بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة على من لا نبي بعده . أما بعد :
فقد جعل الله تعالى الأرض ذلولاً وسلك فيها فجاجاً سبلاً ليسعى الناس في مناكبها لمصالحهم في الدين والدنيا ؛ كطلب العلم أو الجهاد أو الحج والعمرة ، أو لطلب الرزق من وظيفة أو تجارة ، أو لأغراض أخرى من زيارة أو نزهة ؛ فصار الإنسان في سعيه لهذه المصالح بين حَلٍّ وتَرحال .
فإذا سافر المرء ثم نزل لشيء من هذه الأغراض بدا لـه سؤال قديـم جديد وهو إلى متى يُشرعُ لـه قصرُ الصلاة والفطرُ في نـهار رمضان ؟
وقد تنوعت مذاهب الناس في ضبط ذلك فمنهم من يرى نفسه مقيماً يجب عليه الإتمام والصوم إذا نوى النـزولَ مدة معينة ، وهي أربعة أيام ، وقريب من هؤلاء من جعل هذه المدة خمسةَ عشر يوماً .
ومنهم من يرى أن وجوب الإتمام والصوم لا يكونان إلا فـي الوطن فقط ؛ فإذا سافر المرء ثم نزل مكاناً لا يريد الإقامة فيه على التأبيد أخذ بالرخصة ؛ فقصر وأفطر ، مهما كانت مدةُ إقامته وصفتُها ، ويرون في بعض أحاديث النبي e الفعلية ، وفي أخبار بعض الصحابة رضي الله عنهم من الترخص المدد الطويلة ما يصحِّح هذا القول .
كما استدل بـهذه الأخبار نفسها من قال من العلماء : إن مَنْ قيَّد إقامته بنهاية وقت أو عمل فهو مسافر ، مهما كانت مدةُ إقامته وصفتُها ؛ فقالوا بمشروعية رخص العبادة للمغتربين من الطلبة والعمال وغيرهم الذين وُجِدت فيهم هذه الصفة ، وقد نُسب هذا القول إلى الإمام ابن تيمية .
فكان هذا البحث لتحرير الكلام في مسائل :
الأولى : حد الإقامة الذي تنتهي به أحكام السفر ، وذكر الأقوال في هذه المسألة وأدلة كل قول ، وما أُورد عليها ، وبيان الراجح .
الثانية : حكم ترخص هؤلاء المغتربين وأمثالِهم ، حيث كثر الآخذون بالرخصة في مثل هذه الأحوال ، ظناً منهم أن هذا موافق لهدي النبي e وطريقة أصحابه ؛ فوجب البيان والتنبيه .
الثالثة : بيان فقه الأخبار الواردة عن النبي e وبعض الصحابة والتابعين في ترخصهم مدداً طويلة ، وبيان ما يُخَرَّجُ عليه هذا الترخصُ من أصول الشريعة وقواعدها ، في ضوء كلام الفقهاء .
فإذا تبين سبب ترخصهم فإن متابعتهم في الرخصة خير من متابعة مَنْ بعدهم في العزيمة والاحتياط .
الرابعة : نسبة بعض هذه الأقوال إلى بعض العلماء كشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية رحمه الله وغيره ، وصحة أقوالهم في المسألة .
فما كان في هذه الرسالة من صواب فمن الله وحده ، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسـوله بريئان منه . ولا بد لعمـل البشر من خطأ أو نقصٍ ، علاجها التقويم والتصحيح من أهل الفضل والنصيحة .
اللهم استعملنا في طاعتك واجعل أعمالنا خالصة لوجهك واغفر لنا ولوالدينا ومشايخنا وأزواجنا وذرياتنا .
وكتبه :
سليمان بن عبدالله بن ناصر الماجد
صندوق البريد (707)
الأحســــــاء (31982)
ناســـوخ (5879837)
|
اتفق العلماء في حد الإقامة الذي تنتهي به أحكام السفر على حالين :
الأولى : أن من استوطن بلداً فقد انقطعت عنه أحكام المسافر.
