|
س : متى يحكم على المعين بالبدعة ؟ ومتى يهجر؟
ج : الحمد لله وحده ، أما بعد .. شرع الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال تعالى : "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون"، وألزم أهل العلم ببيان الحق الذي يعلمونه ، فقال جل شأنه : "وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه " الآية ، ومن أعظم المنكرات البدعة القادحة في أصل الدين التي يوجب ظهورها على أهل العلم بيان بطلانها والتحذير منها بالحجة والبيان ، فكان في هذا المنهج ما يغني عن كثير مما يخوض فيه الناس من تكلف وضع الحدود والعلامات على الأشخاص القائلين بهذه البدعة أو تلك .
والمتأمل في منهج الكتاب والسنة وطرائق السلف في ذلك يرى ما يؤيد هذا المنهج بوضوح وجلاء ؛ فهؤلاء المنافقون حوربوا في الكتاب والسنة ببيان العلم وفضح المناهج دون أن يكون الشخص محوراً لهذه الحرب ، وكذلك كان الصحابة رضي الله عنهم في التعامل مع أمثال هؤلاء ، فلهذا لا يحتاج المرء إلى كثير من المسائل التي انشغل بها المسلمون اليوم ؛ كتحديد من هو المبتدع ؟ وهل قامت الحجة عليه أو لا ؟ وما يترتب على ذلك عندهم من لزوم وصف المبتدع له ، أو عدم لزوم ذلك.
وهنا يجب أن نفرق بين حاجتنا لبعض أحكام الهجر والتضييق على المبتدع وبين الحاجة إلى قيام وصف البدعة في المعين أو عدم قيامه ، فقد نحتاج إلى تطبيق بعض أحكام الهجر المشروعة في زمان أو مكان يكون للهجر أثره في قطع شر المبتدع وردعه عن نشر بدعته ؛ فلا نحتاج ـ حينئذ ـ إلى قيام الحجة ، ولا أن نثبت أنه استحق وصف المبتدع أو لم يستحق ، وإنما يكفي في هذا ظهور القول المخالف للسنة ، ووجود القائل ، وعدم وجود معارض أرجح من هجره والتضييق عليه فحينئذ يُتخذ ما تقتضيه المصلحة الراجحة ؛ فيتحقق بذلك مقصود الشريعة من سنة الهجر دون أن نحتاج إلى مثل هذه الأحكام وتلك التقريرات .
فإذا وجد منهج البيان العلمي العام ، ووجد الإنكار على كل قول يُشرع فيه الإنكار ، وطُبقت سنة الهجر حسب مقاصد الشريعة ؛ فلم تعد هناك حاجة عملية للتحقق من انطباق اسم أو صفة لأي عاص أو مبتدع .
وإنما عرض الفقهاء في كتبهم لأحكام وصف المبتدع أو الفاسق في مسائل تتعلق بباب النكاح في تزوج المبتدع ، وقبول شهادة المبتدع والفاسق في باب القضاء مما كان الغرض في إيراده إنما هو الحكام من القضاة والأمراء ؛ فظن بعض المتفقهة وكثير من الناس أنهم محتاجون إلى هذه الأحكام ؛ ليجعلوها وصفاً ملازماً لمخالفيهم ممن ارتكب معصية أو بدعة ؛ فرأى الواحد منهم أنه يحتاج في حياته اليومية أن يقول: جاء الفاسق وذهب ، أو : قال المبتدع وفعل .
وقد تتبعت كلام بعض العلماء الذين ناظروا على منهج أهل السنة والجماعة ، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تتبعت كلامه حول من قال بمقالة خطيرة من الفلاسفة وغلاة المتصوفة فلم أره يجعل يذكر وصف المبتدع عند ورد اسمه ، بل كان يكني بعضهم ويذكر ألقاب بعضهم كفخر الدين.
والمفسدة العظمى هنا أن الحديث في هذه المسائل لم يزاحم سائر مهمات مسائل الدين ؛ بل زاحم البحث العلمي الرصين لحرب البدعة بالحجة والبرهان ، وصارت الخسائر فادحة .
والله تعالى أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
|