|
بسم الله الرحمن الرحيم
أحكام المناسك
أعدها الشيخ سعود بن زيد المطيري
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. أما بعد :
1. الحج واجب في العمر مرة واحدة ؛ لقوله تعالى : "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا" .
2. للحج فضائل عظيمة منها :
vدخول الجنة ؛ فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي r قال " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، والحج المبرور ليس له جزاء ً إلا الجنة " .
v غفران الذنوب ؛ لقوله r "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه " متفق عليه .
vأنه أحسن الجهاد وأجمله ؛ فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت : يا رسول الله ألا نغزو ونجاهد معكم ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : "لكُنّ أحسن الجهاد وأجمله الحج حجٌ مبرور" ، قالت: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري .
شروط وجوب الحج :
3. لا يجب الحج إلا بتحقق تمام العقل والبلوغ ؛ فلا يجب على الصغير ولا المجنون ؛ لقوله r : "رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصغير حتى يبلغ ، وعن المجنون حتى يفيق" أخرجه أبو داود وغيره .
4. حج الصبي صحيح ، وأجره له ، ولوالديه أجر التربية والتسبب ، ولا يجزئ عن الحج الواجب ؛ لقوله r " أيما صبي حج ، ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجةً أخرى " رواه ابن أبي شيبة والبيهقي ، وصححه الألباني .
5. الاستطاعة شرط لوجوب الحج ، ولا ضابط لها ينتظم جميع الناس ؛ بل كل مكلف فيها فقيه نفسه ؛ كما قال الشاطبي ، حيث يقدر ذلك والله حسيبه .
6. المرأة التي لا تجد محرماً في السفر لا يجب عليها الحج ، ولا يجوز لها السفر من غير محرم .
أنواع النسك :
7. لمن قصد الحج أن يختار أحد ثلاثة أنساك ، وهذا بيانها :
8. التمتع : وهو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ، ويفرغ منها ، ويتحلل ، ثم يحرم بالحج في العام نفسه ، ويقول عند الدخول فيه : لبيك عمرة ، ويجب عليه هدي، وإذا لم يستطع الهدي صام عشرة أيام ؛ ثلاثة في الحج ، وسبعة إذا رجع .
9. القران : هو أن يحرم بالحج والعمرة معاً ؛ فيقول عند الدخول فيه : لبيك عمرة وحجاً ، والقارن يبقى في إحرامه حتى يحل مع بقية الحجاج بعد الرمي ، ويلزمه هدي لقرانه ، وطواف القارن وسعيه للحج يجزئانه عن طوافه وسعيه للعمرة؛ فأعماله كأعمال المفرد ، إلا أن القارن يجب عليه الهدي بخلاف المفرد .
10. الإفراد : وهو أن يحرم بالحج فقط ، ويقول عند الدخول فيه : لبيك حجاً . والمفرد يستمر في إحرامه إلى أن يُنهي أعمال الحج ، وليس عليه هدي .
وبهذا يتبين أنه يجب على كل من القارن والمفرد طواف وسعي ، وأما المتمتع فيجب عليه طوافان وسعيان .
11. أفضل الأنساك التمتع ـ لمن لم يسق الهدي ـ ثم القران ثم الإفراد ، وأما من ساق الهدي فالقران متعين في حقه .
12. يسن للقارن والمفرد عند قدومهما إلى مكة أن يطوفا بالبيت ، ويسمى هذا الطواف طواف القدوم ، ويشرع لهما أن يسعيابعده سعي الحج ؛ لفعله r ، وقد كان ـ على الصحيح ـ قارناً .
13. والعمرة لها أركان وواجبات ؛ فأركانها الإحرام والطواف والسعي ، وواجباتها الإحرام من الميقات ، والحلق أو التقصير .
تنبيه : ما سيأتي من أحكام المواقيت والإحرام والطواف والسعي يشترك فيها الحاج والمعتمر إلا في مسائل قليلة جرى التنبيه عليها .
المواقيت :
14. مواقيت الحج والعمرة زمانية ومكانية ، فالزمانية هي : شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة في قول جمهور أهل العلم .
15. ليس للعمرة ميقات زماني فهي مشروعة طوال السنة ، ويتفقان في المواقيت المكانية .
16. وقت النبي r المواقيت المكانية : فلأهل اليمن يلملم ، وتسمى الآن السعدية، ولأهل نجد قرن المنازل ، وهو السيل الكبير ، ولأهل الشام الجحفة ، ويحاذيها الآن رابغ ، ولأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل العراق ذات عرق .
17. هذه المواقيت لأهلها ، ولمن مر عليها من غير أهلها ؛ لقوله r "هن لهن ولمن مر عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة " متفق عليه .
18. الإحرام من الميقات واجب على من مر به وهو يريد الحج والعمرة ، وأما الإحرام قبل الميقات فهو خلاف السنة ، ولكنه ينعقد بالاتفاق ، ومن جاوز الميقات ولم يحرم وجب عليه الرجوع ؛ فإن لم يرجع وأحرم من مكانه أثم .
19. من كان طريقه لا يمر بالميقات فيُحرم عند محاذاته لأقرب المواقيت سواءً كان طريقه براً أو جواً أو بحراً .
