: محاضرات
طباعة

  : محاضرات  
استماع تحميل PDF
  أغنى الناس  


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

أحبتي في الله: بدايةً أشكر لكم حضوركم ونسأل الله عز وجل أن يجعل مجلسنا هذا روضة من رياض الجنة، وأن يجعل ما نقول وما نسمع حجةً لنا يوم نلقاه، اللهم صل على محمد، وأُثني بالشكر إدارة المساجد والأوقاف والدعوة والإرشاد بالأحساء لحرصها وتنظيمها مثل هذه المحاضرات واللقاءات، وأخص وأؤكد بالشكر الاخوة الذين تعاونوا مع مركز الدعوة في تنظيم هذه المحاضرات، جزاهم الله عز وجل أعظم الجزاء وأجزله.

إخواني في الله: حديث هذه الليلة، هو حديث عن الغنى، هو حديث عن القناعة، هو حديث عن السعادة في الدنيا وعن السعادة في الآخرة، وقد أجملت حديث هذه الليلة في وقفات سبع:

الأولى: حقيقة الغنى والقناعة.

الثانية: لمن حديث القناعة.

الثالثة: ميادين هذه القناعة.

الرابعة: حاجتنا إلى هذا الحديث.

الخامسة: وبضدها تتميز الأشياء.

السادسة: شباك الحرص.

السابعة: كيف السبيل إلى الغنى أو قل من هو أغنى الناس.

الوقفة الأولى: حقيقة القناعة:

كيف تعرف القناعة؟ كيف تحدها؟ كيف تتصورها؟.

كثيرٌ من مصطلحات الشريعة وألفاظها تُفسر أحيانا بثمارها ونتائجها، فالنبي r حين عرف الكبر ما قال الكبر حالة نفسية من الاستعلاء وكذا وكذا..إلخ، مما يوصف به عمل القلب، لكنه عرفه بثمرته ونتيجته، فقال: "الكبر بطر الحق وغمط الناس".

حقيقة القناعة حقيقة عظيمة متى تجلت في القلب وتمكنت في النفس أورثت لذة عظيمة وسعادة كبيرة.

كيف نتصور القناعة؟

تأمل لو أنك شاهدت عاملاً لا يتجاوز مرتبه خمسمائة ريال، رأيته يقوم بتنظيف سيارة تساوي قيمتها أكثر من خمسمائة ألف ريال، سيارة فارهة، هل ترى هذا العامل وهو ينظف هذه السيارة هل تراه يحدث نفسه أن يحصل على هذه السيارة؟ لعل جوابك أن تقول كيف يفكر في تحصيلها والسيارة أكثر من مرتبه ألف مرة، وهو أيضاً لا يستطيع أن يشتريها إلا إذا ما أنفق راتبه كاملاً على مدى ثمانين سنة، ولو فرضت أيضاً أنه لا يوفر إلا نصف هذا الراتب فهو يحتاج إلى مائة وستين سنة حتى يملك هذه السيارة، لعلك أن تقول عمراً مديداً حتى يتمكن من ملكية هذه السيارة، كيف تكون نظرته إلى  هذه السيارة؟ ستقول بلا شك إن هذا العامل لا يفكر بتحصيلها، لماذا؟ لأنه أيس من ذلك فنخلص من هذا بكل سهولة ويسر أن القناعة لا تكون إلا باليأس مما في أيدي الناس، وإذا أردنا أن نكون أهل قناعة تامة وغنى كامل فليكن يأسنا مما في أيدي الناس هو تمام العبودية لله عز وجل، وأن يكون على قدر يأس ذلك العامل أو قريباً منه.

لذلك قال العلماء- رحمة الله تعالى عليهم- في تعريف القناعة: إن حقيقة القناعة هو ترك التشوق إلى المفقود والاستغناء بالموجود، وعكس القناعة هو الحرص والطمع، فالقناعة إذاً هي أدنى مرتبةً من الزهد، دائماً العبارات الزهد القناعة...إلخ، بعض الناس يقول إنها بمعنى واحد، لا، القناعة أدنى مرتبة من الزهد بمعنى أن الزهد هو أعلى منها وأكمل وأتم عند الله عز وجل، لماذا؟ لأن المرء لا ينال مرتبة الزهد إلا إذا تخفف من الفضول، فإذا كان إنسان عنده خمسمائة ألف ريال وهو يكفيه أربعمائة ألف ريال مثلاً لمعاشه، فإن عليه حتى يكون زاهداً أن يتخلص من هذا القدر الزائد عن حاجته وكفايته، ولكن بينما أن القناعة هي أن يتساوى مدخله مع مصرفه، هو يستلم مرتبا وقدره مثلاً خمسة آلاف ريال ثم هو أيضاً ينفق فقط خمسة آلاف ريال هذا يسميه الناس قنوعاً أو قانعاً.

لذلك عرفها بعض العلماء أيضاً بأنها الاقتصار على الكفاف، أو هي تسوية المدخل مع المصرف، فتكون النفس لا تتشوق إلى مستوى معيشة أكثر من دخلها وإنما يكتفي من ذلك بمصرفه فلا يتجاوزها إلى غيره.

الوقفة الثانية: لمن حديث القناعة:

حديث القناعة ليس حديثاً إلى الفقراء والمساكين والمعدمين، كما يظن كثيرٌ من الناس ولكنه موجه إلى الأغنياء بشكل أكثر وأكثر، أما الفقير فحديث القناعة إليه مهم، ولكنه ليس بأهم من حديث القناعة إلى الأغنياء، لأن الإمكانات المتاحة عند الفقير للتحرك بدنياه ضئيلة يسيرة، فهو لا يستطيع أن يقترض، لا يستطيع أن يأخذ زائداً عن حاجته، فالناس لا يساعدونه في الغالب ولا يقرضونه، ولا يبيعونه لا سيما إذا كان بأجل، ولكن الغني عنده مرتب جيد أو عنده دخول جيدة، فإن الناس يثقون بقدرته وملاءته، فهذا هو الذي يمكن أن يستلف ويقترض ويتوسع وهو الذي يستطيع في الغالب أن ينفق أكثر من ما يدخل عليه، لذلك يقول أبو عثمان النهدي- رحمه الله-: زهد الأغنياء في القناعة، وزهد الفقراء أن لا يريدوا خلاف حالتهم.

