الرئيسة   هموم أمة   الانقلاب على الشعوب

الانقلاب على الشعوب

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين... وبعد:
فقد كان الشائع في حقبة الانقلابات والثورات، في الخمسينيات الميلادية من القرن الماضي، وحتى عهدٍ قريب، أن تقوم بعض الفئات باسم الشعب في بلدٍ ما، بالانقلاب على السلطة أو الحكومة، فتغير حال النظام من النقيض إلى النقيض، وكان يُقال وقتها: إن هذه هي إرادة الشعب، وهو حرٌ في اختيار النظام الذي يُعبِّر عن أمانيه، وأن هؤلاء الثوريين قاموا لتحقيق رغبة الجماهير.
لقد تغيرت الصورة؛ لكننا بدأنا نرى تغيراً في المشهد؛ إذ صارت الحكومات في بلدانٍ عديدة، هي التي تنقلب على الشعوب وعلى رغباتها وعلى اختيارها، منذ أن انقلبت السلطة على الشعب في انتخابات الجزائر العامة التي أجريت سنة 1991م، والتي اختار الشعب فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، بما كاد يُحقق الإجماع. لكن ذلك الإجماع الشعبي صُودرت إرادته، وأسكت صوته فيما يُشبه انقلاباً عسكرياً قامت به فئة صغيرة ضد الأغلبية الكاسحة من الجماهير.
الظاهر أن نموذج تلك الأقلية الثائرة على الأغلبية، والمسنودة بقوى أجنبية، قد أغرى الكثير بتكرار التجربة، دون أي التفاتٍ إلى الشعارات التي صخت الآذان منذ عهود طويلة، منادية بحق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار من يُمثلها؛ فقد تكرر هذا الانقلاب على الشعوب مراراً، بعد الانقلاب على شعب الجزائر، وفي ظروف مشابهة، وهو ما يُشير إلى أن مثل تلك الانقلابات ستتكرر حاضراً ومستقبلاً، كلما تكررت ظروفها.
أما تلك الظروف (الخاصة) التي لأجلها تحدث الانقلابات على الشعوب بمباركة من العالم (الحر) فهي أن يختار الشعب بإرادته الحرة في بلد مسلم الرجوع إلى دينه، والعودة لهويته، فيلتف حول شريحة من أصحاب التوجه الإسلامي كي تُمثله، أو تتحدث باسمه أو تقوده، وهنا تُرفض الإرادة الشعبية الحُرة التي تُعد محترمة في كل الحالات إلا في هذه الحالة.
لقد كان الانقلاب على إرادة الشعب في أفغانستان، مثالاً صارخاً آخر على نهج الثورة على الشعوب، حيث لم يُقبل من الشعب الأفغاني الذي التف حول الحكم بالشريعة أيام الإمارة الإسلامية، أن يستمر في خياره الذي رأى ثمراته السريعة رأي العين: استتباباً للأم، وقضاءً على الجريمة، وإضعافاً لتجارة المخدرات، وتحسناً في أحوال المعيشة، وإنهاءً لفوضى السلاح، وطرداً لأمراء الحرب. ولا يُقال هنا عن ذلك الانقلاب على إرادة الشعب الأفغاني واحتلال أرضه كان بسبب أحداث سبتمبر 2001م؛ فقد ثبت أن ذلك الانقلاب كان مُعداً له من قبل أن تقع تلك الأحداث بوقت طويل.
