الفــرص تزول!

 

قال محدِّثي : يُذكر أن أحد كبار مشاهير المال في عصرنا سُئل في إحدى المقابلات: كيف أصبحت مليارديراً؟ فأخرج الثري من جيبه شيكاً، وناوله لسائله قائلاً له: اكتب في هذا الشيك المبلغ الذي تريده، وهو لك! وتحت وطأة الخجل وصدمة المفاجأة قال الإعلامي: عفواً؛ فإني لا أقصد ذلك وعندها استعاد الثري شيكه، وقال لسائله : لقد حانت أمامك فرصة لتصبح غنياً فلم تستثمرها، كبقية الناس الذين تلوح أمامهم فرص ثمينة دون أن يستثمروها، أما أنا فأفترق عنكم أني انتهزت الفرص التي سنحت لي، فصرت – كما تقول – مليارديراً!

فقلت له: إن صحَّت القصة فقد صدق هذا الشهير، وقد ورد مثل هذا المعنى في صحيح ابن حبان وغيره عن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – قال: (( أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابياً فأكرمه، فقال له: ائتنا فأتاه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سلْ حاجتك، فقال: ناقةً نركبها، واعنزاً يحلبها أهلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعجزتم أن تكونوا مثل عجوز بني إسرائيل؟ قالوا: يا رسول الله! وما عجوز بني إسرائيل؟ قال: إن موسى – عليه السلام – لما سار ببني إسرائيل من مصر، ضلوا الطريق، فقال: ما هذا؟ فقال علماؤهم: إن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ علينا موثقاً من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا، قال: فمن يعلم موضع قبره؟ قالوا: عجوز من بني إسرائيل. فبعث إليها فأتته فقال: دلِّيني على قبر يوسف، قالت: حتى تعطيني حكمي، قال: وما حكمك؟ قالت: أكون معك في الجنة، فكره أن يعطيها ذلك، فأوحى الله إليه أن أعطها حكمها، فانطلقت بهم إلى بحيرة موضع مستنقع ماء، فقالت : أنضبوا هذا الماء! فأنضبوا فقالت: احتفروا! فاحتفروا فاستخرجوا عظام يوسف ، فلما أقلوها إلى الأرض إذا الطريق مثل ضوء النهار(1).

والأمر في النصوص بانتهاز الفرص واغتنام الأوقات أكثر من أن يحصر ، ومن ذلك :

قوله – تعالى - : (( فإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب)) [الشرح: 7-8].

وقوله – عزوجل -: (( واذكر بك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين )) [الأعراف: 205].

وقوله صلى الله عليه وسلم: (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ )) ([1]2) .  

وقوله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه : (( اغتنم خمساً قبل خمس : شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)) ( 3) وقوله صلى الله عليه وسلم : (( بادروا بالأعمال، فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا )) (4). وقوله: صلى الله عليه وسلم: (( بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم ، أو أمر العامة)) (5).

والمتأمل في حال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يجد دون عناء أن اهتبال الفرص واغتنام الأوقات كان هدياً راسخاً وسِمَة ثابتة له صلى الله عليه وسلم ، ومن شواهد ذلك:

ما رواه المغيرة بن شعبة – رضي الله عنه – قال: (( إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم ليصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه، فيقال له، فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً؟))(6) .

وما جاء عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: (( إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة: رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم)) (7).

وما رواه علقمة قال: (( قلت لعائشة – رضي الله عنها - : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختص من الأيام شيئاً؟ قالت: لا، كان عمله ديمة، وأيكم يطيق ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق؟))(8).

وقد عظمت مراعاة السلف لذلك فشمّروا عن ساعد الجِدِّ في استثمار الفرص واهتبال اللحظات، ومن شواهد ذلك ما جاء عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبوبكر – رضي الله عنه - : أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبوبكر – رضي الله عنه - : أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبوبكر رضي الله عنه - : أنا قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً ؟ قال أبوبكر – رضي الله عنه - : أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعنَ في أمريء إلا دخل الجنة )) (9).

وعن ابن مسعود – رضي الله عنه قال: (( ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي)) وقال: (( إني لأمقت الرجل أن أراه فارغاً ليس في شيء من عمل الدنيا، ولا عمل الآخرة)) (10).

وقيل لنافع مولى ابن عمر: (( ما كان يصنع ابن عمر في منزله ؟ قال: لا تطيقونه؛ الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما)). وقال: (( كان ابن عمر لا يصوم في السفر، ولا يكاد يفطر في الحضر)) (11).