الوقفة الثالثة: ميادين غنى النفس:

القناعة والغنى ليس كما يظن كثير من الناس أنه القناعة بالقليل من المال، ولكن لها ميادين أخر، فمنها:

القناعة بالخلق في حسن صورته وجماله، فبعض الناس لا يقنع بما آتاه الله من خلق فتراه يسعى إلى تغيير صورته التي خلقه الله عز وجل عليها، وقد ظهرت أحبتي في الله ثورة مسعورة باتجاه ما يسمى بعيادات التجميل، سبق هذه الثورة دعايات مضللة من هذه العيادات لتغيير ملامح الوجه وكان هناك سُعارٌ من الناس لا ينتهي من التسخط من مقادير الله تعالى وعدم القناعة بما قسم الله عز وجل لعبده من خلق وصورة، وأنا لا أعني بعمليات التجميل التي تكون إثر حوادث المرور أو إثر الحروق، أو الندوب أو تشوهات الأجنة التي تعيد الحال إلى ما كان عليه الأمر قبل الإصابة، فهذا القدر قدر جائز لا إشكال فيه، ولكن الغالب فيما يقع فيه الناس هو أنهم يريدون تغيير أصل الخلقة إلى صورة يتمنونها هم، حتى وُجد في دعايات مراكز التجميل التي تعرض في الصحف وغيرها وجد فيها انظر إلى صورتك الجديدة في شاشة الحاسوب، هذا مجال نحتاج فيه إلى القناعة وغنى النفس بما قسم الله عز وجل ورزق وقدر.

ومن مجالات غنى النفس وهي أيضاً من مجالات فقرها الجاه، وهو لا شك- أعني الجاه من نعم الله عز وجل على عبده، وهو أن يجعله ذا مكانة وشرف، وقد صح في الحديث أن الله عز وجل يعرِّف عبده بنعمه كما في صحيح مسلمٍ قال: "ألم أجعل ترأس؟"، ولكن بعض الناس لا يقنع بما آتاه الله عز وجل من شرف ومكانة فتراه يسعى إلى هذا الجاه بالحرص والطمع وتتبع الطرق المحرمة التي لا ترضي الله عز وجل في تحصيل ذلكم الجاه وهذا الشرف.

ومن ميادين القناعة وغنى النفس، شهوة الفرج، فالإنسان قد لا يقنع بما رزقه الله عز وجل من زوجة، فتراه يتطلع إلى الحرام من الشهوات، أو تراه يتطلع إلى زواج مباح آخر ولكنه لا يرعى فيه حقوق إحدى زوجاته، أو أنه لا يستطيع أن يُنفق عليهما جميعاً، فهنا اتجه الإنسان بشهوته إن كانت محرمة إلى غير القناعة بما قسم الله عز وجل له من رزق، وما قسم الله عز وجل له من حُكمٍ وحِكمٍ وأقضية في شرع الله عز وجل، أو أن يعدد الزوجات من غير حاجة إلى الإعفاف ومن غير حاجة إلى الولد في الوقت الذي لا يستطيع فيه القيام بحقوق هؤلاء الزوجات وإنما هو التشهي، فهي إذاً نقصٌ في القناعة والإنسان ما خُلق بهيمياً، وبعض الناس يقول في قضية تعدد الزوجات بأنه مندوب مستحب، وهذا الحكم غير صحيح على إطلاقه، إذا كان العلماء- رحمة الله تعالى عليهم- قد قالوا: بأن الزواج في أصله، أي الزواج بالواحدة، أنه تعتريه الأحكام الخمسة بمعنى قد يكون واجباً وقد يكون محرماً، وقد يكون مباحاً، وقد يكون مكروهاً ...إلخ.

فمن باب أولى أن الزواج الثاني أيضاً وإن كان في أصله مباحاً تعتريه هذه الأحكام، فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يقوم بواجب زوجاته الجسمية وحقوق إعالة هذه الأسرة ولم يأخذ هذا إلا لمجرد التشهي فقط ولا حاجة له في إعفاف ولا حاجة له في ولد فلا شك ولا ريب أن هذا قد جاوز حد القناعة ودخل في ميدان فقر النفس في شهوة الفرج، هذه شيء من مجالات غنى النفس وفقرها.

الوقفة  الرابعة: حاجتنا إلى هذا الحديث:

أحبتي في الله: ليست الحاجة لهذا الحديث هي من أجل تكميلات أخلاقية، وإنما حديث القناعة هو جزء من مهمة الإنسان في هذا الكون وهي عبادة الله عز وجل: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، نحن نحتاج إلى هذا الحديث لتحقيق غاياتٍ مهمة منها:

أولاً: تحقيق العبودية لله عز وجل: فمن كان فقيراً إلا ما في أيدي الناس من الشهوات نقصت ذلك من عبوديته لله عز وجل بقدر ما أخذت منه تلك الشهوات وهذه المحبوبات.

لذلك كان من أعظم أنواع العبادة لله عز وجل الدعاء وهو الحاجة إلى الله عز وجل (وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين)، وفي الدعاء افتقارٌ إلى الله عز وجل، واستغناء عما سواه، وفي الحديث: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"، وأعظم العبادة أن يفتقر المرء إلى رحمة ربه وفضله ورضوانه، ومتى ما كان افتقاره إلى غيره نقص من عبوديته بقدر ما نقص، ليست تكميلات أخلاقية ولكنها جزءٌ من إيماننا وعبوديتنا لله عز وجل.

فالقناعة إذاً تحقيقٌ لعبودية الله وتذليلٌ للنفس وترك للذل للخلق، ذلٌ للخلق من أجل تحقيق شيء من مطامع هذه الدنيا.

ثانياً: نحن نحتاج إلى هذا الحديث لأن القناعة سعادة، والسعادة في هذه الدنيا هي مطلب كل إنسان، فالناس يتهافتون على هذه المحبوبات، الخلق، المال، الجاه، شهوة الفرج، وغيرها من المطامع، يبحثون عن السعادة في هذه المجالات بينما أن السعادة هي في غنى النفس والاستغناء بما قسم الله عز وجل لعبده من رزق.

القناعة سعادة لأن فيها عزة بالاستغناء عن الناس، ووالله كفى الإنسان ملكاً وعزةً ومقاماً أن يكون مستغنياً عن خلق الله عز وجل، كان الخليل بن أحمد- رحمه الله- من الزهاد المنقطعين للعلم ومن خيار عباد الله المتقشفين، أرسل إليه أحد الأمراء يوماً وهو سليمان بن الحبيب المهلبي وكان قد ولي وصار حاكماً، وكان رفيقاً له وصديقاً قبل ذلك، فأرسل إليه أن تعال وشاركنا فيما نحن فيه ونثر رسوله بين يديه أموالاً كثيرة إغراءً له، فكتب إليه أبياتاً على البديهة قال فيها:

أبلغ سليمان أني منه في سعة

 

وفي غنى غير أني لست ذا مال

شحاً بنفسي أني لا أرى أحداً

 

يموت هزلاً ولا يبقى على حال

والرزق عن قدر لا الضغف ينقصه

 

ولا يزيدن فيه حول محتال

والرزق يغشى أناساً لا طباخ لهم

 

كالسيل يغشى أصول الدندن البالي

كل امرئ بسبيل الموت مرتهن

 

فاعمل لبالك إني شاغل بالي

والفقر في النفس لا في المال نعرفه

 

ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال

وعن الشافعي- رحمه الله-  وحديثنا عن السعادة بالعزة-

يقول رحمه الله:

عزيز النفس من لزم القناعة

 

ولم يكشف لمخلوق قناعه

أنالته القناعة كل عز

 

وأي غنى أعز من القناعة

فصيرها بنفسك رأس مال

 

وصير بعدها التقوى بضاعة

والناس- أحبتي في الله- إنما يسعون للمال من أجل الاستغناء عن الناس ومن أجل تحصيل العزة والهرب من المذلة؟

قال الشافعي- رحمه الله-:

أمطري لؤلؤاً جبال سرنديدٍ

 

وفيضي آبار تبريز تبرا

أنا إن عشت لست أعدم قوتا

 

ولئن مت لست أعدم قبرا

همتي همة الملوك ونفسي

 

نفس حرٍ ترى المذلة كفرا

وإذا ما رضيت بالقوت عمري

 

فلماذا أخاف زيداً وعمرا

ثالثاً: نحن نحتاج إلى هذا الحديث لأن في القناعة تلذذاً بالمباح، واستمتاعاً بالمتاح، فمن أكل المتواضع من الطعام، وتذكر وهو يأكل هذا الطعام المتواضع تذكر أن هناك من لا يجد ذواقاً وهناك من تغضن جلده على عظامه من شدة الفقر والمسكنة، حين يتذكر ذلك ويرى متوسط الطعام المتواضع حين يتذكره كان لطعامه لذة الملوك.

وفي المقابل من أكل أطايب الطعام وهو ينظر إلى من هو أحسن منه حالاً أحس بالحرمان والمرارة تسري في حلقه فلا يهنأ بعيش ولا يفرح بمتاع.

رابعاً: نحن نحتاج إلى هذا الحديث لأن في القناعة محبة الله عز وجل حين تكون الذلة لله عز وجل وحده، وفيها محبة الناس لك، حين يكون اغتناؤك عنهم.

خامساً: نحن نحتاج إلى هذا الحديث لأن في القناعة حرية النفس.

قال ابن شيبان- رحمه الله-: الشرف في التواضع والعز في التقوى والحرية في القناعة.

قال الإمام ابن تيمية- رحمه الله-: وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته، قويت عبوديته له، وحريته عما سواه، فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له فيأسه منه يوجب غنى قلبه عنه.

قال الشاعر:

أطعت مطامعي فاستعبدتني

 

ولو أني قنعت لكنت حرا

سادساً: نحن نحتاج إلى هذا الحديث لأن في القناعة توحد الهموم، وذهاب القلق.

قال الشافعي- رحمه الله-: التواضع يورث المحبة، والقناعة تورث الراحة. انتهى كلامه رحمه الله.

فإذا كثرت معبودات الإنسان وكثر طمعه من أجل تحصيلها أصبح من أكثر الناس قلقاً وهماً، كيف يكون قلقاً؟ كيف يكون مهموماً؟ كيف توحد همومه؟ انظر إلى حاله، هذا الجاه يحرص على تحصيله، بل من أجل تحصيله يرتكب الحلال والحرام، والصحيح والخطأ، ثم هناك أيضاً طمع آخر وهناك حرص آخر، وهناك فقر آخر، مع زوجته ومع ولده ومع ماله، ومع تجارته، ومع رئيسه، .....إلخ.

ومن جعل هذه المطامع، وأماكن الحرص هي رأس ماله، وهي غاية هدفه، تفرقت به الهموم، وتشتت به الغايات، روى الترمذي بسندٍ صحيح من حديث أنس t أن النبي r قال: "من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له"، وروى ابن ماجه بسندٍ جيد عن عبد الله بن مسعود t أن النبي r قال: "من جعل الهموم هماً واحداً هم المعاد كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا، لم يبالي في أي أوديتها هلك".

فالقناعة راحة وسعادة وهي من تمام العبودية لله، وقد قال الشاعر:

هي القناعة لا تبغي لها بدلا

 

فيها النعيم وفيها راحة البدن

انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها

 

هل راح منها بغير القطن والكفن

وقال الآخر:

لا تغبطن أخا حرص على سعة

 

وانظر إليه بعين الماقت القالي

إن الحريص لمشغول بثروته

 

عن السرور بما يحوي من المال

وقد جاء مصداق ذلك في كتاب الله عز وجل، فقد ذكر المفسرون- رحمة الله تعالى عليهم- في قول الله عز وجل: (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى)، ذكر المفسرون بأن المتاع الحسن إلى الأجل المسمى هو القناعة، لأن من قنع رضي بما قسم الله عز وجل له، وتوحدت همومه، ولم تتشتت به الرغبات والأهداف في كل وادٍ ومكان.

وقال المفسرون أيضاً في قول الله عز وجل: (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة)، قال المفسرون: إن الحياة الطيبة هي القناعة، جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، والحسن البصري- رحمة الله تعالى عليه.

لذلك وحديثنا الآن هو عن  حاجتنا إلى حديث القناعة، لذلك سماها النبي r فلاحاً فقد صح عنه r أنه قال: "قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافاً وقنعّه الله بما آتاه".

وأظن- والله أعلم- أن مقالة السلف حين قالوا: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن عليه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف. بعض الناس يأولها بأنها سعادة قيام الليل وهي سعادة بلا ريب، وبأنها سعادة البذل ونفع الناس، وبذل الخير ونشر العلم، وهي سعادة ولا ريب، ولكن السعادة التي يبحث عنها الملوك هي سعادة الدنيا، ومن كان صالحاً قانعاً بما رزقه الله عز وجل من رزق، غنياً بإغناء الله عز وجل له، كان من أعظم الناس سعادة، فلا هموم تشتته، ولا غايات تفرقه، عن مراد الله عز وجل ولا حتى عن لذائذ دنياه.

الوقفة الخامسة: وبضدها تتميز الأشياء:

إخواني في الله: إذا كانت القناعة وغنى النفس فيه كمال العبودية لله، وفيها أيضاً السعادة في هذه الدنيا فإن ضد القناعة هي الحرص والطمع فلا بد أن نعرف الضد حتى يتبين بحسنه الضد الآخر.

من سيئات الحرص والطمع وفقر النفس:

أولاً: سوء الظن بالله: إذا بلغ به الحرص إلى هم وقلق يومي، وبلغ به الحريص على تحصيل هذه الدنيا إلى أن يقضي وقته في سحابة نهاره أن يقضيه في تحصيل هذه الدنيا فإذا بحث عن قراءة وطلب علم وعبادة ودعوة وطاعة وعمل خالص لله عز وجل وبر وصلة ما وجد شيئاً، فهو مشغول بدنياه هذا هو الحريص، ليس الحريص الذي يتابع أموره حتى يحصل له الكفاف في رزقه ومعاشه، وربما بحث وربما سافر وربما تعب لا حرج في ذلك إن شاء الله، ولكن القضية هو أن يحرص على أن يزيد عن كفافه أولاً، هذا هو الحرص والطمع، الأمر الثاني: يؤدي به ذلك إلى ترك الواجبات، وفرائض الله عز وجل وشرائعه عز وجل، فهو إذا فعل ذلك أساء الظن بالله عز وجل، لأنه لم يرض بما قسم الله عز وجل له، وهذا من أعظم سوء الظن.