20. من كان طريقه يمر على ميقاتين فيحرم من الميقات الأول ؛ ولو كان الثاني ميقات أهل بلده في قول جمهور أهل العلم ؛ لعموم قوله r "ولمن أتى عليهن من غير أهلهن" . ولو أخره إلى الآخر جاز في أصح القولين .
21. يحرم المكي في العمرة من الحل ، ودليل ذلك أن الرسول r لما طلبت منه عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ أن تعتمر وهي في مكة أمر أخاها عبدالرحمن ؛ فقال له : "أخرج بأختك من الحرم ، فلتهل بعمرة من الحل" أخرجه البخاري ومسلم .
ويحرم بالحج من مكة ؛ لقوله r "فمن كان دون ذلك ـ أي المواقيت ـ فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة" .
22. من كان دون المواقيت فإحرامه للحج والعمرة من حيث أنشأالنية ؛ لقوله r صلى الله عليه وسلم : " فمن كان دون ذلك ـ أي المواقيت ـ فمهله من حيث أنشأ " أخرجه البخاري ومسلم .
23. من سافر إلى بلد دون المواقيت كجدة بنية العمل أولاً ثم الحج أو العمرة بعد انقضاء عمله ، وهذا العمل يستغرق أياماً عدة ؛ جاز له مجاوزة الميقات بدون إحرام ؛ لأن دخوله في النسك في هذه الحالة فيه مشقة ، والمشقة تجلب التيسير؛ فإذا أنهى عمله رجع إلى الميقات ؛ ليحرم بالعمرة .
24. من سافر إلى بلد دون المواقيت بنية العمل ثم نوى الحج أو العمرة بعد وصوله إليها فإحرامه من البلد التي نوى العمرة فيها ؛ لعموم قوله r : "فمن كان دون ذلك ـ أي المواقيت ـ فمن حيث أنشأ " أخرجه البخاري ومسلم .
الإحرام :
25. الإحرام هو نية الدخول في النسك ، وهو ركن من أركان الحج و العمرة لا تنعقد إلابه كتكبيرة الإحرام في الصلاة ، ويظن كثير من الناس أن الإحرام هو لبس الإزار والرداء ، وهذا خطأ .
19. يستحب لمن أراد الإحرام ما يلي :
أ ـ الغسل حتى للحائض ، لقوله r لأسماء بنت عميس عندما نفست في ذي الحليفة : "اغتسلي ، واستنفري بثوب وأحرم " أخرجه مسلم .
ب ـ التطيب في البدن ، والمرأة تستخدم الطيب ذو اللون دون الرائحة ، لقول عائشة رضي الله عنها :كنت أطيب النبي r لإحرامه قبل أن يحرم . أخرجه البخاري ومسلم .
ج ـ لبس إزار ورداء أبيضين ، لقوله r " ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين" أخرجه أحمد ، ولقوله r : "البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم" أخرجه الخمسة إلا النسائي ، وصححه الترمذي والألباني .
وهذا خاص بالرجل ، وأما المرأة فتلبس ما شاءت من اللباس .
26. يجوز فعل هذه المستحبات قبل وصوله إلى الميقات ؛ ولا يجاوز الميقات إلا بتلبية ونية .
27. لا يُشرع أن يتلفظ الحاج بنية الإحرام كأن يقول : اللهم إني نويت نسك كذا فيسره لي" فإن هذا لم يثبت عن النبي r ولاعن سلف الأمة ؛ فهو محدث .
28. لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى ركعتين للإحرام ، وأما إذا صلى صلاة لوجود سببها ـ كالفريضة وسنة الوضوء والضحى ـ ثم أحرم فهذا حسن .
29. يسن للحاج أو المعتمر أن يذكر نسكه عند الدخول في النسك ؛ فيقول مثلاً : لبيك حجاً ، ويشرع لمن خاف مانعاً يمنعه من إتمام نسكه ؛ كالمرض والخوف والحيض أن يشترط فيقول : اللهم محِلَي حيث حبستني . كما ثبت عن النبي r في تعليمه لضباعة بنت الزبير ـ رضي الله عنها ـ عندما كانت شاكية.
أخرجه مسلم .
30. يسن له بعد ذلك أن يرفع صوته بالتلبية فيقول : " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك " . والمرأة تسمع رفيقاتها، ويستمر المعتمر بالتلبية إلى أن يأتي البيت الحرام ، ويستمر الحاج إلى يرمي جمرة العقبة يوم العيد .