لقد تكرر الانقلاب مرة أخرى على شعب آخر، هو الشعب الفلسطيني، الذي اختار بأغلبية كبيرة النهج الإسلامي في الحكم والإدارة، ممثلاً في حركة حماس، حيث أعطى الشعب ثقته لمرشحي حماس، لا ليمثلوه في البرلمان فقط، بل ليحكموه في السلطة أيضاً، وهكذا شكلت حماس الحكومة، ومارست حقها في اختيار وزراء ومسؤولين منها في تلك الحكومة، ولكن هذا الاختيار الشعبي الواعي الحُر، لم يرق للفئة الكارهة للخيار الإسلامي، وكان من المتوقع أن تنقلب على إرادة واختيار الشعب الفلسطيني، لكن الذي وقع كان أكثر من المتوقع، حيث لم تكتف تلك الفئة بحرمان الشعب من خياره، بل عاقبته – بالاشتراك مع قوى دولية وإقليمية – على هذا الخيار، في شكل حصار امتد لنحو عام حتى الآن، بل إن الأمور سارت نحو الأسوأ في (سيناريو) شبيهةٍ بالسيناريو الجزائري، حيث أقيلت الحكومة بذرائع غير قانونية ولا أخلاقية، وبدأت الأمور تتجه نحو الصدَّام لإيجاد واقع جديد يُفرض فيه النموذج العلماني فرضاً رغم أنف الشعب وضد إرادته وغالبيته وأصول هويته.
النموذج الانقلابي الفج، تكرر مرة أخرى في الصومال، ذلك البلد الذي لم يأبه العالم بصراخه من فقدان الأمن وشيوع الجريمة وغياب الشرعية طوال خمسة عشر عاماً، فلما أفاق الناس هناك على صحوة ضمير تُنادي بالرجوع إلى الإسلام ومن يُمثلونه لاسترجاع ما ضاع، إذا بذلك العالم الذي كان نائماً من معاناة الشعب في الصومال متغافلاً عن الجوعى والمرضى والمعذبين، يهبُّ فزعاً من إقبال ذلك الشعب على الالتفاف حول نموذج إسلامي صاعد بدأ ناجحاً وكاسحاً في السير نحو مصلحة الشعب الصومالي، لقد عمل رجال (المحاكم الإسلامية) على حلِّ عُقَد الشعب الإسلامي عُقدة عقدة، وبدؤوا يُعالجون مشكلاته بقليلٍ من الإمكانات، مع كبيرٍ من العزمات، وقد سجلوا نجاحات كبيرة قياساً بضيق الوقت وقلة النصير.
ولكن كيف يسكت الحاقدون عن شعب يريد أن يلتمس حلاً لمشكلاته باسم الإسلام، وتحت قيادة الإسلاميين؟! إن هذا ما تعاهد أعداء الأمة في الداخل والخارج على الحيلولة دون وقوعه، ولو أدى ذلك إلى تدخل عسكري خارجي يفسد الحرث ويقتل النسل، كما حدث في أفغانستان، أو إلى مساندة فئة علمانية عميلة، كما حدث في فلسطين، أو لإشعال الفتن بين فئات الشعب كما حدث في الجزائر، أو إلى الجمع بين كل ذلك، إذا لم يكن هناك حلٌ غلا ذلك، إن كل هذا حدث في الصومال، ولقد شاهدنا وشهدنا في السنوات الأخيرة، كيف أن أعداء الأمة في الداخل والخارج، لم يُجمعوا على شيء مثل إجماعهم على حرماننا من العودة إلى ديننا، والحرية في اختيار من يحترم شرعتنا ويمثل هويتنا.
ظواهر تلازم الانقلابات على الشعوب:
يلمس المتابعون العديد من السمات الملازمة لتلك الانقلابات، ومن أهمها:
w أن الخيار الشعبي الوحيد المرفوض لدى أعداء الأمة في الشرق أو الغرب، هو الخيار الإسلامي، بدليل أن العالم الرأسمالي، لم يتصرف بتلك العصبية والتشنج، عندما حدثت تغيرات يسارية أو شيوعية في بعض البلدان العربية أو الإسلامية، وكذلك لم نر من ورثة الكيان الشيوعي السابق ذلك الثوران والفوران على الشعوب التي اختارت التوجه غرباً، لكن عندما اختارت بعض الشعوب التي كانت خاضعة للاتحاد السوفيتي السابق – مثل الشيشان وداغستان – أن تستقل بإرادتها وهويتها الإسلامية، أُعلنت عليها الحرب الشاملة، التي لا تزال دائرة حتى الآن.