ثانياً: حمى متابعة الشهوة: فالإنسان كلما لاحت له شهوة وكان قد عود نفسه على  متابعة كل الشهوات في أي مكان كانت، ذهب إلى شهوة أخرى، إذا كان قد أطلق لنفسه العنان، أطلق رسن دابته، فكلما رأى شيئا يذهب إلى شهوة جديدة، لاحت له شهوة مال أخذها ثم لاحت له أخرى ذهب إليها، وكل ما أخذ الإنسان من دنياه طمع في المزيد، بل إن أحدهم قال إن الإنسان إذا تزوج الثانية صار مزواجاً، وإذا أكثر من تناول الشهوات كان لما هو أكثر منها أشد حرصاً وطمعاً فيها.

إذاً من عواقب الحرص والطمع الذي هو عكس القناعة، هي قضية هذه الحمى والتوتر والقلق الذي يصيب الإنسان في متابعة الشهوات، لذلك لا ضير ولا عجب أنك ترى أمثال هؤلاء الناس تجد أن بهم سُعار لا ينتهي في المتابعة، فبعضهم يجدد السيارة كل سنة أو سنة ونصف، وبعضهم يجدد الأثاث كل سنة أو كل سنة ونصف، وبعضهم وبعضهم ..إلخ، لا هم له منه دنياه إلا أن يتلذذ فقط، وأن يحصل له من دنياه هذه اللذة، فلذلك كلما حصل على لذة ورأى غيره قد حصل على ما هو أحسن منها بل أحياناً مثلها أصابته الغيرة، وأصابه الحرص والطمع، أي نفسية مستقرة يعيشها الإنسان وهو على هذه الحال؟ لا شك أن هذه من العواقب الوخيمة لقضية الحرص والطمع.

ثالثاً: من عواقب الحرص أنه يؤدي إلى الحسد، فأكثر أهل الحرص تراه حاسداً للناس، يتمنى زوال نعمة الله عنهم، ولا يفرح لفرحهم ولا يفرح بنعمة الله عز وجل عليهم، لماذا؟ لأنه دائم التركيز على ما في أيدي الناس من رزق ونعمة لله عز وجل، فمن أكثر التركيز في شيء تمناه، فعاش بتلك الطريقة فأورثه ذلك حسداً في قلبه يأكل فؤاده ناراً، نسأل الله السلامة والعافية.

رابعاً: ومن عواقب الحرص أنه أيضاً يغذي الغل.

خامساً: ومن عواقب الحرص أنه يكسب عداوة الناس، فكثير من أصحاب المطامع وأصحاب الحرص لا بد أن يخاصم الناس ولا بد أن ينافسهم، لذلك ترى أن أعداءهم كثيرين، لذلك ترى صاحب الحرص والطمع إذا دخل مجالس الناس فإنه يتمنى في غالب هذه المجالس أنه ما لقي فلانا، وإذا دخل مجلسا وجد فلانا من الناس اغتاظ، وتغير، وفي المجلس الثاني مثله والثالث مثله...إلخ، حياته على العداواة لماذا؟ لأنه ينافس الناس على الشهوات بكثرة حرصه وطمعه، بينما صاحب الآخرة، الذي جعل الهم هماً واحداً لا يبالي من لقي من الناس، ومن لقيه لقيه هاشاً باشاً طيب النفس حسن السيرة، أي سعادة ينالها الإنسان باستغنائه بغنى الله عز وجل.

سادساً: من عواقب الحرص أنه يؤدي إلى الشح والتقصي في المعاملة، فإذا كان حريصاً شحيحاً أخذ يتقصى في البيع، في المماكسة وفي تأخير مصالح الناس في البيع والشراء، وغيرها من المعاملات كله من أجل هذا التقصي، وكان السلف أكثر الناس سماحةً حتى روي عن الحسن البصري أنه إذا اشترى سلعة زاد صاحبه ثلثها، وبعض الناس يتقصى رغم أن الله عز وجل قد أغناه وأيسر عليه، والنبي r يقول: "رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى"، وهكذا تورده هذه القناعة، وهذه السهولة النفسية محبة في قلب خلق الله عز وجل، وأيُّ سعادة إذا كان الإنسان يعيش بين جماهير المحبة الذين كلما رأوه أحبوه، وكلما رأوه أثنوا عليه خيراً في مغيبه ومحضره وإنما يتنافس الناس على مثل ذلك.

ولذلك ترى أن أصحاب الحرص والشح والطمع لا يعرفون هذه المقامات الربانية، بل يسمون الحرص الشح ذكاءً وفطنة وشطارة، بينما يسميها الربانيون سماحة نفس، وراحة بدن، وهي أيضاً قبل ذلك كله هي رضى الله عز وجل، والعبودية له سبحانه لا لسواه.

سابعاً: من عواقب الحرص أنها تؤول إلى مهانة السؤال، فتجد أحياناً أن أغنياء بلغت ثرواتهم عشرات الملايين تجده قد يحتاج في أحيان كثيرة إلى أن يقترض لتمويل مشاريع الحرص والطمع، هكذا وهذا قد وجد وهو ليس بالقليل، هو من أغنى الناس لكنه في الحقيقة من أفقر الناس، لأنه يقيم مشاريع لا يستطيع أن يقيمها، عنده ربما عشرة ملايين ريال لكن يقيم مشروعا بخمسة عشر مليون ريال، لماذا؟ طمع وحرص، بدل أن يقيم دورين يقيم عشرة أدوار، كله من أجل المزيد من التكسب ولا مانع عنده بعد ذلك أن يذل نفسه ويمتهنها من أجل حرصه وطمعه، وقد قيل: استغن عن من شئت تكن نظيره، وأقبل على من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره، وقد قال r: "ما تزال المسألة في أحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم"، هذا الحديث ليس حديثاً للأغنياء لجلد الفقراء والمساكين يقول اسمعوا لهذه المقالات فلا تسألوا ولا تقترضوا، لا، هذا هو الحديث للأغنياء وليس حديثاً للفقراء أيضاً، والفقير قد يحتاج وقد يحتاج أيضاً حاجة حقيقية، وقد يحتاج وهو غير قانع، فيكون حديثنا موجها إليه، ولكن أعود فأقول ليس حديثاً للأغنياء لجلد الفقراء وللتثريب عليهم وعتابهم على مسألتهم، ولكنه حديث للأغنياء بأن لا يريدوا خلاف حالتهم وأن لا يزيدوا في مصرفهم على موردهم.

