مقالات : المقالة
طباعة

  مقالات : المقالة  
استماع تحميل PDF
  في تعليم الصغار العربية أولاً  


في تعليم الصغار

العربية أولاً

 

إن أشرف العلوم في هذه الدنيا على الإطلاق هو علم الشريعة الإسلامية والفقه في الدين، وذلك لأنه يتعلق بالوحيين (الكتاب والسنة)، فكتاب الله أعظم المعجزات، وأكبر الآيات البينات، وهو السائر في الآفاق، والباقي بقاء الأطواق في الأعناق، الجديد على تقادم الأعصار، اللذيذ على توالي التكرار، الباسق في الإعجاز على الذروة العليا، الجامع لمصالح الآخرة والدنيا، أنزله الله على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ ليكون حجة على الخلق أجمعين، (وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين) [الشعراء: 192 – 195].

ثم بعده السنة النبوية التي تفسره وتوضحه، وتدل عليه، وتعبر عنه، ولا سبيل إلى فهمهما وتدبرها والتعبد لله بما جاء فيهما إلا بمعرفة اللغة العربية لغة القرآن الكريم والسنة.

بُلينا في هذا الزمان بداء عضال، وآراء نحتت من عقول الرجال، اغترّبها العوام، وشغلت أبناء الإسلام، سحروا بها عقول الشباب، وأضاعوا أوقاتهم بالهباء والسراب، ولم يهتدوا بها إلى الصواب، ومن هذه الآراء: الدعوة إلى ترك اللغة العربية جانباً بحجة صعوبتها وعدم الحاجة إليها، أو التقليل من شأنها، والحط من قدرها، وتأتيك عبارات المنهزمين وضعفاء الهمم بأن هذه اللغة صعبة أو معقدة أو تُدرّس تدريساً صحيحاً أو هي نظرية وليست تطبيقية... إلى غير ك من الحجج الواهية، وفي المقابل بدأوا يروّجون للغة الأعاجم وأعداء الإسلام، "اللغة الإنجليزية" زاعمين أنها لغة العصر وما علموا أن لغة العصر  وما علموا أن لغة العصر وكل العصور حتى يرث الله الأرض ومن عليها هي لغة دينهم وكتاب ربهم "اللغة العربية" وهي اللغة الخالدة خلود القرآن، الباقية على تقادم الأعصار.

وقد فوجئت – يعلم الله – بخبر تقرير اللغة الإنجليزية على الأطفال طلاب الصف الأول الابتدائي ولم أصدق حتى الساعة! الأطفال الذين يجب أن يعرفوا اللغة العربية ويتقنوها أولاً فتستقيم ألسنتهم بها في المرحلة الابتدائية كلها، ثم يدرسون القرآن وعلومه، نجد أن مناهجهم تزاحم بهذه اللغة الأعجمية التي لم يعرفوا منها إلا اسمها، ولم يعرفوا عن لغتهم شيئاً حتى ينتقلوا إليها! وإذا كان الخلاف واقعاً بين العلماء أيهما أولى أن يقدم الطالب حديث السن على حفظ القرآن ثم تعلم اللغة العربية أم العكس؟ فما بالكم بتعليمه اللغة الإنجليزية مع الوحي ولغته؟ أين الأولويات المتبعة في التلقي والطلب؟ وإني والله أخشى أن يخلطوا بين حروف اللغة العربية والإنجليزية حتى تلتبس عليهم الأمور فلا يعرفون شيئاً، ويبدأ الخبط والخلط في أول الحروف بين (أ ، ب) و (b ، a)، وصاروا يتكلمون بكلامهم، ثم ما حاجة الطفل إلى معرفة اللغة الإنجليزية في الصفوف الأولى؟ هل سيعمل على الحاسب الآلي؟ أم يدعو إلى الله في الخارج؟ أم يدخل على مواقع الشبكة ويتصفحها ليرد على ما فيها من أخطاء؟ إذا كنا نجد الطلاب يعانون من صعوبة النحو واللغة العربية عموماً وهم في الجامعات فكيف بطلاب المرحلة الابتدائية؟ هل نقول: إنهم سيفهمون اللغة الإنجليزية قبل اللغة العربية؟

