|
قواعد قرآنية في فقه الواقع
يقول المفكر الإسلامي مالك بن نبي – مشخصاً الداء الذي تعاني منه الأمة الإسلامية - : (( إن مشكلتنا ليست في الاستعمار، وإنما في قابليتنا للاستعمار)) . وهذا الأمر مازال يَصدُق على أمتنا في هذا الزمن، رغم المدة الطويلة التي مرت على هذه الكلمات؛ فالهزيمة والتمزق والضعف الذي نعيشه ليس هو المشكلة الحقيقية ... مشكلتنا ليست الهزيمة ، وإنما الانهزامية.
· قواعد وسنن مهمة يلزم فقهها:
إن ما نسمعه اليوم على لسان كثير من الناس من دعوة إلى الذل والخنوع والخضوع سببه عدم فقههم بالقواعد والسنن التي ينبغي أن نفهمها ونعتقدها حتى يَحْسُن تعامُلنا مع الواقع الذي نعيش، وحتى نكون إيجابيين في عملنا لتغيير هذا الواقع، ومن هذه القواعد:
أولاً: أن نوقن بأن الله – تعالى – هو الفاعل الحقيقي للأشياء .. كل شيء بقدر الله، وكل شيء بإرادة الله :
وفي قصة موسى وفرعون تحدٍّ للمنطق العقلي.. تأملوا معي؛ عَلِم فرعون أن هلاكه سوف يكون على يد مولود من بني إسرائيل؛ فأمر بأن يقتل كل مولود، أراد فرعون أن لا يعيش، وأراد الله أن يعيش، بل كان قَدَرُهُ – سبحانه – أن يعيش موسى عليه السلام – في قصر فرعون، وأن يتولى فرعون بنفسه تربيته!
خرج موسى غريباً مطارداً فأمنه الله وزوّجه ، عاد نبياً وداعياً إلى الله وهو مطلوب الدم، ويدخل على أعظم ملوك الأرض، ثم يخرج بعد ذلك منتصراً، خرج بقومه بني إسرائيل ، فأتبعه فرعون بجنوده ، وكل قوانين الأرض تحكم أنه هالك لا محالة؛ فخلفه جيش مدجج بالأسلحة، وليس معه سوى مجموعة لا تملك إلا إيماناً ضعيفاً مهزوزاً ، وعصا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه وله فيها مآرب أخرى، ولكن... كيف كان موقفه وقد أيقن أن كل شيء بقدر الله :
(( فلما تراءَى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون. قال كلا إن معي ربي سيهدين)) [الشعراء : 61- 62]. فكانت النجاة لموسى ومن معه ، وكانت الهلكة لفرعون وجنوده .
· ثانياً: أن نزن الأمور بحقائقها لا بظواهرها:
المسلمون في غزوة حنين قاسوا الأمور بالظواهر فقالوا: لن نُغلَب اليوم من قلة ، فأنزل الله – تعالى - : (( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً )) (التوبة: 25). وأما في بدر: (( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة)) (آل عمران : 123) فليست العبرة بالعدد: هذه قلة وهذه كثرة قلة معها الله ، وكثرة معها الشيطان، وما ينطق على العدد ينطبق على العدّة، واللبيب من يعتبر بما حصل سابقاً ليسقطه على الواقع .
· ثالثاً: أن نراعي السنن الكونية في فهم الواقع :
فهناك سنن كونية لابد من الأخذ بها، وأي تغافل عنها هو هروب من فهم الواقع وحقيقته. وهذه السنن لا تتغير ولا تحابي أحداً: (( ولن تجد لسنة الله تبديلاً)) (الأحزاب: 62)، (( دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها)) (محمد: 10) . وإنما الذي يكسبها هو الذي يستطيع أن يغير في حياته وواقعه.
ولعل من فقه الواقع والعمل لتغييره اصطحاب تغير الأنفس وما جبلت عليه من الوهن والضعف: (( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)) (الرعد: 11) فإذا أردنا تغيير واقعنا ينبغي علينا – أولاً – أن نغير أنفسنا.