الثانية : أن من نزل مكاناً وهو يقول : أخرج اليوم أخرج غداً فهو مسافر مهما طال مكثه .
ثم اختلفوا فيما سوى ذلك ، وهذه أشهر أقوالهم في المسألة :
القول الأول : أن الحد بين حكمي المقيم والمسافر هو نية المكث أربعة أيام .
وبـهذا القول أخذ مالك [3] والشافعي [4] ، ولا يُحتسب عند الشافعية يوما الدخول والخروج من هذه الأربعة .
وهو قول أحمد ، إلا أنه يرى احتساب يومي الدخول والخروج [5] .
وقد استدل بعضهم لذلك بحديث العلاء بن الحضرمي t قال : قال e : "يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً" [6] .
ووجهه : أن الثلاثة تدل على بقاء حكم السفر بخلاف الأربعة [7].
واستدل بعضهم بنـزوله e مكة للحج من اليوم الرابع من ذي الحجة حتى اليوم الثامن ؛ فبلغت إقامتُه هناك ـــ وهو يترخص ـــ أربعةَ أيام [8] .
ووجه هذا الدليل أن هذه الأيام الأربعة هي أكثر مدة قصر فيها النبي e نازلاً مع علمنا بوقت مكثه في ذلك المكان ؛ وذلك لأنه لن يخرج إلا في اليوم الثامن ؛ فمشروعية القصر مستيقنة لمن نوى المكث دون هذه المدة ، وما زاد عليها فمشكوك في مشروعيته ؛ فنرجع فيما زاد إلى أصل الإتمام عند نزول الأمصار وترك النقلة . وحملوا ما زاد على ذلك في بقية الأخبار على حال من يقول : اليوم أسافر .. غداً أسافر ، أو على احتمال انقضائها في أقل من أربعة .
الأول : أن أقصى مدة نزلها e يقصر الصلاة لو كانت حداً فاصلاً بين السفر والإقامة لبينها أوضح بيان شأنـها شأن بقية الأحكام الشرعية المحدودة بعدد من الأيام ؛ كمدة المسح على الخفين للمقيم والمسافر ، وعدة الآيسة والصغيرة والمتوفى عنها زوجها ، ومدة التربص في الإيلاء ، وعدد أيام الصيام في الكفارات الشرعية ؛ كالقتل والظهار والجماع في نهار رمضان وفدية الأذى للمحرم وكفارة اليمين ، هذه في الأيام .
أما غير الأيام من الأعداد في مقادير الأحكام الأخرى فأكثر من أن تحصى ، وذلك كمقدار صدقة الفطر ، وأنصباء الأموال الزكوية ، ومقدار الواجب في هذه الأنصباء ، وبيان مقدار حولها ، وغيرها كثير ؛ فما من أمر يكون العدد فيه مقصوداً إلا بُيِّن بأوضح كلام وأجلى عبارة .
وهذه الأحكام التي بُيِّنت أعدادها لا يُحتاج إليها كحاجة حد الإقامة ، بل كثير منها لا يحتاجه المرء في حياته إلا مرة واحدة ، وبعضها قد لا يحتاج إليها مطلقاً ، ومع ذلك كان لها هذا الحظ من البيان .
فلما لم تبين الشريعة مدة الإقامة التي تنتهي بـها أحكام السفر مع قرب مأخذها ، وسهولة بيانـها ، وعظم الحاجة إليها دلَّ ذلك كله على أن أعداد الأيام في ضبط الإقامة ـــ حداً مشتركاً لجميع الناس ـــ غير مرادة ، وأن سبيل ضبط ذلك هو شيء غيرُ الأيام ؛ فليُرجع فيه إلى أدلة الشريعة ليُستجلى ، ويُضبط بـه ما اختلف فيه الناس .
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في معرض نقضه على من قال بتحديد الإقامة بأربعة أيام قال : ( ولو كان هذا حداً فاصلاً بين المقيم والمسافر لبينـه للمسلمين ) [9] اهـ .
الثانـي : أنه eلم يقل لأصحابـه الذين رافقوه في حجته : إنه قصر الصلاة لأنـه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام ، وبيان هذا من أهم المهمات ، أفاده العلامة ابن القيم رحمه الله [10] .