الإسلام لا يمنع التطور والاختراع الذي يفيد الناس في دنياهم، وقد أخبرنا الله عن الكفار بأنهم أهل خبرة في صناعات الدنيا فقال: (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) [الروم: 7] فاللغة الإنجليزية ليست طريق التطور، وبعض الجهال يحتج بكلام ينسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو منه برئ، وهو "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم" وقد قال شيخنا ابن عثيمين – رحمه الله – حين سُئل عنه قال: "هذا كلامٌ باطلٌ لا صحة له" ثم قال للسائل: "أنا أعرف لغتك فهل آمن مكرك؟".

أرجو ألا يفهم أحد أني أرفضُ كل جديد وأقف في وجه التقدم العلمي، وأنني جامد، بل أنا أعرف اللغة الإنجليزية وأعمل على الحاسب، واستعمل الآلات الحديثة، ولا اعترضُ بمقالي هذا على الأنظمة، وإنما أنا أحدُ أبناء المجتمع أحببت أن أدلي برأيي، فمن الإنصاف إعادة النظر في الموازنة بين المناهج التعليمية لأبنائنا، فليس من التوازن أن نخصص للنحو مثلاً حصتين في الأسبوع فقط، وللغة الإنجليزية أربع حصص في الأسبوع، وما فائدة اللغة الإنجليزية إن لم نتقن اللغة العربية الأم؟ أو كيف نعني بهذه اللغة، ونقصّر في معرفة اللغة العربية (لغة القرآن الكريم)؟ وما فائدة تدريس ما هو أعجمي لأبنائنا الأطفال بدلاً من تعليمهم اللغة العربية وحثهم عليها وتشجيعهم على ممارستها بكثافة؟ لقد كثر اللحن والعجمة في كلامنا فكيف بأطفالنا؟ لا بدمن تربية أبنائنا على المناهج التي تؤهلهم للتميز كما أهلت من سبقهم، ولا يتم ذلك إلا بمعرفة اللغة العربية، ومن ثم العلوم الشرعية، والعقيدة الصحيحة، والآداب والأخلاق الإسلامية في كل معاملاتهم، وإتباع منهج أسلافنا الصالحين بعيداً عن الغلو والتطرف وشتى وسائل الانحراف بأنواعه المختلفة، ولا مانع بعد ذلك من تعلم اللغة الإنجليزية واللغات الأخرى في المراحل العليا للمختصين، فليس كل أحد بحاجة لتعلم اللغة الإنجليزية، إنما من كان مؤهلاً للدعوة إلى الله، وانطبقت عليه شروط الداعية، وشروط السفر للخارج التي نصّ عليها مجلس اللجنة الدائمة للإفتاء، وهيئة كبار العلماء، فلا بأس والأمر كما ذكر أن يحرص على تعلمها وإتقانها، وتعلمها إذا قام به من يكفي فلا يُلزم الباقون بتعلمها، فالصحابة لم تقرر عليهم كلهم لغة العجم، وإنما واحدٌ منهم تعلمها وهو زيد بن ثابت رضي الله عنه في شهر بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم انتهى... ثم ليس كل الطلاب يرغبون في تعلمها ويستطيعون ذلك، بل جلهم يتذمر منها، ويتمنى سرعة انقضاء حصتها، ويطلبون من الأستاذ الحذف وبيان المهم في الاختبار، فدراستنا صارت للاختبار لا للعلم مع الأسف، فلو جُعلت دورات لمن يرغب في تعلمها لمدة معينة كشهر كما صنع زيد بن ثابت رضي الله عنه أو أقل أو أكثر حسب القدرة، ثم إذا فهمت فلا حاجة إلى إضاعة الوقت بها بعد ذلك، ولا نلزم بها كل أحد فتقف في طريق كل طالب علم – حجر عثرة.

 

جبران بن سلمان سحّاري

 

نقلاً من مجلة الأسرة، عدد 173، شعبان 1428هـ

 

 



 


حقوق النشر والطبع © 1427هـ فضيلة الشيخ سليمان الماجد . جميع الحقوق محفوظه

Copyright © 2006 www.salmajed.com . All rights reserved

info@salmajed.com