|
تركيا: المرأة تغير وجه الحياة
انشغلت وسائل الإعلام العربية والدولية طوال الأشهر الماضية بالفوز المدوّي الذي حققه حزب العدالة والتنمية التركي ذو الخلفية الإسلامية، وتابع الناس بدهشة امتناع قادة الجيش عن أداء التحيّة العسكرية للرئيس الجديد عبد الله غول وامتناع الرئيس المنتهية ولايته أحمد قيصر عن حضور حفل تنصيب الرئيس الجديد لأنه – كما نُقل عنه – لا يتصور دخول محجّبة إلى قصر الرئاسة أما أن تكون تلك المحجبة زوجة لرئيس الجمهورية فهو ما لا يقدر على تحمّله. لكن بعيداً عن هذه المشاحنات السياسية يفور المجتمع التركي بتغيرات تدفع نحو العودة إلى الإسلام بهدوء وبلا أي دلالات سياسية بعد سنوات عجاف قضاها في سجن العلمانية وتقع المرأة في قلب هذه التحولات.
فإذا كان إقبال الرجال على المساجد يزداد فإن النساء لم يغبن عن هذا الحضور، ففي معظم المساجد تتوافد النسوة لأداء الصلاة من الباب الخلفي للمسجد وحضور درس وعظ وإرشاد ديني يلقي اهتماماً خاصاً، وبعد انتهاء الصلاة وخروج الرجال من المسجد تبدأ داعية كل أسبوع درسها المعتاد الجديد أن هذه الداعية – أو الواعظة كما يسمونها في تركيا – ليست متطوّعة بل موظفة حكومية مهمتها وعظ النساء وإعطاء الدروس الدينية وتعلميهن أصول العبادة وتقديم الفتاوى والنصح لهن فيما يختلط عليهن من مسائل دينية. اهتمام الدولة بتدريب وتعيين واعظات من النساء كان محل استغراب بل استهجان البعض ممّن تعوّدوا على أن مهمة تعليم الدين والوعظ تقتصر على الرجال دون النساء، لكن الواعظات تخرجن من كليات الشريعة ويمتلكن من العلم الشرعي ما يجعل دروسهن تحظى بإقبال من النساء يفوق إقبالهن على دروس الوعظ التي يتولاها الرجال، ويزداد حضور هؤلاء الداعيات في تركيا ليتجاوز دروس المساجد إلى العمل في مراكز تحفيظ القرآن المخصصة للنساء فقط يقوم بالتدريس فيها نساء يقدمن دروساً في اللغة العربية والقرآن الكريم وأصول العبادات والفقه.
الاهتمام بالتعليم الديني في تركيا كان يتركز سابقاً على الذكور كما أن الكثير من النساء كن يحجمن عن حضور دروس الدين التي يقوم بها الرجال وكن يجدن كثيراً من الحرج في طرح الكثير من الأسئلة على الرجال وهو ما كان يدفعهن في كثير من الحالات إلى الوقوع في فخ الدجالين والمشعوذين.
وفي ظل تزايد إقبال النساء على دروس الداعيات تزداد الحاجة إلى واعظات متخصصات في شئون الدين سيما وأن هناك شريحة واسعة من نساء تركيا حُرمن من الانتساب إلى مراكز تعليم القرآن والدين لأن القائمين عليها هم من الرجال، وبعض الأسر ترفض إرسال بناتها إلى تلك المراكز أو أنهن يذهبن دون تحقيق الفائدة المرجوة من تلك الدروس بسبب حيائهنّ وخجلهن.
فكما تفضل المرأة الذهاب إلى طبيبة بدلاً من الذهاب إلى طبيب فإنها تفضل أيضاً أن تشارك في دروس الواعظات لأنها تتمكن من توجيه أي سؤال يتعلق بالمرأة دون إحراج وهذه أمور عادة ما يكون طرحها محرجاً على الرجل.
العامل النسائي في تعليم الدين يتيح أيضاً حرية وألفة بين الواعظة والطالبة فالأسئلة تلاحق الواعظة حتى في المطبخ وعلى موائد الطعام وهو ما لا يمكن أن يكون متاحاً لهؤلاء النسوة عندما يكون المعلم رجلاً .
كما أنه ليس للرجال جلدٌ أو صبر على تدريس النساء إذ يعتقدون أن كثيراً من أسئلة النساء تافهة ومزعجة. بعض أزواج الطالبات اعترضوا في البداية على إرسالهن لحضور دروس على يد واعظات، كانوا يظنون أن هذه الدروس ليست سوى مجالس نميمة أو تسلية وترفيه لكنهم أدركوا بعد ذلك جدية هذه الدروس وكيف أنها ساعدت الزوجات على فهم الدين بشكل أفضل وتعليمه لأبنائهن بشكل صحيح.
الجديد بالذكر أن أول واعظة من النساء في تركيا كانت بيزا يلجين التي بدأت العمل متطوعة عام 1968 واليوم يوجد في تركيا 180 واعظة من النساء وهن لا يعملن في المساجد ومراكز تعليم القرآن فقط وإنما يذهبن في زيارات للسجون ودور العجزة والجلسات الخاصة ومنهن من يوفدن إلى الخارج مع وفود الحجاج أو إلى أوروبا . وتقدر الإحصاءات الحاجة إلى تدريب خمسين ألف واعظة لإرسالهن إلى أوربا لتعليم وتثقيف ملايين المسلمات اللاتي يعشن هناك ولا يجدن من يعلمهن دينهن وأمور حياتهن.
|