ثامناً: من عواقب الحرص أنه يمنع المرء من الصدقة ونفع الناس، لأنه يرى نفسه دائم الحاجة إلى المال فكيف يتصدق، كثيرٌ من الناس يشتكي يقول أنا قليل الصدقة، السبب هو فقر النفس ربما يستلم مرتبا عاليا ولكنه إذا جاء في آخر الشهر ما وجد شيئاً، وقد عود نفسه في نهاية كل شهر أنه لا يجد من مرتبه شيئاً، فإذاً كيف يتصدق من مرتبه في أول الشهر، فيمن عواقبه أنه يشعر النفس أنه مثل الفقير، ربما يستلم ثمانية آلاف أو عشرة آلاف ولكن مثل الذي يأخذ ألفا وخمسمائة تماماً بتمام وسواء بسواء.

ولو طلب منه مقتطع شهري لا يتجاوز واحدا في المائة من مرتبه لامتنع من ذلك، لماذا؟ لأنه يرى نفسه أنه محتاج إلى الاقتراض في آخر الشهر فكيف يتصدق؟ والسبب هي الفوضى المالية، وليس مجرد الحاجة، اما من كان مرتبه لا يكفيه لحاجته الأساسية فهذا لا شك أنه من الفقراء نسأل الله عز وجل له الإعانة وسداد الحاجة.

الوقفة السادسة: شباك الحرص:

الحرص مهلكة ورأينا في ذلك كلام الله عز وجل وكلام رسوله r وكلام سلف الأمة، فكيف نعرف شباك الحرص التي ينصبها الشيطان ويضع عليها القش لنقع فيها ثم نقع في فقر النفس؟

للحرص أسبابٌ وشباك إذا وقع فيها المرء وقع في فقر النفس وقلة القناعة، فمن أسباب الحرص والطمع:

أولاً: المكاثرة والمباهاة: فهي تجعل المرء فقير النفس دائم الفقر، لأنه يريد أن يكون أحسن الناس حالاً حتى وإن كان ماله لا يعينه لأن يكون أحسن الناس حالاً، فهو يريد أن يلبس أحسن مما يلبس الناس، ويأكل أحسن مما يأكلون، ويركب أحسن مما يركبون، وهو يقول: أنا أريد أن أفعل لزواج ابنتي أو زواج ولدي كما فعل فلان الفلاني من الناس، وهكذا لا يزال يلهث حتى يقع في فقر النفس وتذللها وحاجتها إلى الآخرين، إذاً كانت المباهاة سبباً من أسباب الحرص والطمع.

ثانياً: الجرعة الأولى: ما هي الجرعة الأولى التي تتبعها جرعات؟ إنها القرض الأول، فمتى ما هان عليه الاقتراض في المرة الأولى صار في المرة الثانية أهون، وهكذا حتى تراه يقترض في جميع حاجاته، حتى لو لم تكن ضرورية ولو كان مرتبه في اليوم ألف ريال لرأيت أيضاً أنه يصرف هذه الألف أو يزيد.

إذا كان قد عود نفسه على الاقتراض فيحنها يرى أن ما في أيدي الناس من خير ورزق أنه جزءٌ من ماله، فكأنما في أيديهم جزءٌ من رصيده البنكي، فلان غني وعنده مال، فمعناه عندي فأنا مبسوط مطمئن كأنه رصيده الخاص في البنك، وما هي النتيجة؟ النتيجة أن أصرف، والنتيجة أن أحتاج مرة أخرى إلى فلان وفلان.

نعود ونقول أيضاً ليس المقصود بها جلد الفقراء، ولكنها من كان عنده دخل جيد ويكفيه في العادة ولكنه يبدده أو- كما يقولون- لا أدري في آخر الشهر ماذا فعلت.

ومن هذه الجرعات المماطلة في رد الحقوق، لماذا لا يسدد القروض والديون التي عليه؟ من أجل التكاثر بالأموال، فإذا عود نفسه على المماطلة في المرة الأولى الجرعة الأولى، بعدين، ما عندي الآن، أنا مشغول، أنا مرتبط عندي التزامات مالية، أخذ الجرعة الأولى تعود على المذلة وتعود على أن لا يرد الحقوق إلى أهلها، فمعناه إذا ما توفر من دخله وراتبه شيء وعليه التزامات صرفها، بينما لو جعل في الحسبان أنه يسدد الديون التي عليه والالتزامات التي التزم بها للناس، كان ذلك سبيلاً لحفظ حقه وحق الناس والقناعة بما قسم الله عز وجل له من رزق، حتى صارت له هذه المماطلة خلقاً وديدناً.

من يهن يسهل الهوان عليه

 

ما لجرحٍ بميتٍ إيلام

 هو لا يرد الحقوق إلى أهلها لماذا؟ لأن عنده مشروع تجاري، لأنه يريد أن يتزوج أو يزوج ابنه زواجاً يليق بالمقام، لأن عنده مشروع لتجديد الأثاث، فلا يزال يعبث بأموال الناس حرصاً وطمعاً ومباهاةً لخلق الله عز وجل، وكان سببه الجرعة الأولى حين تساهل في رد الحقوق، ولو أنه كان حازماً مع نفسه في المرة الأولى لوجد في نفسه حرجاً شديداً من بقاء حقوق الناس في ذمته، ولسعى بعد ذلك أيضاً إلى الاقتصاد والصبر على دنياه.

ثالثاً: الفوضى المالية: حيث ينتج من هذا الفوضى خلو الجيب من المال ومن ثم يؤدي ذلك إلى التطلع إلا ما في أيدي الناس فيؤدي به ذلك إلى الفوضى المالية وله مظاهر متعددة منها:

إدمان التسوق: فتجد أن بعض الناس مرتبه جيد، ولكن إذا جاء في آخر الشهر اقترض أو استدان، لماذا؟ هي فوضى مالية، لماذا أيضاً" لأنه يشترى ما لا يحتاج إليه ومن اشترى ما لا يحتاج إليه باع ما يحتاج إليه.

حدثني أحد الأفاضل أن شخصاً فقيراً لا يجد دخلاً وكان يلبس كبد بألف وخمسمائة ريال، وحين احتاج مرة أراد أن يبيعه بأزهد الأثمان هو اشتراه ليباهي طبعاً هذه صورة مقيتة أنا أتوقع إن شاء الله أن هذه ليست حالة عامة، فهي مثال شاذ وسيئ حتى لا نظن أن حالة عدم القناعة هي حالة هذا الشخص، لا، نحن نتكلم بأقل منها بكثير بكثير، ولكنه تباهى للناس ثم احتاج بعد ذلك إلى هؤلاء الناس أو احتاج إلى أن يبيع هذه السلعة الغالية.