وكان ابن عباس – رضي الله عنهما – يقول : (( لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار: هلمَّ نسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجباً لك يا ابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبي – عليه السلام – من ترى؟! فترك ذلك، وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريح عليّ التراب ، فيخرج فيراني، فيقول: يا ابن عمر رسول الله! ألا أرسلت إليّ فآتيك؟ فأقول : أنا أحق ان آتيك فأسألك، قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس عليّ، فقال: هذا الفتى أعقل مني)) (12).

وقال الحسن: (( أدركت أقواماً كانوا على ساعاتهم أشفق منكم على دنانيركم ودراهمكم)) (13).

وقال الفضيل بن عياض: (( أدركت أقواماً يستحبون من الله سواد الليل، من طول الهجعة ، إنما هو على الجنب، فإذا تحرك قال: ليس هذا لك، قومي خذي حظك من الآخرة)) (14).

وقال حماد بن أبي حنيفة: (( إن مولاة كانت لداود (يعني: الطائي) تخدمه، قالت: لو طبخت لك دسماً تأكله، فقال: وددت، فطبخت له دسماً ثم أته به، فقال لها: ما فعل أيتام بني فلان؟ قالت: على حالهم، قال: اذهبي بهذا إليهم، فقالت: أنت لم تأكل أدماً منذ كذا وكذا، فقال: إن هذا إذا أكلوه صار إلى العرش، وإذا أكلته صار إلى الحش، فقالت له: يا سيدي ! أما تشتهي الخبز؟ قال: يا داية! بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية)) (15).

وقال أحمد الرقام: سألت عبد الرحمن (يعني: ابن أبي حاتم) عن اتفاق كثرة السماع له وسؤالاته من أبيه، فقال: ربما كان يأكل وأقرأ عليه، ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه، وقال أبو الحسن الرازي: وبلغني أنه كان يسأل أباه أبا حاتم في مرضه الذي توفي فيه عن أشياء من علم الحديث وغيره إلى وقت ذهاب لسانه ، فكان يشير إليه بطرفه: نعم ولا) (16).

وإذا كان الشرع والعقل يدعوان إلى استثمار الأوقات واغتنام الفرص، وكان العمر قصيراً، والأحوال تتبدل، والأزمنة تمضي دون أن تعود، والحاجة جلية إلى إتيان المرء أعمالاً تعود عليه بالفلاح وعلى أمته بالرفعة والعزة؛ فلماذا والحالة هذه يتوانى كثير من باذري الخير وسعاة الإصلاح عن اهتبال الفرص الكثيرة السانحة أمامهم، والتي قد تعود على هذا الدين العظيم وهذه الامة المباركة بالنصر والتمكين؟!

إن غفلة المرء عن استثمار الفرص المتاحة أمامه أو عدم مبادرته إلى افتناصها قبل أن تزول يعود في الغالب إلى:

- غياب الهدف ؛ فالفرص هي مركب المرء وأداته لتحقيق أهدافه؛ فكيف يبحث عن مركب أو يقتني أداة من لا هدف لديه يسعى لتحقيقه ولا غاية؟!

- السلبية وضعف الجدية والشعور المتدني بالمسؤولية تجاه النفس أو الامة. ومن ضعف الباعث لديه ولم يملك قلباً يحترق لإسعاد نفسه وإصلاح أمته امتطى بوابة التسويف والكسل وتوانى عن صعوب الصعاب وتحمّل مشاق ارتقاء المكاره.

- الغفلة عن النظر والتأمل في الآتي ومحدودية التفكير في المستقبل؛ نتيجة العيش في الماضي والتعلق بأحداثه أو الاشتغال بالظرف الراهن واللحظة الآنية، مما حال دون استشراف القادم ومحاولة صنعه أو التأثير في أحداثه.

- الغرق في المشكلات ومعايشة عوائق الفعل وضوابط التنفيذ أكثر من التركيز على جوانب الإيجاب وما يمكن فعله مما حال دون التنبه للفرص السانحة ومن ثم عدم التمكن من استثمارها.

- اليأس والغرق في التشاؤم، والتجربة مظهرة أن المتشائم يواجه الصعوبات في كل فرصة تستنح له، بينما المتفائل يجد الفرص حاضرة أمامه في كل صعوبة تواجهه.

- الثقافة السائدة في كثير من مجتمعاتنا المسلمة، والتي تعمق في نفوسنا مخافة الفشل، ولا تشجع على الجِدِّية في اهتبال الفرص والتعاطي معها.

- طبيعة الفرصة نفسها والتي تأتي في الغالب عائمة عبر ظاهرة ولا تبين إلا عقب انقضائها.

- قلة التوفيق والبركة الناجمة عن تضخيم المرء دور الأسباب وقلة التضرع والانطراح بين يدي الله – تعالى – والتقصير فيطلب معونته وتسديده.

