|
المربون واختلاف الفتوى
د. محمد بن عبد الله الدويش
تنوعت وسائل الاتصال اليوم بما يزيل كثيراً من الحواجز، وأسهم تطور الآلة الإعلامية وتنوع أدواتها في اتساع دائرة التأثير، وإتاحة الفرص أمام العديد من الناس للتصدّر والحديث فيما يحسنون وما لا يحسنون .
وبقدر ما أسهم ذلك في إتاحة مساحة واسعة للمشاركة والتأثير، وفي فتح المجال أمام العديد من الدعاة وطلاب العلم للدعوة والتعليم والبلاغ، فقد أدّى ذلك إلى تصدر من لم يستجمع شروط التصدر.
ومن أخطر ما في ذلك التصدر للفتوى التي هي توقيع عن رب العالمين، وقول في دين الله تعالى.
ومن هنا تنوعت الفتاوى وتعددت الأقوال أمام عامة الناس، واختلفت مشارب المفتين ومدارهم ما بين متشدد ومتساهل ومن هو بين ذلك، فأصبح كثير من الناس في حيرة وقلق.
إن تنوّع حاجات الناس ومشكلاتهم، وقلة أهل العلم المؤهلين للفتوى تقتضي قدراً من التوسع والتنوّع في المفتين، وبقدر ما يسهم ذلك في تسهيل وصول الناس للفتوى فهو يقود إلى قلق واضطراب لدى فئات منهم .
وهو يفرض متطلبات تربوية ينبغي أن يعنى بها المربون، ويعيها المفتون.
أول هذه المتطلبات :
تنمية القدرة على التعامل مع مسائل الخلاف وتنوع الفتوى، وهو لن يقود إلى إكساب جمهور الناس القدرة على الترجيح والاختيار بين أقوال أهل العلم وفتاواهم؛ فليسوا كلهم مؤهلين لذلك، لكنه يركز على إكسابهم المتطلبات الأساسية للتعامل مع قضايا الخلاف، ومن ذلك:
- تجلية منهم التعامل مع آراء أهل العلم، وآلية العمل عند تنوع الفتوى واختلافها.
- التربية على توقير أهل العلم، والفصل بين الموقف من الآراء والموقف من أشخاصهم وذواتهم .
وثانيهما: تنمية الورع وتقوى الله في النفوس، والبعد عن إتباع الهوى؛ فإن تنوع الآراء قد يقود كثيراً من الناس إلى إتباع ما تهواه نفسه وتميل إليه، وقد وصف أولئك الإمام ابن حزم – رحمه الله – بقوله: (وطبقة أخرى وهم قوم بلغت بهم رقّة الدين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة من قول كل عالم، مقلدين له غير طالبين ما أوجبه النص عن الله – تعالى – وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ) (الإحكام : 5/65).
إن زخم الحياة المادية اليوم، والصوارف والشهوات أفسدت كثيراً من معاني التقوى والورع لدى الناس؛ فشاع لديهم تتبّع الرخص والشواذ، ورأوا أن أي فتوى أو رأي سمعوه جاز لهم إتباعه والسير عليه، مما يؤكد أهمية العناية بتنمية التقوى والورع.
وثانيها: تربية الناس على تعظيم نصوص الشريعة، وإتباع الدليل، والعبودية لله وحده؛ فقد شاع لدى كثير منهم أن ورود الخلاف – بغضّ النظر عن مدى الاعتداد به – كافٍ في أن يختار المرء ما شاء من الأقوال، حتى صار الخلاف أعلى من النص الشرعي، بل هو الحاكم عليه.
وهذا يناقض قول الله – تعالى – (( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب)) [الشورى: 10].
وقوله – تعالى – : (( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلاً )) [النساء: 59].
إن الأمر لا يعني أخذ الناس بالشدة ، والأغلظ من الأقوال ، ولا يعني مسايرة أهوائهم، إنه يفرض على المربين وعلى المفتين تربية الناس على الديانة لله والورع والتقوى، وعلى المنهج الشرعي في التعامل مع الخلاف .
نقلاً من مجلة البيان العدد (242) شوال 1428هـ .
|