إدمان التسوق،تعطيه ربة البيت- أم العيال- قائمة من ستة بنود تساوي مائة وخمسين، مائتين، مائتين وخمسين ريال، هذا- كما يقولون- أغراض آخر الشهر أو أول الشهر، فيدخل بدل مائتين وخمسين ريال التي هي حاجة البيت تماماً يخرج وقد اشترى بخمسمائة أو ستمائة ريال، وهو يقول هذا ربما أحتاجه وهذا ربما كذا وكذا، فإذا جاء في آخر الشهر فإذا هو يحتاج إلى الناس.

ومن الفوضى المالية عدم ترتيب الأولويات: فتراه ينفق النفقة الكثيرة على التوافه، فإذا جاءت الحاجات الأساسية وجدته خالي الجيب فيضطر في نهايته للاستدانة أو يضطر إلى الاقتراض فيفتقر إلى ما في أيدي الناس.

رابعاً: الكرم المزيف: الكرم المزيف؟ نعم هناك كرم مزيف وأنا أسميه على سبيل التنزل وإلا فهو إسراف وتضييع وتبذير، لأن الكرم الحقيقي الذي عرفه بعض آبائنا وعرفه أجدادنا حين يأتي الضيف فيذبحوا الناقة فيأتدم بها أهل قرية كاملة، بل حدثتني جدتي أنهم يأخذون العظام فيطبخونها أشهراً، حتى يجدوا طعم العظام الذي يشبه اللحم، يجدوه في مأكلهم ويكون إداماً لهم، كان كرماً لأن الناس يرون مجيء الضيف عيداً، ولكن الكرم أصبح اليوم ينتهي في مقالب النفايات، وبعض الناس يقول هذا سيؤكل وهو لا يكون في أغلب الأحوال، نعم هناك الأفاضل يفعلون كما فعل أجداده تجده يذهب بها إلى المخازن ويذهب بها إلى الجمعيات الخيرية ويذهب بها في أماكن سكناهم، فهذا خيرٌ وبر إذا اضطر في أحيان قليلة إذا اضطر إلى مثل ذلك ولكننا لا نضطر في كل حال، تجد أن قضية ما يسمى بالكرم والسرف في هذه الموائد أنه سمة عامة دائمة، قد يحتاج الإنسان في حالات نادرة وللأسباب الاجتماعية الضاغطة القاهرة إلى شيء من ذلك وهو مع ذلك يقوم أيضاً بوفاء حق الله عز وجل في هذه الأطعمة الزائدة، ليس كلامنا الآن عن قضية الإسراف والكرم هو أن يكون الإنسان كريماً- نتنزل معه- في النهاية في آخر الشهر يصبح لئيماً، وهذا ما نخشاه وما لا نريده، فإذا كنت تستطيع أن تكرم ضيفك ثم تحتفظ ببقية ما أكرمته به لطعامك في الغد أو بعد الغد أو توزيعه على الفقراء فأنعم وأكرم ولا بأس، ثم لا تحتاج في آخر الشهر، ولكنه يكون كرماً مزيفاً حين يصل إلى هذا الحد.

انظروا إلى هذه القصة واعتبروا بها وقد جمعت قضية الكرم المزيف وقضية فقر النفس.

يحدثني أحدهم عن بعض أقاربه يقول: كنت أطلب شخصا ثلاثة آلاف ريال فأتيته في محله فذبح لي ذبيحتين- ذبيحتين أقل شيء بألف ريال- قال ففرحت وتهللت وقلت الرجل إن شاء الله عز وجل فتح عليه سيسدد لي ما في ذمته، فلما أن انتهت الوليمة بعد لعقنا الأصابع، ففاتحته في الموضوع هل لديك سداد ما أقرضتك قال: لا والله الأمور صعبة ولا أستطيع فقلت له سدد الألف وسامحتك على الباقي.

الوقفة السابعة: من هو أغنى الناس أو ما هي أسباب غنى النفس:

من أسباب استغناء النفس:

1- عقيدة القدر: حين نتحدث يا إخوان عن العقيدة عقيدة مستكنة في القلوب على منهج السلف الصالح ومنطلقة على الجوارح، (الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله).

حين يكون القدر ما تقول قدر يعرف الإنسان العقيدة أنه يعرف متى بدأت القدرية ومتى نشأت ومتى انتهت، هذه جزء من وسائل فهم العقيدة، ولكن الأساس هي عقيدة تستكن في القلب، الإيمان بقدر الله عز وجل الذي قدره لك فلا تحرص الحرص الزائد المذموم في طلب هذه الدنيا، فمن عرف أن ما فيه من نقص إنما هي مقادير مقدرة وأشياء مكتوبة قبل أن يخلق الله السموات والأرض بخمسين ألف سنة وأيضاً أن ما عليه بعض الناس من كمال ظاهر إنما هي مقادير أيضاً قدره الله عز وجل قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.

فعلام ما الحرص؟ لا سيما حرص أصحاب المباهاة، والذين خرجوا عن حدود المورد إلى مصرفٍ يزيد عن هذا المورد، وإلى البحث عن زيادة عن ما أنعم الله به عليهم وكفاية لهم للبحث عن هذه الزيادة الأخرى وفي البحث عنها ومتابعتها تعطيل العبودية لله عز وجل، وتعطيل في رعاية الأسرة، بعض الناس من أغنى الناس في ماله لكن من أفقر الناس في قلبه، فرط في حقوق زوجته، وفي حقوق أولاده،وفي تربيتهم، يوم في جنوب شرق آسيا، ويوم في أوربا ويوم هنا ويوم هناك وهو يقول أنا أبحث عن الاستثمار الناجح، واستثماره الناجح إنما هو في تربية أولاده، فتح محل تجاري ويكفيه مع مرتبه، ولكنه يريد أن يفتح محلاً تجارياً آخر وآخر حتى تتشتت به الهموم وتذهب به بالكلية، وكأن الإنسان في دنياه ما خلق إلا ليجمع هذا المال، هو من أغنى الناس مالاً ولكنه من أفقرهم قلباً ونفساً.

لذلك يقول r في أثر الإيمان بالقدر في تحصيل غنى النفس يقول: "اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب"، أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة بسندٍ صحيح.

إخواني في الله: من افترض أن ما يتمناه من الدنيا ويتمنى نوع من الحياة نمط من المعيشة، من افترض أن ما يتمناه من الدنيا لازم الحصول لا بد يكون، ويريد أن يكون بقدر من المعيشة وبقدر معين في المسكن في المأكل في المشرب، في سائر أحواله في معاشه، هناك سقف يريد أن يصل إليه، وجعل هذه الأمنية كأنها قدر محتوم، حرص عليه وهو مع ذلك أيضاً يستبطئه يستبطئ هذا القدر يقول أنا مقدر لي هذا، وجعله قدراً محتوما، فاستبطأه وتسخط أقدار الله عز وجل، وتسخط قسمته لعبيده، سعى إليه بكل وسيلة لو كانت محرمة، اسمعوا إلى مصدق ذلك في قوله r في الحديث الصحيح: "إن روح القدس نفث في رُوُعي إن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا حملنكم إبطاء الزرق أن تطلبوه بمعصية الله تعالى، فإن الله عز وجل لا يُدرك ما عنده إلا بطاعته"، رُوُعي وليس رَوْعي كما يشيع عند بعض الناس.

