثامن ؛ فبلغت إقامتُه هناك ـــ وهو يترخص ـــ أربعةَ أيام ([8]) .

ووجه هذا الدليل أن هذه الأيام الأربعة هي أكثر مدة قصر فيها
النبي
e نازلاً مع علمنا بوقت مكثه في ذلك المكان ؛ وذلك لأنه لن يخرج إلا في اليوم الثامن ؛ فمشروعية القصر مستيقنة لمن نوى المكث دون هذه المدة ، وما زاد عليها فمشكوك في مشروعيته ؛ فنرجع فيما زاد إلى أصل الإتمام عند نزول الأمصار وترك النقلة . وحملوا ما زاد على ذلك في بقية الأخبار على حال من يقول : اليوم أسافر .. غداً أسافر ، أو على احتمال انقضائها في أقل من أربعة .

وقد أُجيب عن أدلة هذا القول بأوجه منها :

الأول : أن أقصى مدة نزلها e يقصر الصلاة لو كانت حداً فاصلاً بين السفر والإقامة لبينها أوضح بيان شأنـها شأن بقية الأحكام الشرعية المحدودة بعدد من الأيام ؛ كمدة المسح على الخفين للمقيم والمسافر ، وعدة الآيسة والصغيرة والمتوفى عنها زوجها ، ومدة التربص في الإيلاء ، وعدد أيام الصيام في الكفارات الشرعية ؛ كالقتل والظهار والجماع في نهار رمضان وفدية الأذى للمحرم وكفارة اليمين ، هذه في الأيام .

أما غير الأيام من الأعداد في مقادير الأحكام الأخرى فأكثر من أن تحصى ، وذلك كمقدار صدقة الفطر ، وأنصباء الأموال الزكوية ، ومقدار الواجب في هذه الأنصباء ، وبيان مقدار حولها ، وغيرها كثير ؛ فما من أمر يكون العدد فيه مقصوداً إلا بُيِّن بأوضح كلام وأجلى عبارة .

وهذه الأحكام التي بُيِّنت أعدادها لا يُحتاج إليها كحاجة حد الإقامة ، بل كثير منها لا يحتاجه المرء في حياته إلا مرة واحدة ، وبعضها قد لا يحتاج إليها مطلقاً ، ومع ذلك كان لها هذا الحظ من البيان .

فلما لم تبين الشريعة مدة الإقامة التي تنتهي بـها أحكام السفر مع قرب
مأخذها ، وسهولة بيانـها ، وعظم الحاجة إليها دلَّ ذلك كله على أن أعداد الأيام في ضبط الإقامة
ـــ حداً مشتركاً لجميع الناس ـــ غير مرادة ،
وأن سبيل ضبط ذلك هو شيء غيرُ الأيام ؛ فليُرجع فيه إلى أدلة الشريعة ليُستجلى ، ويُضبط بـه ما اختلف فيه الناس .

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في معرض نقضه على من قال بتحديد الإقامة بأربعة أيام قال : ( ولو كان هذا حداً فاصلاً بين المقيم والمسافر لبينـه للمسلمين ) ([9]) اهـ .

الثانـي : أنه eلم يقل لأصحابـه الذين رافقوه في حجته : إنه قصر الصلاة لأنـه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام ، وبيان هذا من أهم المهمات ، أفاده العلامة ابن القيم رحمه الله ([10]) .

الثالث : أنه لم يقل لمن جاء للحج قبله بيومٍ أو أ كثر ، أو جاء معه ونوى التأخر بعده إلى صبيحة عرفة لم يقل لـه : ليس لك الترخص ؛ لانقطاع إقامتك بنـية المكث أكثر من أربعة أيام ، رغم كثرتـهم
وتواردهم من الأقطار لشهود حجته
e وحاجتهم العظيمة للتعلم والفقه في الدين ، وحرصه العظيم على بيان الدين ، مع علمه بدنو أجله .

قال ابن تيمية عن قصر النبي e في حجة الوداع : (.. لكن من أين لهم أنه لو قدم صبح ثالثة وثانية كان يتم ، ويأمر أصحابـه بالإتمام ؟ ليس في قوله وعمله ما يدل على ذلك ) ([11]) .

الرابع : قال ابن تيمية : ( معلوم بالعادة أن ما كان يُفعل بمكة وتبوك
لم يكن ينقضي في ثلاثة أيام ولا أربعة حتى يقال : إنـه كان يقول : اليوم أسافر غداً أسافر ، بل فَتَحَ مكةَ وأهلُها وما حولها كفار محاربون لـه ،
وهي أعظم مدينة فتحها ، وبفتحها ذلت الأعداء ، وأسلمت العرب ، وسرّى السرايا إلى النواحي ينتظر قدومهم ، ومثل هذه الأمور مما يُعلم
أنـها لا تنقضي في أربعة أيام .. )
([12]) .

الخامس : أن تحديد الإقامة التي تنتهي بـها أحكام السفر مسألة عامة يحتاجها جميع الناس في جميع الأمكنة والأزمنة ، أما تحديد إقامة المهاجر في حديث العلاء هذا فهو خاص بالمهاجرين ، في خصوص زمان معين هو وقت حياتـهم ، في خصوص مكان معين هو مكة ؛ فهل يُظن أن تُعنى الشريعة بتحديد هذا مع خصوصه في الزمان والمكان والأشخاص ، وتدع بيان حد الإقامة مع عمومه لهذه الأحوال ؟

السادس : دل حديث العلاء t هذا على أنه ليس للمهاجر أن يقيم
في مكة بعد قضاء نسكه أكثر من ثلاثة أيام
، أي أن من زاد على الثلاثة
من المهاجرين عُدَّ مخالفاً للأمر
، بيد أن بعض الفقهاء الذين استدلوا به لتصحيح هذا القول جعلوا نـهاية الرخصة أربعة أيام ؛ فعليه لا مطابقة بين الدليل والمدلول عليه .