- ضعف المهارة وعدم امتلاك أدوات النجاح ومفاتيحه، مما يعيق المرء عن الاستفادة من الفرص التي يراها لائحة أمامه، والواقع المعاش والتاريخ بماضيه وحديثه شاهدان على أن أصحاب الرؤى الواضحة والرغبات الصادقة والنفوس المتفائلة والمهارات الحاضرة هم فقط من يتمكن من انتهاز الفرص السانحة.

إن أمتنا – أفراداً ومؤسسات ومجتمعات – ليست مطالبة فحسب بانتظار الفرص السانحة ومن ثم المبادرة إلى اغتنامها، بل إنها مطالبة بالقيام بزراعتها وتوليدها وتهيئة أسباب النجاح في اهتبالها؛ من خلال ارتباطٍ صادق بالله – عزوجل- ودراسات معمقة للواقع، ومعرفة عالية بجوانب التأثير وأدواته.

ولو أراد أحدنا أن يتعرف على حجم الإشكال وشديد الخطورة في هذا الجانب لتساءل: كم فرصة لاحت أمام الصادقين من أبناء هذه الأمة ولم يتم استثمارها؟! وكم ولد عدم الاستثمار ذلك في أوساط الأمة من جوانب ضعف وأفقدها من عوامل قوة ومفاتيح نهضة؟!  

ولذا ؛ فلابد من قيام كل مخلص بعملٍ ما في وسعه لإيقاف هدر استثمار الفرص وعدم الاستمرار في إضاعتها وتوالي فقدانها على المستويين الشخصي والجمعي؛ سواء ما كان منها ظاهراً نتيجة حضوره ومباشرته أو كان شديد الخفوت نظراص لكون حدوثه مترتِّباً على تحقق عوامل عدة واحداً تلو الآخر.

وختاماً : فإن من تمام صدق أمتنا والوفاء لدعوتنا القول: إن مجالات النهوض كثيرة، والفرص المتاحة للعمل لهذا الدين تفوق الحصر في كل مجتمع ومجال وبيئة، لكن الغرق في أوحال الترف وضعف الجِدِّية وعدم الشعور العالي بالمسؤولية الدعوية في مجتمعاتنا الغنية، والتعلق بالدنيا والسعي المضني في البحث عن لقمة عيش هنية في مجتمعاتنا الفقيرة، إضافة إلى فقر المناهج التربوية، وفقدان الثقة، وشيوع الروح البائسة، وعدم تشجيع ثقافاتنا السائدة للمرء على الجدِّيدة وعلو الهمة والمبادرة إلى اهتبال الفرص واستثمارها؛ مما يزيد من عبء نَصَحَة هذه الأمة ويضاعف من مسؤوليتهم والأمانة المطلوب حملها على عواتقهم.

نسأل الله – تعالى – أن يسخّر لأمتنا من أمرها رشداً، وأن يجعل منا مفاتيح خير مغاليق شر ، وصلى الله تعالى وسلم على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين.    

مجلة البيان : العدد 244

فيصل بن علي البعداني

 

 

 



([1] )  صحيح ابن حبان، (723) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ، (313) . قال الشيخ الألباني – رحمه الله – (فائدة) كنت استشكلت قديماً في هذا الحديث (عظام يوسف) لأنه يتعارض بظاهره مع الحديث الصحيح: (( إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء))، حتى وقفت على حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بدّن قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبراً يا رسول الله يجمع أو يحمل عظامك؟ قال: بلى . فاتخذ له منبراً مرْقاتين)). أخرجه أبو داود (1081) بإسناد جيد على شرط مسلم. فعلمت منه أنهم كانوا يطلقون (العظام) ويريدون البدن كله من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، كقوله تعالى (( وقرآن الفجر)) أي: صلاة الفجر. فزال الإشكال والحمد لله ، فكتبت هذا لبيانه.

([2] )  البخاري (6049).

([3] )  المستدرك، للحاكم (7846)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3355).

([4] )  مسلم (118).

([5] )  مسلم (2947).

([6] )  البخاري (1078).

([7] )  سنن أبي داود (1516)، وصححه الألباني.

([8] )  البخاري (1886).

([9] )  البخاري (1886).

([10] )  حلية الأولياء ، لأبي نعمي: 1/67.

([11] )  سير أعلام النبلاء، للذهبي: 1/215.

([12] )  سير أعلام النبلاء ، للذهبي: 3/ 342- 343.

([13] )  البحر المديد، لابن عجيبة: 2/401.

([14] )  حلية الأولياء، لأبي نعيم: 3/ 401.

([15] )  وفيات الأعيان، لابن خلكان: 2/261.

[16] )  تهذيب الكمال، للمزي : 24/ 388.