وفي أثر الإيمان بالقدر يقول بعض البلغاء: من رضي بالمقدور قنع بالميسور.

وقد جاء في أخبار بني إسرائيل عن موسى- عليه السلام- أنه قال: يا رب أي عبادك أحكم؟ قال: الذي يحكم للناس كالذي يحكم لنفسه، قال: يا رب أي عبادك أغنى؟ قال: أرضاهم بما قسمت له، قال: يا رب أي عبادك أخشاك؟ قال: أعلمهم بي.

وقال أبو سليمان الداراني: الورع أول الزهد، كما أن القناعة أول الرضى بما قسم الله عز وجل.

2- أن تعرف حقيقة الدنيا: فمن عرف أنها زائلة لم تره حريصاً على تحصيل ما فوق كفايته، هو ينظر إلى الملوك والسلاطين، والأباطرة، والأغنياء، والفراعنة، ومن ملك الدنيا بأجمعها، يراهم لم يذهبوا منها بغير القطن والكفن،

لكل شيء إذا ما تم نقصان

 

فلا يُغر بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دول

 

من سره زمن ساءته أزمان

وعالم الكون لا تبقى محاسنه

 

ولا يدوم على حال له شان

أين الملوك ذوي التيجان من يمن

 

وأين منهم أكاليل وتيجان

وأين ما شاده شداد في إرم

 

وأين ما ساسه في الفرس ساسان

وأين ما حاذه قارون من ذهب

 

وأين عاد وشداد وقحطان

أتى على الكل أمر لا مرد له

 

حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا

وصار ما كان من مُلك ومن مَلك

 

كما حكى عن خيال الطيف وسنان

كأنما الصعب لم يسهل له سبب يوماً

 

ولم يملك الدنيا سليمان

هؤلاء من أغنى الناس جاهاً ومالاً وشهوات وغيرها ولم يذهبوا منها بغير القطن والكفن، فمن عرف حقيقتها استغنى بالله عز وجل وقنع بما آتاه.

ومن معرفة حقيقة الدنيا أن يعلم أن ما فيها من اللذائذ في أغلب الأحوال عندما تكون لذته في أول تحصيله، فإذا طال به العهد قليلاً تغيرت عليه تلك اللذائذ، والله يا إخوان ما أشبه هذه الحال إلا بحال الطفل الصغير، تأتي له بلعبة تساوي عشرين ريالاً، وفيها من المزايا وفيها وفيها...إلخ، ثم يلعب بها ساعة أو ساعتين أو يوما أو يومين، ثم يرى في مكان آخر أقاربه أو جيرانه لعبة أخرى هي أردأ منها فلعله أيضاً أن يبادله بما لديه، الحالة الطفولية هذه هي حالة الإشعاع الأول للذة الدنيا، حالة الإشعاع الأول والانبهار الأول للعبة عند الطفل كانت في أول الأمر ثم ذهب بهاؤها ورونقها حين رأى لعبة أخرى أردأ منها وأقل من سعرها، والله يا إخوان حالة الطفولية هذه عند الناس، لمن أراد أن يتعرف على لذائذ هذه الدنيا، واللذة الحقيقية التي لا تُمل هي لذة التي تكون في جنة الله عز وجل.

أقول: إذا طال به العهد قليلاً تغيرت عليه، فالجديد يصير بعد سنة قديماً، واللامع يصير باهتاً، وتأملوا هذا في حال من اشترى قصراً فخماً يساوي مبلغاً كبيراً ثم مكث فيه سنة ثم رأى قصراً جديداً يُقدر بنصف قيمة بيته ذاك، فأنت تراه قد تزهد نفسه في ما تحت يده، ويتطلع إلى ما في أيدي الناس، وقل ذلك في سائر المقتنيات، والله يا إخوان حالة الطفولية هذه موجودة عند الناس.

حتى قال لي بعضهم: سيارة جديدة تشتريها هي بسنة، ثم بعد ذلك تراها أنت كسائر السيارات وإن كان الناس يرونها غير ذلك، أنا ما علاقتي بالناس ورؤيتهم، هل إنني أتلذذ أو لا أتلذذ، هذه هي حقيقة الدنيا يا إخوان، فعلام الحرص، وعلام السعي، وعلام وعلام، مما يفعله الإنسان إنما كانت هي لذة ساعة أو يوم أو شهر أو سنة ثم يصبح أغلى الأثمان وألذ المقتنيات وأحسنها تصبح باهتة لا لون فيها ولا لمعان.

انظروا مصداق ذلك في كتاب الله عز وجل يقول الله عز وجل: (إنما الحياة  الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أُعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم)، حين ذكر هذه الدنيا التي يبهت بريقها، ويخف لمعانها ذكر اللذة الدائمة التي لا تعدلها لذة.

3- أن تيئس مما في أيدي الناس: اليأس مثل السكين القاطعة، وهو العلاج الناجع الحقيقي لقطع طمع النفس وحرصها، تقول كيف أتحصل اليأس؟ من أعظم أسباب تحصيل اليأس هو أن تتصور أن هؤلاء الذين ترجوهم قد ماتوا، إذا مات الإنسان ترجوه؟ عنده مليون ريال إذا مات توزعت في الورثة كل واحد له خمسين ألفا، تشحت من واحد عنده خمسين ألفا، عده مات، انتهى، وهذا يأس.

تصور أنهم أيضاً تحولوا إلى أعداء، كان صديقاً يساعد ويفزع، تحول إلى عدو.

اليأس أيضاً أن تتذكر مرارة الحاجة وصعوبة السداد أيضاً، فاتورة قادمة في الطريق، مهما كان الإنسان سمحاً يوما أو يومين أو سنة أو سنتين هي ستكون ديناً في رقبتك وذلاً على ظهرك، فإذا تصور الإنسان هذه الحقائق أيس مما في أيدي الناس وقنع كمثالنا في صدر هذا اللقاء الذي يغسل السيارة راتبه خمسمائة ريال ويغسل سيارة بخمسمائة ألف ريال، واتفقنا بأنه يائس من أن يحصل مثل هذه البضاعة، وكذلك أيضاً نوجد اليأس في قلوبنا بهذه الطريقة.

لا تجزعن على ما كان مطلبه

 

ها قد جزعت فماذا ينفع الجزع

إن السعادة يأس إن ظفرت به

 

بعض المرار وإن الشقوة الطمع

وقال آخر:

الله أحمد شاكراً

 

فبلاؤه حسن جميل

أصبحت مسروراً معافى

 

بين أنعمه أجول

خلواً من الأحزان خف الظهر

 

يغنيني القليل

ونفيت باليأس المنى عني

 

 فطاب لي المقيل

والناس كلهمو لمن خفت

 

مئونته خليل

قال سعد بن أبي وقاص t: يا بني إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة فإن مال الله لا ينفد، وإياك والطمع فإنه فقرٌ حاضر، وعليك بالإياس مما في أيدي الناس، فإنك لا تيئس من شيء إلا أغناك الله عنه.