w أن ظاهرة الانقلاب على الشعوب، تبدو مُعلنة فجة في بلدانٍ، وحيية مستخفية في بلدان أخرى، لا لأن الانقلابيين أكثر حياءً أو أوفر ضميراً، ولكن لأن الانقلاب لم تتوفر مقتضياته، أو لم تحن ساعته؛ وما يحدث في مصر والسودان وباكستان والأردن والمغرب وغيرها، قد يُنذر بجولات انقلابية جديدة على الشعوب.
w الجيوش الرسمية، التي يُفترض أنها حامية الشرعية، والتي تُمثل إرادة الشعب – كما يقولون – تخذل شعوبها في كل مرة، كما أن الشرطة التي يُفترض أنها (في خدمة الشعب) تطلق بكامل قواها ضد إرادة الشعب، وفتكاً بالرموز التي تمثله، والتي تعبر عن أمانيه، وهو ما يستوجب إعادة النظر، في تقدير الدور الحقيقي الذي يُناط بتلك القوات النظامية: أهو مع الشعوب أم ضدها؟
w كان الإسلاميون يُلمزون دائماً بأنهم أصحاب النهج الانقلابي العنيف، للتنفير منهم، ومن الخيار الإسلامي الذي يحملونه، وكان خصومهم يوضعون غالباً أو دائماً في صورة أنصار التحرر أو صقور الشرعية أو حمائم الديمقراطية، وكان الإسلاميون يتهمون بأنهم كفار بالديمقراطية التي يعدها الغرب الصيغة الوحيدة المقبولة لممارسة السياسة، فلما مارس بعض الإسلاميين تلك الديمقراطية، ووصلوا من خلال آلياتها إلى بعض ما تريده الشعوب، رأينا المؤمنين بالديمقراطية والداعين إليها، يكفرون بها، وينقضون فلسفتها، ويدمرون آلياتها، لا لشيء إلا لأنها أعطت جواز مرور للإسلام في بلاد الإسلام، وهو ما أفقد الشعوب رغبتها وثقتها في ممارسة حقها في الاختيار الحر.
w تأجيل أو إخفاء الانقلاب على الخيار الشعبي الإسلامي، لا يكون إلا بعلة خارجية؛ وتجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا، من النماذج القليلة جداً في ذلك، لكن عدم وقوع ذلك الانقلاب حتى الآن، له أيضاً أسباب، أهمها أن الإسلاميين هناك قالوا: لسنا إسلاميين ولا نحب أن يصنفنا أحد بهذا التصنيف، وقالوا أيضاً: إننا نحترم العلمانية، ولا نرى تعارضاً بينها وبين هوية الشعب التركي، ولا نرى غضاضة في التعامل مع أمريكا كحليف استراتيجي، ومع دولة اليهود، كدولة صديقة! أما أوربا، فإن الانضمام إلى اتحادها أهم عندنا من العمل لوحدة العالم الإسلامي! ومع ذلك فبعض المراقبين يتخوفون من انقلاب الجيش (حامي العلمانية) على هذا الخيار الشعبي الذي يتوق حنيناً إلى العودة للإسلام.
wتدخل الغرب ووقوفه إلى جانب المنقلبين على شعوبهم، أصبح يمثل ظاهرة استفزازية غير مقبولة ولا معقولة؛ فمنذ أن هددت فرنسا بالتدخل العسكري فلي الجزائر، إذا تسلمت جبهة الإنقاذ السلطة، وهذا السلوك الشائن يتكرر من الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، كما حدث في أفغانستان وفلسطين والصومال، وهو ما يوصل إلى نتيجة مؤداها أن (الخيار الديمقراطي) بفلسفته وآلياته قد أصبح من (المستوردات) التي انتهى تاريخ صلاحيتها.