24. محظورات الإحرام هي الآتي :
v حلق الرأس ؛ لقول الله تعالى : "ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله" .
vتقليم الأظفار في قول جماهير أهل العلم ؛ بل قال ابن قدامة المقدسي : أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من قلم أظفاره إلا من عذر. ودليلهم في هذا القياس على حلق الرأس بجامع الترفه في الكل .
vالتطيب في الثوب أو البدن ؛ لقوله r في المحرم الذي وقصته راحلته : "ولا تمسوه طيباً" أخرجه مسلم .
vقتل الصيد وهو ما كان برياً ـ في الأصل ـ مباح الأكل ؛ كالغزال ، وأما الأهلي ؛ كالغنم ، والبحري ؛ كالسمك ، ومحرم الأكل ؛ كالأسد فيجوز قتلها ولو حال الإحرام ؛ لقوله تعالى : "وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما" .
vلبس الملابس المفصلة على قدر الأعضاء ؛ كالثوب والسراويل والجورب وهذا خاص بالرجال ، لقوله r "لا يلبس المحرم القميص ولا العمائم ولا البرانس ولا السراويلات ولا الخفاف" متفق عليه . وعند التأمل تجد أن الوصف الجامع لهذه الملابس هو ما ذُكر .
vتغطية الرأس ؛ كالغترة والعمامة ، بخلاف غير الملاصق ؛ كالمظلة والسيارة ، ويجوز حمل المتاع على الرأس إذا لم يقصد به التغطية ويدل على هذا المحظور قوله r في المحرم الذي وقصته راحلته : "ولا تخمروا رأسه " . وهذا المحظور والذي قبله خاص بالرجال دون النساء .
vلبس النقاب أو القفازين للمرأة ؛ لأن النبي r نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب . رواه أبوداود . وصححه الألباني ، فإذا كانت عند رجال أجانب وجب ستر الوجه واليدين بغير النقاب والقفازين .
vالخطبة وعقد النكاح ؛ لقوله r " لا ينكح المحرم ، ولا يُنكِح ، ولا يخطب " رواه مسلم .
vالجماع ومقدماته ؛ لقوله تعالى : " فمن فرض فيهن الحج فلا رفث...الآية " فسره ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بالجماع ، وهو أشد المحظورات؛ فمن فعله في الحج قبل التحلل الأول فسد حجه ، وعليه إتمامه وقضاؤه من العام القادم ، وبه أفتى ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما .
31. من فعل شيئاً من هذه المحظورات جاهلاً أو ناسياً أو مكرهاً فلا إثم عليه ، ولا فدية ؛ لقوله r " إن الله تعالى تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " أخرجه ابن ماجه وصححه ابن حبان .
32. تجب الفدية على من ارتكب إحدى هذه المحظورات :
v حلق الرأس ، وفديته : صيام ثلاثة أيام ، أو إطعام ستة مساكين ، أو ذبح شاة ؛ لقوله rلكعب بن عجرة عندما آذاه هوام رأسه : "احلق رأسك ، أو صم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين ، أو انسك شاة" أخرجه البخاري ومسلم . وتسمى عند أهل العلم فدية أذى ، ويجزىْ الذبح والإطعام في مكان فعل المحظور ؛ لأن النبي r أمركعب بن عجرة بالفدية بالحديبية ، ولم يأمر ببعثه إلى الحرم . وأما الصيام فيجزىء في أي مكان .
vتقليم الأظفار والتطيب وتغطية الرأس ولبس ما فصل على قدر العضو في قول جمهور أهل العلم ، وفديتها كفدية الأذى .
vقتل الصيد ؛ لقوله تعالى : "ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً ...الآية " ، ويكون جزاء الصيد لمساكين الحرم .
vالجماع في الحج قبل التحلل الأول ، وفديته : ذبح بدنه ، وبه أفتى عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم .
vالجماع بعد التحلل الأول في قول جمهور أهل العلم ، وفديته : ذبح بدنه عند ابن عباس رضي الله عنهما .
الطواف :
33. الطواف ركن من أركان الحج والعمرة لا تصح إلا به ، وهو سبعة أشواط ، كل شوط يبدأ بالحجر الأسود وينتهي إليه .
34. يسن للحاج أو المعتمر أن يستلم الحجر الأسود بيده اليمنى ، ويقبله في بداية كل شوط ؛ فإن لم يتيسر استلمه بيده وقبلها ، فإن لم يتيسر استلمه بعصا ونحوها وقبلها ، فإن لم يتيسر فلا يزاحم الناس ، ويشير إليه بيده اليمنى ـ عند محاذاته ـ من غير تقبيل ، وهذه الصفات ثبتت عن المصطفى r كما في الصحيح .
35. يسن عند استلام الحجر أو الإشارة إليه أن يقول : الله أكبر ، وذلك في بداية كل شوط ؛ فقد ثبت ذلك عنه r كما في صحيح البخاري .
36. يسن له الرمل ـ وهو سرعة المشي مع تقارب الخطا ـ في الأشواط الثلاثة الأوَل ، لأمره r أصحابه بذلك رواه مسلم . ويبدأ من الحجر الأسود حتى ينتهي إليه ؛ لقول جابر رضي الله عنه رأيت رسول الله r رمل من الحجر حتى انتهى إليه " رواه مسلم .
37. ويسن له الاضطباع ـ وهو جعل وسط الرداء تحت العاتق الأيمن وطرفيه على العاتق الأيسر ـ حتى نهاية الطواف ؛ لأن النبي r كان يفعله كما في الترمذي ، وقال عنه : حسن صحيح ،
38. والرمل والاضطباع خاصان بالرجال دون النساء ، والرمل خاص بطواف القدوم في الحج ، وطواف العمر ة .
39. |