الثالث : أنه لم يقل لمن جاء للحج قبله بيومٍ أو أ كثر ، أو جاء معه ونوى التأخر بعده إلى صبيحة عرفة لم يقل لـه : ليس لك الترخص ؛ لانقطاع إقامتك بنـية المكث أكثر من أربعة أيام ، رغم كثرتـهم وتواردهم من الأقطار لشهود حجته e وحاجتهم العظيمة للتعلم والفقه في الدين ، وحرصه العظيم على بيان الدين ، مع علمه بدنو أجله .
قال ابن تيمية عن قصر النبي e في حجة الوداع : (.. لكن من أين لهم أنه لو قدم صبح ثالثة وثانية كان يتم ، ويأمر أصحابـه بالإتمام ؟ ليس في قوله وعمله ما يدل على ذلك ) [11] .
الرابع : قال ابن تيمية : ( معلوم بالعادة أن ما كان يُفعل بمكة وتبوك لم يكن ينقضي في ثلاثة أيام ولا أربعة حتى يقال : إنـه كان يقول : اليوم أسافر غداً أسافر ، بل فَتَحَ مكةَ وأهلُها وما حولها كفار محاربون لـه ، وهي أعظم مدينة فتحها ، وبفتحها ذلت الأعداء ، وأسلمت العرب ، وسرّى السرايا إلى النواحي ينتظر قدومهم ، ومثل هذه الأمور مما يُعلم أنـها لا تنقضي في أربعة أيام .. ) [12] .
الخامس : أن تحديد الإقامة التي تنتهي بـها أحكام السفر مسألة عامة يحتاجها جميع الناس في جميع الأمكنة والأزمنة ، أما تحديد إقامة المهاجر في حديث العلاء هذا فهو خاص بالمهاجرين ، في خصوص زمان معين هو وقت حياتـهم ، في خصوص مكان معين هو مكة ؛ فهل يُظن أن تُعنى الشريعة بتحديد هذا مع خصوصه في الزمان والمكان والأشخاص ، وتدع بيان حد الإقامة مع عمومه لهذه الأحوال ؟
السادس : دل حديث العلاء t هذا على أنه ليس للمهاجر أن يقيم في مكة بعد قضاء نسكه أكثر من ثلاثة أيام ، أي أن من زاد على الثلاثة من المهاجرين عُدَّ مخالفاً للأمر ، بيد أن بعض الفقهاء الذين استدلوا به لتصحيح هذا القول جعلوا نـهاية الرخصة أربعة أيام ؛ فعليه لا مطابقة بين الدليل والمدلول عليه .
قال ابن تيمية في هذا المعنى : ( وقد رخَّص النبي e للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا ، والقصر في هذا جائز عند الجماعة ، وقد سمَّاه إقامة ، ورخَّص للمهاجر أن يقيمها ؛ فلو أراد المهاجر أن يقيم أكثر من ذلك بعد قضاء النسك لم يكن لـه ذلك ، وليس في هذا ما يدل على أن هذه المدة فرقُ ما بين المسافر والمقيم . . فعُلم أن هذا التحديد لا يتعلق بالقصر ، ولا بتحديد السفر ) [13] اهـ .
القول الثاني : أن هذا الحد هو خمسة عشر يوماً .
وهذا هو مذهب الحنفية .
واستدلوا لذلك بقول ابن عباس رضي الله عنهما : ( إذا قدمت بلدة وأنت مسافر ، وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يوماً أكمل الصلاة بـها ، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصرها ! ) .
ووجه الاستدلال بـهذا الأثر أن هذا لا يقال إلا عن توقيف .
وقد أجيب عن هذا الاستدلال بأنه غير مسلَّم لوجهين :
الأول : أن للرأي فيه مجالاً ؛ فلا يُعطى حكم الرفع .
الثانـي : أنه قد صحَّ عنهما ما يعارض هذا القول .
ويَرِدُ على هذا التحديد أيضاً ما أُورد على أدلة القول الأول .