وعن عبد الملك بن عمير أنه أوصى ابنه فقال: أظهر اليأس مما في أيدي الناس فإنه غنى، وإياك وطلب الحاجات فإنه فقر حاضر، وإياك وما يُعتذر منه بالقول، وإذا صليت فصلِ صلاة مودع.

وقال عمر t: الطمع فقر، واليأس غنى، وإن أحدكم إذا يئس من شيء استغنى عنه.

وعن ابن عمر t أن النبي r قال: "صلِ صلاة مودعٍ كأنك تراه، فإن كنت لا تراه، فإنه يراك، وايئس مما في أيدي الناس تعش غنياً، وإياك وما يُعتذر منه"، رواه البيهقي في "الزهد"، والطبراني في "الأوسط"، وهو حديث جيد.

4- أن تدع التمني: فإن التمني- إخواني في الله- هو بضاعة الحمقى ورؤوس أموال المفاليس، إي والله، يقول الله عز وجل: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض)، ومن أكثر من التمني والأماني التي يصعب تحصيلها، صارت هذه الأماني جزءاً من حياته، بل صار يعُدها من أهم الضروريات، فإنه ينفق النفقات الباهظة ويقول هذا ضروري هذا لا بد منه، لماذا؟ لأنه جعلها أصلاً أماني كما ذكرت منذ قليل هو ضرب السقف، وجعل الحد فكانت جزءاً من حياته، فيدفعه هذا إلى المخاطرات التجارية، إذا كان تمنى وضع هذه الأسقف، يدفعه إلى المخاطرات التجارية وإلى القروض الثقيلة، التي تفقر نفسه وتفقر حاجته إلى خلق الله عز وجل، وسبب هذا كله إنما هو الإغراق في التمني.

5- أن ينظر إلى من هو أسفل منه في المال والخلق: قال r في الحديث الصحيح: "انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم".

يقول الشاعر:

ومن يطلب الأعلى من العيش لم يذل

 

حزيناً على الدنيا رهين غبونها

إذا شئت أن تحيا سعيداً فلا تكن

 

على حالة إلا رضيت بدونها

روى البخاري من حديث أبي هريرة t أن النبي r قال: "إذا نظر أحدكم إلى من فُضل عليه بالمال والخلق، فلينظر إلى من هو أسفل منه".

6- تحمل عناء العمل ومشقته: فبعض الناس يهون عليه السؤال ولكنه لا يصبر على العمل.

يقول أحمد- رحمه الله- من جلس ولم يحترف، دعته نفسه إلى ما في أيدي الناس، وقال: كسبٌ فيه بعض الشيء، خيرٌ من الحاجة إلى الناس.

صرح بها مالك- رحمه الله- فقال: طلب الرزق في شبهة أحسن من الحاجة إلى الناس.

وعند سعيد بن المسيب t أنه قال: طلب الرزق من مهنة دنية خير من الحاجة إلى الناس، وكان قد قال عند موته- رحمه الله- وقد ترك مالاً: اللهم إنك تعلم أني لم أجمعه إلا لأصون به ديني.

بعض الناس يتورع لأنه فيه شبهة وهو في الأصل الإباحة، اطلب ولا تحتج إلى الناس، بعض الناس يقول أنا اشتغل هذا الشغل؟ افعل وهو خير لك من الحاجة إلى الناس، لأنها تمام العبودية لله عز وجل، بل الأمر لا يقف عند هذا الحد، بعض شباب الأمة تقول له: اعمل، قال أنا لا أجد- خاصة الكلام هذا قبل سبع أو ثماني سنوات- أما الآن صارت بعض الوظائف شحيحة، تقول له: اعمل، قال: لا أجد وظيفة إلا دوامين، لماذا؟ لا أستطيع، وتأملت في حاله ليس طالب علم،ولم يقض وقته كله في طلب العلم، ولا بالجهاد في سبيل الله ولا في الدعوة ولا ..إلخ، فماذا يفعل في البيت؟ إلا الفراغ، وهو يريد أن يكون حراً طليقاً يذهب كيف يشاء ويأتي كيف يشاء...إلخ.

فلا سبيل إلا إلى تحمل مشقة العمل، ومشقته خيرٌ من فقر النفس واحتياجها إلى الناس.

7- أن يتذكر نعماً أنعمه الله عليه بها لم تكن لبعض أهل الدنيا: يفترض أن الإنسان ليس له دخل أو دخله لا يكفيه نهائياً حتى في أقل من الكفاف، هذا له قناعة.

هناك نعم لم تكن لبعض أهل الدنيا من ذوي الأموال، من ذوي الجاه ومن ذوي الجمال، ما هي هذه النعم؟ إنها نعمة الصحة، هذه النعمة  التي لا تكتسب في الغالب بمال ولا جاه، أليس الناس يا إخوان يتسابقون على السعادة؟ هذه من أعظم السعادة، فإذا عُدمنا كل أسباب الرزق، كان الإنسان في أقل من الكفاف، فهو أيضاً في خير لماذا؟ لأنه خيرٌ من المريض، ولكن نحتاج إلى شيء من التفكير وعزم في النفس ولجمها حتى تأخذ بحقيقة التفكر والتدبر الذي أمر الله عز وجل به.

وهذه الصحة يا إخوان لاتكتسب في الغالب بمال ولا جاه ولا جمال سواءً كانت صحة نفسية، النفس المستقرة الهادئة، أو كانت صحة بدنية، فكثيرٌ من أصحاب الغنى المالي، بين مرضٍ عضوي أو نفسي بسبب الضغوط التي يتعرضون لها بسبب أعمالهم وتجاراتهم.

لذلك صح في الحديث "من أصبح منكم معافى في بدنه، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها"، وقد جمع النبي r بين الصحة النفسية والبدنية جمع بينهما وأنهما خيرٌ من الغنى المالي في حديث واحد، فقد روى ابن ماجه عن معاذ بن عبد الله بن الخبيب عن أبيه عن عمه قال: كنا في مجلسٍ فجاء النبي r وعلى رأسه أثر ماء، فقال له بعضنا: نراك اليوم طيب النفس، فقال: "أجل والحمد لله"، ثم أفاض القوم في ذكر الغنى- المالي-، فقال r: "لا بأس بالغنى لمن اتقى والصحة لم اتقى خيرٌ من الغنى، وطيب النفس من النعيم"، الصحة خير من المال وطيب النفس من النعيم، هدوء النفس واستقرارها وعدم ارتباطها بشيء من شتات هذه الدنيا.