|
إدارة التعانف
فضيلة الوضوح
يقدَم الواحد منا إلى هذه الحياة وهو لا يعرف عنها أيَّ شيء، وسوف يخرج منها وهو لا يعرف الكثير من الأشياء، ورحلته بين الولادة والموت زاخرة بأنشطة مكافحة العماء و(اللا تكوّن) ، إنه كمن امتهن فتح الصناديق المغلقة بشوق شديد بغيةَ التعرُّف على أسرارها والكنوز التي في داخلها.
إن الله عز وجل فطر الإنسان على الخوف من الغموض والالتباس واختلاط الامور، ولهذا فإنه يرغب دائماً في معرفة موطئ قدمه، لكنه لا يحصل دائماً على ما يريد.
إن الإنسان تعلم من التاريخ، وتعلم من خبرته الشخصية أن كثيراً من العدوان والبغي والشقاق والنزاع يقع تحت جنح الظلام وحيث الافتقار إلى الرؤية الواضحة، ولهذا فإن مساعينا لإدارة التعانف والسيطرة عليه لن تكتمل من غير جعل الوضوح في كل شيء جزءاً من تقاليدنا الثقافية وجزءاً من معاملاتنا وعقودنا، ونحن نجد في هذا الإطار أن أطول آية في كتاب الله تعالى تحدثت عن توثيق الديون والإشهاد عليها؛ ذلك حفظاً للحقوق، ومنعاً للجهالة التي تقضي إلى الصدام والنزاع.
وهذه بعض الملاحظات في هذا الشأن:
1- على مدار التاريخ كان الإنسان في كل مكان من الأرض يعاني من الغموض الذي يسببه قصور النظم اللغوية، حيث إن اللغة ليست أداة للتواصل فحسب، ولكنها قبل ذلك أداة للتفكير والفهم والتصور، فنحن حين نفكر عبر جمل ، ونكون وقت التفكير كمن يلقي درساً على نفسه، لكن المشكل الأكبر هو أن كل اللغات تعاني من نوع من العجز عن التعبير عن الصفات والكيوف وعن التدرج الموجود داخل المعنى الواحد والظاهرة الواحدة . إننا فعلاً لا نعرف كيف نعبر عن الفروقات الموجودة بين القبيح والقبيح جداً والبارع في جماله، ولا نعرف مدى وقع هذه الكلمات في نفوس السامعين وهم أنفسهم لا يعرفون كيف يعبرون عن ذلك، وهذا شيء يجعلنا ونحن نتحدث عن الشيء الواحد نبدو وكأننا نتحدث عن أشياء مختلفة. وإذا تأملنا في النزاعات القائمة في البيوت وأماكن العمل فسنجد أن قدراً لا بأس به منها ناشيء من مشكلة قصور اللغة ونظم الفهم والتأويل التي يستخدمها الناس.
قد تقولون : ما الحل لهذه المعضلة؟
الجواب: هو أنه ليس هناك حلٌّ جذري ونهائي، لكن يمكن أن نتخلص من بعض الغموض في التعبير والفهم من خلال تحويل دلالات الكلمات من دلالات كيفية إلى دلالات كمية، كما فعلنا في توضيح مدى صواب الطلاب في اختباراتهم، وذلك حين قلنا: إن (70) تعني (جيد) ، وإن (80) تعني (جيد جداً)، وإن (90) تعني (ممتاز) وهكذا.. ويجب إلى جانب هذا أن نصرف جزءاً من وقتنا في شرح التعريفات والمصطلحات وتوفير فهم مشترك لكل ما نريد التحدث فيه والنقاش حوله، فإذا أردنا أن نعرف هل فلان من الناس (ملتزم) ، وإلى أي درجة هو كذلك؛ فإن علينا أولاً أن نعرِّف الالتزام وما يشكل خروجاً عليه، كما هو معروف عند المناطقة حين قالوا: (الحكمُ على الشيء فرعٌ عن تصوُّره).
2- ينشأ الكثير من التوتر والظلم والتعانف بسبب الغموض في توصيف الحقوق والوجبات والمسئوليات والصلاحيات، ومن العجيب أنك تدخل على بعض المؤسسات فترى فيضاً من الناس الذي يربك بعضهم بعضاً ثم لا ترى أيّ إنجاز جيد، بل ترى الكثير من الأخطاء؛ وحين تحاول فهم ما يجري وتحديد الجهة المسؤولة عن الخطأ؛ فإن تخرج بنتيجة محيّرة؛ الكل مسئول ، والكل بريء أو مدّع للبراءة! والسبب هو تعمد الغموض والتسبب حتى يستخدم الأقوياء قوتهم من دون أي محاسبة ، وحتى يمر كل أشكال التقصير والإساءة دون أيّ مساءلة من أيّ أحد!.
في بعض الأحيان يكون إلى جانب كل قانون أو نظام مكتوب قانونٌ أو نظام غير مكتوب، وحين نسأل؛ هل هذا ممنوع؟أو شيء لا يجيزه القانون؟ يكون الجواب: لا ؛ إنه ليس ممنوعاً – أي: بحسب القانون المكتوب – ولكن ننصحك بعدم القيام به. لماذا؟ نحن ننصحك . وهذه النصيحة تذكير بالقانون غير المكتوب والذي يطبّق عند الحاجة، وهكذا هناك خوف وتوتُّر، وظلم وطغيان، ومع الظلم والغطيان تنمو روح الانتقام بالوسائل غير المشروعة، مما يجعل (إدارة التعانف) في غاية المشقة.
3- نحن نعرف أن الله تعالى نهى عباده عن الذهاب مع الظنون والشكوك التي تشتمل على إساءات وإدانات للآخرين من غير حجة، وهذا واضح في قول الله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ...)) [الحجرات: 21]، وذلك لأن اتهام الآخرين ببعض النقائص من غير بيّنة يثير حفائظهم ، ويؤدي إلى توتر العلاقات معهم، وفي ذلك – قبل هذا – ظلم لهم وعدوان عليهم، ولهذا فإن علينا جميعاً التوقِّي من ذلك، وعلينا إلى جانب هذا أن نبتعد عن مواطن الرّيبة، حتى لا نسهِّل على الآخرين الوقوع في اتهامنا بما ليس فينا ، ويقدّم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم النموذج العملي في ذلك، حيث ذكر أصحاب الصحاح أنه صلى الله عليه وسلم كان معتكفاً في مسجده، فجاءت زوجه صفية – رضي الله عنها – تزوره، فلما رجعت خرج معها فلقيه رجلان من الأنصار؛ فنظرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم مضيا، فقال لهما: (( تعاليا! إنها صفية بنت حيي)). فقالا: سبحان الله يا رسول الله ! فقال لهما: (( إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يلقي في أنفسكما شيئاً)).
إدارة التعانف تحتاج إلى استقامة وعلم وفهم وإلى إدراك لروح العصر وتحدياته ومتطلباته ، وعلينا توفير كل ذلك والعمل به، وإلا فإن من الممكن أن تخرج الأمور عن حدِّ السيطرة ، والله المستعان.
مجلة البيان : العدد 244
د. عبد الكريم بكار
|