قال ابن تيمية في هذا المعنى : ( وقد رخَّص النبي e للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا ، والقصر في هذا جائز عند الجماعة ، وقد سمَّاه إقامة ، ورخَّص للمهاجر أن يقيمها ؛ فلو أراد المهاجر أن يقيم أكثر من ذلك بعد قضاء النسك لم يكن لـه ذلك ، وليس في هذا ما يدل على أن هذه المدة فرقُ ما بين المسافر والمقيم . . فعُلم أن هذا التحديد لا يتعلق بالقصر ،
ولا بتحديد السفر )
([13]) اهـ .

القول الثاني : أن هذا الحد هو خمسة عشر يوماً .

وهذا هو مذهب الحنفية ([14]).

واستدلوا لذلك بقول ابن عباس رضي الله عنهما : ( إذا قدمت بلدة وأنت مسافر ، وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يوماً أكمل الصلاة بـها ، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصرها ! ) ([15]).

ووجه الاستدلال بـهذا الأثر أن هذا لا يقال إلا عن توقيف ([16]).

وقد أجيب عن هذا الاستدلال بأنه غير مسلَّم لوجهين :

الأول : أن للرأي فيه مجالاً ؛ فلا يُعطى حكم الرفع .

الثانـي : أنه قد صحَّ عنهما ما يعارض هذا القول ([17]) .

ويَرِدُ على هذا التحديد أيضاً ما أُورد على أدلة القول الأول .


القول الثالث : أن حد ذلك في قصر الصلاة هو مكث النازل عشرين يوماً .

وهو قول ابن حزم ([18]) .

واستدل لذلك بقصر النبي e الصلاة في تبوك عشرين يوماً ([19]) .

ووجهه أن أكثر مدة نزلها e وهو يقصر الصلاة هي ما ورد في هذه الغزوة ؛ فخرج هذا المقدار من الإقامة عن سائر الأوقات بـهذا الخبر ([20]) .

ويَرِدُ على هذا القول ودليله ما ورد على أدلة القول الأول .

القول الرابع : أن المعتبر في تحديد الإقامة هنا هو العُرْف .

فمن سمَّاه الناس مسافراً فهو مسافر لـه الأخذ برخص السفر ، ومن سمَّوه مقيماً فهو مقيم لا رخصة لـه .

وهذا هو قول الإمام بن تيمية ، وسيأتـي تحرير قوله في آخر الرسالة ، وهو قول العلامة عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ([21]) . وعليه تُحمل طريقة السلف ، حيث يصح عن الصحابي الواحد أقوال متعددة .

واعتبار العرف في تحديد الإقامة في أسبابـها ـــ عدا المدة ـــ هو طريقة أكثر الفقهاء ؛ بل إن المدة نفسها تخضع عندهم لبعض الأسباب العرفية ، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى .

ودليل هذا القول هو قاعدة الأسماء المطلقة في الشريعة ، وهي : كل اسم ليس لـه حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف ([22]) .


القول الخامس : أن من قيَّد إقامته بانتهاء عمل أو زمن فهو مسافر .

وهذا هو قول العلامة الشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين أثابه الله ([23]).

وبناء على ذلك فهو يرى أنه لا أثر للتأهل في ثبوت وصف الإقامة ؛ لأن النبي e اصطحب زوجاته في أسفاره ، ومع ذلك ترخص ، ولا أثر عنده لاتخاذ البيوت ؛ لأنـهم إنما يشترونـها لسكناها إلى انتهاء غرضهم فقط ؛ كما أنه لا يَعتبرُ أثراً لمدة المكث لعدم الفرق بين المدد في الشريعة ([24]).

ولذلك أفتى المغتربين من الطلبة والعمال الذين يقيدون نزولهم بنهاية وقت أو عمل بأنـهم مسافرون ، ولو علموا طول الإقامة .

وقد استدل أثابه الله لذلك من الكتاب بقول الله تعالى : "وَإِذَا ضَرَبْـتُمْ في الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ" الآية .

ووجه هذا الدليل أن الله أطلق الضرب في الأرض وعمَّم في وقته ، والضرب في الأرض هو السفر فيها ، والله تعالى يعلم أن من الضاربين في الأرض التاجر والمجاهد ، وأنـهما يحتاجان إلى نزول مدة ، ولم يستثن الله عز وجل ضارباً من ضارب ولا حالاً من حال ؛ فكل نزولٍ للمسافر مشمولٌ بـهذا العموم ؛ فيكون صاحبه مستحقاً للرخصة ، ولا يُستثنى
من ذلك إلا المستوطن ، ومن نوى إقامة مطلقة
([25]).


ومن السنة : استدل أثابه الله بإقامة النبي e في مكة للحج ([26]) ثم قال :
( ووجه الدلالة منه أن النبي e أقام إقامة لغرض الحج مقيدة بزمن معين ، وقد نواها من قبل بلا ريب ، ومع ذلك بقي يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة ؛ فدل ذلك على أن الإقامة لغرض معين متى انتهى منه رجع إلى
وطنه لا ينقطع بـها حكمُ السفر . . )
([27]) اهـ .

واستدل من السنة كذلك بأن النبي e أقام في مكة عام الفتح وفي غزوة تبوك ، وأنه : ( . . قصر لأن العلة في الإقامتين واحدة وهي انتظار انتهاء ما أقام من أجله ) ([28]) اهـ .

ومن آثار الصحابة والتابعين : استدل أثابه الله بأن بعض الصحابة رضي الله عنهم أقاموا بِرَامَهُرْمُز تسعة أشهر يقصرون الصلاة (