القول الثالث : أن حد ذلك في قصر الصلاة هو مكث النازل عشرين يوماً .
وهو قول ابن حزم .
واستدل لذلك بقصر النبي e الصلاة في تبوك عشرين يوماً .
ووجهه أن أكثر مدة نزلها e وهو يقصر الصلاة هي ما ورد في هذه الغزوة ؛ فخرج هذا المقدار من الإقامة عن سائر الأوقات بـهذا الخبر .
ويَرِدُ على هذا القول ودليله ما ورد على أدلة القول الأول .
القول الرابع : أن المعتبر في تحديد الإقامة هنا هو العُرْف .
فمن سمَّاه الناس مسافراً فهو مسافر لـه الأخذ برخص السفر ، ومن سمَّوه مقيماً فهو مقيم لا رخصة لـه .
وهذا هو قول الإمام بن تيمية ، وسيأتـي تحرير قوله في آخر الرسالة ، وهو قول العلامة عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب . وعليه تُحمل طريقة السلف ، حيث يصح عن الصحابي الواحد أقوال متعددة .
واعتبار العرف في تحديد الإقامة في أسبابـها ـــ عدا المدة ـــ هو طريقة أكثر الفقهاء ؛ بل إن المدة نفسها تخضع عندهم لبعض الأسباب العرفية ، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى .
ودليل هذا القول هو قاعدة الأسماء المطلقة في الشريعة ، وهي : كل اسم ليس لـه حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف .
القول الخامس : أن من قيَّد إقامته بانتهاء عمل أو زمن فهو مسافر .
وهذا هو قول العلامة الشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين أثابه الله .
وبناء على ذلك فهو يرى أنه لا أثر للتأهل في ثبوت وصف الإقامة ؛ لأن النبي e اصطحب زوجاته في أسفاره ، ومع ذلك ترخص ، ولا أثر عنده لاتخاذ البيوت ؛ لأنـهم إنما يشترونـها لسكناها إلى انتهاء غرضهم فقط ؛ كما أنه لا يَعتبرُ أثراً لمدة المكث لعدم الفرق بين المدد في الشريعة.
ولذلك أفتى المغتربين من الطلبة والعمال الذين يقيدون نزولهم بنهاية وقت أو عمل بأنـهم مسافرون ، ولو علموا طول الإقامة .
وقد استدل أثابه الله لذلك من الكتاب بقول الله تعالى : "وَإِذَا ضَرَبْـتُمْ في الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ" الآية .
ووجه هذا الدليل أن الله أطلق الضرب في الأرض وعمَّم في وقته ، والضرب في الأرض هو السفر فيها ، والله تعالى يعلم أن من الضاربين في الأرض التاجر والمجاهد ، وأنـهما يحتاجان إلى نزول مدة ، ولم يستثن الله عز وجل ضارباً من ضارب ولا حالاً من حال ؛ فكل نزولٍ للمسافر مشمولٌ بـهذا العموم ؛ فيكون صاحبه مستحقاً للرخصة ، ولا يُستثنى من ذلك إلا المستوطن ، ومن نوى إقامة مطلقة .
ومن السنة : استدل أثابه الله بإقامة النبي e في مكة للحج ثم قال : ( ووجه الدلالة منه أن النبي e أقام إقامة لغرض الحج مقيدة بزمن معين ، وقد نواها من قبل بلا ريب ، ومع ذلك بقي يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة ؛ فدل ذلك على أن الإقامة لغرض معين متى انتهى منه رجع إلى وطنه لا ينقطع بـها حكمُ السفر . . ) اهـ .
واستدل من السنة كذلك بأن النبي e أقام في مكة عام الفتح وفي غزوة تبوك ، وأنه : ( . . قصر لأن العلة في الإقامتين واحدة وهي انتظار انتهاء ما أقام من أجله ) اهـ .
ومن آثار الصحابة والتابعين : استدل أثابه الله بأن بعض الصحابة رضي الله عنهم أقاموا بِرَامَهُرْمُز تسعة أشهر يقصرون الصلاة |