وقد جعل الله – عز وجل – سنة للنصر لا تتخلف إلى يوم القيامة فقال – تعالى - : (( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)) (محمد: 7) . فلما لم نراعِ هذه السنة أصبح حالنا كما نرى .
وجعل الله – عز وجل – للبركة والغنى وسعة الرزق سنة كريمة: (( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض )) (الأعراف: 96). وأمتنا اليوم تعيش أزمة الفقر والجوع والجهل والمرض رغم الثروات الهائلة التي تملكها.
· رابعاً: أن لا نكون رهناً لظروفنا وأوضاعنا:
وهذا ما ألمح إليه مالك بن بني عندما حلل ظاهرة استعمار البلاد الإسلامية؛ فجعل من أسباب ذلك (قابلية) هذه الأمة للاستعمار . وهذا لا يعني أن نغفل مواطن الضعف في مجتمعنا ، وإنما علينا أولاً قراءة الواقع بـ (روح الإقدام) ، ثم حسن التعامل معه والإيجابية في العمل لتغييره ؛ للوصول إلى مستقبل أفضل: (( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم)) (محمد: 35).
فإذا اجتمعت معية الله مع العمل فالمستقبل لنا ولن يضيع الله أعمالنا.
أما التخاذل والانهزامية بحجة (الوضع الراهن) وقوة العدو فنتيجته الضياع والتيه حتى يأتي الجيل الذي يستحق الفتح: (( قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها)) (المائدة : 22) فماذا كان حكم الله فيهم؟! (قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين)) (المائدة : 26).
· خامساً: أن نقرأ الواقع قراءة شمولية لا تجزيئية، جماعية لا فردية، والابتعاد عن ظاهرة (الشخصنة):
فالكثير منا عندما ينظر إلى حال المسلمين يعود به الحنين إلى شخص صلاح الدين رحمه الله، علماً بأنه كان ثمرة من ثمرات عمل جماعي متراكم، بل أصبحت بعض الفرق ترى في ظاهرة (الشخصنة) سبيل النجاة من أوضاعنا وظروفنا الصعبة، كفكرة المهدي في الفكر الشيعي.
أما منهج القرآن فهو: (( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون )) (التوبة: 105) فالخطاب موجه إلى مجموع الأمة لا لفرد منها.
· سادساً: أن نعلم بأنه لا تمكين إلا بعد ابتلاء :
وهذه إحدى العبر المستفادة من سورة يوسف: فيوسف – عليه السلام – ابتلي بفراق الأهل وفتنة النساء والسجن وفتنة المُلك والحكم، ولكن ماذا كانت النتيجة : (( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين )) (يوسف : 56).
ولذلك – أيها الإخوة – لا تحزنوا لفرحة ظالم ولا لغلبة باطل؛ فإن للباطل جولة وللحق جولات، وكثير من الآيات ختمت بقوله – تعالى – (( حبطت أعمالهم)) في شأن الكافرين، ومعنى (حبطت) في أصل وضعها اللغوي: هو أن تأكلَ الدابة نباتاً سامّاً فتنتفخ ثم تموت، فيظن قصار النظر أن انتفاخها دليلُ عافيتها وقوتها.
وهذا الأمر ينطبق على اليهود والأمريكان؛ فإنهم يعيشون الآن في مرحلة الانتفاخ والعلو والطغيان، ولكن من آتاه الله بُعداً في النظر، وصدقاً في اليقين، يعلم أن الله – تعالى – يأبى إلا أن ينصر دينه: (( إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين، كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز)) (المجادلة:20) النصر قادم بإذن الله، ولكن بعد أن نقوم بواجبنا: (( إن تنصروا الله ينصركم)) (محمد: 7)، وبعد أن ندفع ضريبة النصر: (( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب)) (البقرة: 214).
|