|
التقليد عائق النهضة
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ..
إن المسافة التي تفصل الأفراد والأمم عن النهضة هي قابلية المراجعة لما قاله الآخرون أو فعلوه ، واعتقادهم أن ظهورَ الشيء وانتشارَه وجريانَ العمل عليه ، وكثرةَ القائلين به ، وفضلَ أصحابه ليس دليل صحته ، وأن الطريق الوحيد لتزييف القول أو تصحيحه هو البرهان والدليل .
ولا يُستثنى من ذلك إلا كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، مع بقاء فهم البشر لهما ـ فيما هو محل للاجتهاد ـ قابلاً للمراجعة .
وهنا ينفض العقل عنه غبار الكسل الذهني ؛ فتتوسع مداركه ، وتكثر تجاربه ومهاراته ؛ كالبئر كلما نُزح منها توسعت روافدها الأرضية وتدفق ماؤها صافياً ، وكلما تركت أسنت ، واستغلقت روافدها ، وذهب الماء إلى غيرها .
فلا أضر على الدين والدنيا من تعطيل النظر والاستدلال ، ولا أخطر على المرء من جعل عمل العقل أسيراً لرأي شخص ، أو لسائد من عرف أمة ، أو عادة لإقليم .
إن إصلاح أي واقع فاسد لا يكون إلا بالتفكير بطرق مختلفة ؛ إذْ لو كان التفكير السائد صحيحاً لم يثمر واقعاً فاسداً .
ولهذا أكد القرآن الكريم على طلب البرهان والدليل :
قال الله عز وجل : "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" ؛ فهذا أمر بطلب البرهان ، والأصل فِي الأمر الوجوب .
وقال الله تعالى : "إن عندكم من سلطان بـهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون" ؛ وهذا طلبٌ للبرهان .
ومثل ذلك قول عز وجل : "قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين" .
وقولـه تعالى : "إيتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين" .
وفي قـوله تعالى : "قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الطن وإن أنتم إلا تخرصون" الحث على طلب للحجة ، وأن مقابلها الظن والخرص .
إن لهذه المسألة علاقة وثيقة بأصل الدين ؛ بل إنها أصل الأصول ، ومادة الكليات ؛ فإن مصدر التلقي وتوحيد الطاعة والمتابعة هما العقيدة التي تمر من خلالها جميع الأدلة لمسائل الدين ، وإذا ضيع أصل الشجرة فلا تسأل بعد ذلك عن فروعها لم يبست وتهاوت .
إن توحيد الطاعة والمتابعة الذي ينفي التقليد هي العقيدة التي تجب المحافظة عليها ، والمنافحة عنها ؛ بل هي من أخص خصائص الربوبية والإلهية :
فأما في الربوبية فلأن له تعالى الشرع والخلق والأمر والحكم والتدبير ، وفي جعلها لغير الله نقض لهذه العقيدة ، وهدم لذلك الأصل .
وأما في الإلهية ففي قصد القلب بأن تكون الطاعة له وحده دون سواه ، ومن جعل أحداً من دونه محلاً للطاعة المطلقة فقد كفر بذلك أو أشرك ، وإن فرط في النظر ـ مع قدرته ـ فقد قدح في إيمانه بالله بقدر ما فرط في ذلك .
وعقيدة الاتباع أو نبذ التقليد هذه كسائر العقائد المعتبرة : منها ما يؤثر في الضروري من الإيمان ؛ كمن أخذ بقول أحد مع علمه اليقيني بمخالفته شريعة الله ؛ كالتقليد في استباحة الطواف على القبور ، أو دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ، ونحو ذلك مما سماه العلماء كفر التقليد .
ومنها ما يؤثر في الحاجي أو التحسيني من عقيدة المؤمن .
ثم تأمل في قوله تبارك وتعالى : "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله " الآية ؛ ففيه دليل على اتصال النظر والاستدلال بأصل الإيمان ؛ فلم يكن اتخاذ بني إسرائيل الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله بالسجود لهم ، وإنما هو بإعطاء الثقة المطلقة فيمن يجوز عليه الخطأ ، وهذه هي حقيقة التقليد المذموم .
ولهذا قال أبو البختري : أما إنهم لم يصلوا لهم ، ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم ، ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله ؛ فأطاعوهم ؛ فكانت تلك الربوبية .
وقال الربيع بن أنس : قلت لأبى العالية : كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل ؟ قال : كانت الربوبية أنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به ونهوا عنه ؛ فقالوا : لن نسبق أحبارنا بشيء ؛ فما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا ؛ فاستنصحوا الرجال ، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم .
والقدرة على الاستدلال مسألة تتجزأ ؛ فليس كل عامي يباح له التقليد ؛ بل هو ممنوع من الأخذ بقول عالم في مسائل الدين الكبار ، وهي القطعيات ، ويجوز في المقابل للعالم المنتهي أن يقلد إذا عجز عن النظر والاستدلال في مسألة معينة ؛ فعليه فإن كل واحد من وصفي العجز والقدرة ليست صفة لازمة لكل أحد لا تنفك عنه .
ولم توجد النهضات العلمية والعملية ، ولم يظهر العلماء المجددون إلا حين كان التقليد نوعاً من المحظور لا تبيحه إلا الضرورة .
وليس التقليد المذموم مقتصراً على مسائل الفقه ؛ بل هو مذموم في كل صعيد ؛ فما نهضت أمة في دنياها إلا تراها تُخضع كل قول أو فعل أو سائد لقواعد النظر والاستدلال ؛ فما أجازته أخذوا به ، وما نفته ردوه ولم يعتبروه .
فما قصرت مؤسسة عامة أو خاصة إلا بسبب الجمود على القديم تقديساً له ، أو خوفاً من جديد مجهول ؛ فالحلول عنده هي الحلول المجربة فقط .
وما انحطت أمة إلا بتقديسها للأشخاص على حساب المراجعة .
وقد عبر الإمام الشافعي عن حالة العقل المتيقظ ؛ الذي لم يغلق باب المراجعة فيما اختاره هو ، أو اختاره الآخرون بقوله رحمه الله :
كلامي صواب يحتمل الخطأ ، وكلام غيري خطأ يحتمل الصواب .
اللهم وفقنا لطاعتك وجنبنا أسباب سخطك .
أخوكم / سليمان الماجد |